ستحظى آلية الشورت سيلنج أخيرا بإطار تنظيمي ومسار واضح للتنفيذ. فقد أصدرت الهيئة العامة للرقابة المالية القواعد التنظيمية الجديدة (بي دي إف) لآلية البيع على المكشوف (الشورت سيلنج) أمس، بعد خمسة أشهر من طرحها القواعد المبدئية في مارس الماضي. وأمام شركات الوساطة المالية الحاصلة بالفعل على موافقة بمزاولة عمليات البيع على المكشوف مهلة شهر واحد من تاريخ العمل بالقرار لتجهيز بنيتها التكنولوجية، وهو ما يرجح طرح الآلية فعليا في أواخر سبتمبر المقبل، وفقا لحساباتنا. سينشر القرار في الجريدة الرسمية خلال أيام، على أن يدخل حيز التنفيذ في اليوم التالي لذلك.
كنا نترقب ذلك بالفعل: إذ قال رئيس البورصة المصرية عمر رضوان لإنتربرايز في وقت سابق من هذا الشهر إنه يتوقع تفعيل آلية البيع على المكشوف قبل نهاية الشهر، بالتزامن مع إجراء الاختبار النهائي للنظام حينها. وكانت الرقابة المالية قد طرحت الآلية لأول مرة في عام 2019، ومنحت تراخيص لنحو 51 شركة وساطة، من بينها "إي إف جي هيرميس" و"سي آي كابيتال" وبرايم القابضة و"إتش سي" لتداول الأوراق المالية، وكايرو كابيتال سيكيوريتيز وشعاع لتداول الأوراق المالية وأرقام والعربي الأفريقي الدولي لتداول الأوراق المالية وبريميير لتداول الأوراق المالية، ووعدت بإجراء تجارب تشغيلية، إلا أن الآلية لم تدخل حيز التنفيذ الفعلي قط.
التغييرات الجديدة في الضوابط
يحق لمساهمي أي شركة مدرجة بالبورصة المصرية إقراض ما يصل مجتمعا إلى 40% من أسهم الشركة حرة التداول، ارتفاعا من السقف المحدد في قواعد مارس والذي بلغ 25%. ولا يجوز أن يتجاوز ما يخصص للعقود المباشرة المبرمة بين شركة السمسرة والمُقرض (المساهم) والمُقترض (البائع على المكشوف) نسبة 5% من تلك الأسهم حرة التداول. وتحتفظ شركة السمسرة بهذه المعاملات تحت مسؤوليتها الخاصة بدلا من توجيهها عبر نظام الإقراض المركزي التابع لشركة مصر للمقاصة والإيداع والقيد المركزي. وفي الوقت نفسه، لا يجوز لأي عميل منفرد ومجموعاته المرتبطة اقتراض أكثر من 2% من إجمالي الأسهم حرة التداول للشركة. ولا يتضمن القرار الجديد نصا يعيد فرض السقف المنفصل البالغ 5% للمُقرض ومجموعاته المرتبطة والذي نصت عليه قواعد مارس.
كيف ستحتسب الحدود القصوى؟ لنفترض وجود شركة لديها مليار سهم حر التداول، على سبيل المثال. سيصل الحد الأقصى لوعاء الإقراض إلى 400 مليون سهم بموجب الحد الجديد البالغ 40% (ارتفاعا من 250 مليون سهم في قواعد مارس). ومن هذا الإجمالي، يمكن إقراض 50 مليون سهم كحد أقصى من خلال العقود المباشرة التي ترتبها شركات السمسرة، في حين لا يجوز لأي بائع على المكشوف اقتراض أكثر من 20 مليون سهم، أو 2%.
ولا يمكن للبائعين على المكشوف تكثيف عملياتهم على سهم يتراجع. فيجب أن يكون سعر بيع الأسهم المقترضة أعلى من آخر سعر تداول أو مساويا له، شريطة أن يكون التغير الأخير في السعر بالزيادة. وصُممت هذه القاعدة لمنع التخلص من الأسهم المقترضة بهدف دفع السعر نحو الهبوط. وقال رضوان: "هذا ليس بيعا على المكشوف دون تغطية". إذ ينبغي تدبير الأسهم وتسجيلها أولا عبر نظام شركة مصر للمقاصة، مع إيداع هامش ضمان نقدي بنسبة 50% قبل بيعها. لذلك لا يمكنك بيع سهم على المكشوف لم تقترضه فعليا، مما يجعل وجود مُقرضين راغبين أمرا جوهريا لانطلاق هذه السوق.
تحفيز المقرضين: ستستثمر شركة مصر للمقاصة حصيلة البيع على المكشوف في أدوات الدخل الثابت، على أن يحصل المُقرضون على هذا العائد، إضافة إلى معدل الإقراض الخاص بهم بمجرد إغلاق المركز. ويعالج ذلك إشكالية غياب الحوافز؛ إذ قال رضوان لإنتربرايز أن إقناع مالكي الأصول بإقراض أسهمهم فعليا كان أحد العقبات الرئيسية. وبموجب الآلية الجديدة، سيحصل المقُرضون على عائد إضافي على حصيلة البيع، في حين سيحظى المقترضون بخيارات أوسع بشأن الجهة التي يقترضون منها، ولن يتحملوا التكلفة إلا طوال فترة بقاء مراكزهم مفتوحة.
تخفيف متطلبات العمالة على شركات الوساطة: خفض القرار عدد الخبراء المعتمدين المطلوب وجودهم لدى شركة الوساطة من ثلاثة خبراء بموجب قواعد مارس إلى موظف واحد صاحب خبرة مستوفٍ للشروط المنصوص عليها.
مسألة الشهية الاستثمارية
يتزامن هذا التوقيت مع ظهور شريحة جديدة من المستثمرين صُممت خصيصا لاستغلال مثل هذه الأدوات. ففي الأسبوع الماضي فقط، مهدت الرقابة المالية الطريق لتأسيس أول صناديق تحوط في مصر، لتسمح لمديري الصناديق بتأسيس صناديق تحوط جديدة أو تحويل نشاط صناديق الاستثمار القائمة. ويمكن لهذه الصناديق استخدام استراتيجيات الرافعة المالية والمشتقات المالية والبيع على المكشوف التي قد تعتمد على إمكانية الوصول إلى الأسهم المقترضة.
وتمنح هذه الخطوة دفعة أخرى لسوق المشتقات المالية في مصر، والتي لا تزال أحجام تداولاتها ضعيفة؛ فقد أُطلقت العقود الآجلة للمؤشر الرئيسي للبورصة المصرية EGX30 في مارس، تلتها العقود الآجلة لسهمي البنك التجاري الدولي ومجموعة طلعت مصطفى القابضة في يونيو، إلا أن أحجام التداول ظلت ضئيلة. وأرجع رئيس قسم البحوث في شركة الأهلي فاروس هاني جنينة ذلك إلى القيود المفروضة على تفويضات الصناديق بشأن استخدام الأدوات ذات الرافعة المالية، إلى جانب قيود هيكلية أخرى في السوق، وليس غياب شهية الاستثمارية.
لكن الإطار التنظيمي القوي لآلية البيع على المكشوف لا يعني بالضرورة وجود طلب فوري. إذ يظهر الطلب على البيع على المكشوف بالأساس خلال الاتجاهات الهبوطية طويلة الأجل حين تمتد التراجعات لفترات أطول من موجات الصعود، وفق ما صرح به سامح غريب، خبير أسواق المال بشركة تايكون لتداول الأوراق المالية، لإنتربرايز. أما في ظل الاتجاه الصعودي الحالي للسوق، فإن غالبية المستثمرين يفضلون الاحتفاظ بأسهمهم أو التداول المباشر حول مراكزهم الحالية، وهو ما يُبقي معدلات الاستخدام محدودة حتى مع رفع السقف التنظيمي. وتابع غريب: "حتى لو فُعلت الآلية اليوم، فإن معدلات الاستخدام ستظل محدودا نسبيا مقارنة بما تكون عليه خلال السوق الهابطة".
ما الذي ينقصنا؟
لن تكون سوى مجموعة محددة من الأسهم المقيدة في البورصة مؤهلة لعمليات الشورت سيلنج. كما لا يزال يتعين على البورصة المصرية تحديد معايير أهلية الأسهم التي يمكن إتاحتها للإقراض، رهنا بموافقة الرقابة المالية، ما يجعل الجدوى العملية لرفع السقف أمرا غير محسوم حتى صدور تلك القائمة. كذلك لا تزال البنية التحتية قيد الإنجاز؛ إذ يتعين على مصر للمقاصة وضع الإجراءات الفنية اللازمة واعتمادها من رئيس الرقابة المالية، والتنسيق مع البورصة بشأن الأنظمة، وبناء الربط الآلي بين نظام التداول ونظام الإقراض المركزي.