لماذا لم تحقق العقود الآجلة في البورصة المصرية الانطلاقة المرجوة حتى الآن؟ عندما طرح المؤشر الرئيسي للبورصة المصرية خيار العقود الآجلة في مارس الماضي تزامنا مع اندلاع الحرب الإيرانية، أجمع كل من المتفائلين والمشككين على أمر واحد، وهو ضرورة الانتظار لبعض الوقت قبل نجاح التجربة. والآن، بعد مرور ثلاثة أشهر، فإن هذا المنتج الذي رُوِّج له باعتباره التحديث الأكبر في بنية البورصة المصرية منذ عقد تقريبا لا يسجل سوى بضع صفقات يوميا، وهو ما دفع إدارة البورصة إلى طرح عقود آجلة للأسهم الفردية، في خطوة تبدو بمثابة اعتراف بوجود فجوة بين أول منتج يتتبع المؤشر وبين اهتمامات المستثمرين.
💡 العقود الآجلة لمؤشر EGX30 هي عقود شراء أو بيع خاصة بالمؤشر الرئيسي للبورصة (الذي يضم الشركات الثلاثين المدرجة الأكثر سيولة)، بسعر محدد مسبقا في تاريخ مستقبلي معين. وحتى الآن، تتوفر هذه العقود بخيارين فقط: عقود مدتها 3 أشهر (وهو الأكثر سيولة وملاءمة للمراكز قصيرة الأجل)، وعقود مدتها 6 أشهر (للتحوط طويل الأجل). وتحدَّد مضاعف العقد عند جنيه واحد لكل نقطة مؤشر، وهي خطوة مدروسة لخفض حد الاستثمار، ودعم السيولة، وتمكين المستثمرين من التحوط بدقة أكبر.
بالأرقام: بلغ إجمالي قيم التداول اليومية للعقود الآجلة لمدة 3 و6 أشهر نحو 641,100 جنيه أمس، وهو مبلغ يمكن لسوق الأسهم تجاوزه في أقل من ساعة. ولم يشهد اليوم بأكمله سوى تنفيذ 4 صفقات فقط، توزعت بالتساوي بين عقود يونيو وديسمبر. وبحلول الإغلاق، لم يكن لدى أي من نوعي العقود طلبات شراء أو عروض بيع نشطة على شاشات التداول.
أسباب تلك البداية الضعيفة تتجاوز تداعيات الحرب التي تخيم على السوق؛ فتفضيلات المستثمرين المحليين مالت طوال السنوات الماضية نحو دعم الأسهم المألوفة، بدلا من شراء سلة كاملة من الأسهم. كما أن المستثمرين المؤسسيين والأجانب، والذين صُمم المنتج بالأساس من أجلهم، غائبون بشكل ملحوظ عن السوق، ولا يستوعب المستثمرون الأفراد طبيعة هذا المنتج. ومع استمرار ضعف نشاط صناعة السوق، والارتفاع الكبير في عوائد أذون الخزانة لدرجة تجعل سداد هامش التأمين يعني تكلفة حقيقة للفرصة البديلة، فإن المشتقات المالية باتت تنافس نفسها بقدر ما تعاني من ضعف شهية المستثمرين.
إلى جانب هذا ففكرة الاستثمار المرتبط بالمؤشرات ليس لديها سجل محلي مبشر؛ إذ يقول هاني جنينة، رئيس قطاع البحوث بشركة الأهلي فاروس، إن المستثمرين الأفراد "يفضلون شراء الأسهم مباشرة لتحقيق التركز في محافظهم الاستثمارية". وأضاف أنه عندما طرحت البورصة لأول مرة صناديق المؤشرات المتداولة التي تتبع مؤشر EGX30 في عام 2014، لم تتحقق أحجام التداول المرجوة، واختفى المنتج بهدوء. ورغم اختلاف آليات العقود الآجلة، فإن التفضيلات السلوكية في التعامل معها تظل كما هي؛ فالمستثمرون المحليون من الأفراد أو المؤسسات يرغبون في الاستثمار في الأسهم المألوفة لديهم، والتي يحملون توقعات واضحة بشأنها، وهو ما لا توفره المنتجات المرتبطة بالمؤشرات.
وهناك أيضا مشكلة حقيقية في صناعة السوق، يوضحها جنينة قائلا إن الأفراد "يخشون العراقيل المحتملة نتيجة لغياب طلبات الشراء وعروض البيع الكافية". وفي السوق ضعيفة السيولة، يتحول هذا الخوف إلى حقيقة تغذي نفسها؛ إذ يتراجع المستثمرون خوفا من غياب الطرف المقابل، ويسفر تراجعهم عن استمرار هذا الوضع. وقد واجهت صناديق المؤشرات المتداولة هذه الدائرة المغلقة بالضبط، ويبدو حتى الآن أن العقود الآجلة لمؤشر EGX30 تواجه المصير ذاته.
ويراهن الخبراء على أن زيادة الوعي ستسفر عن زيادة التدفقات النقدية؛ إذ صرح لنشرتنا خالد عامر، العضو المنتدب لشركة تسويات لخدمات التقاص والمقاصة، والتي تتولى تسوية جميع معاملات العقود الآجلة في البورصة المصرية، إن أحجام التداول ستنتعش حالما يصبح المستثمرون أكثر دراية بالمنتج. وأوضح عامر أن "المراحل الأولى لأي سوق مشتقات مالية تتسم عادة بالتبني التدريجي، والذي يزيد مع إلمام المستثمرين والوسطاء والمشاركين في السوق بالمنتج والعمليات التشغيلية المصاحبة له"، مضيفا أنه "رغم تواضع أحجام التداول، فإن هذا متوقع بالنسبة للأسواق الحديثة".
غياب لأدوات التحوط والمتحوطين
لا يمكن لمنتج تحوطي أن يجذب الكثير من الاهتمام إذا كان المستثمرون المستهدفون غائبين عن السوق؛ فقد صُممت العقود الآجلة لمؤشر EGX30 بالأساس من أجل المستثمرين المؤسسيين والأجانب، لكن حتى الآن لا يبدو أن أي من هذين الطرفين يشارك في التداولات. وتتمثل الميزة البيعية الرئيسية للمنتج في قدرته على مساعدة محافظ الأسهم الكبيرة على التحوط دون إجبار المستثمرين على بيع أسهمهم نفسها. لكن هذا لا ينجح إلا إذا كانت هناك محافظ مؤسسية ضخمة تحتاج للتحوط في المقام الأول، إلى جانب وجود مشاركين كافيين في السوق يمتلكون الأنظمة والتفويضات والشهية لتداول المشتقات إلى جانب حيازاتهم من الأدوات النقدية.
كما أن مشاركة الأجانب في السوق المصرية تمثل جزءًا ضئيلا مما كانت عليه قبل أزمة سعر صرف النقد الأجنبي عام 2022؛ إذ علق لنشرتنا عمرو الألفي، رئيس استراتيجيات الأسهم بشركة ثاندر، قائلا إن "النسبة الإجمالية للمستثمرين الأجانب في السوق المصرية منخفضة للغاية حاليا مقارنة بما كانت عليه في السابق"، لافتا إلى أن "المحرك الرئيسي للسوق حتى الآن هم المستثمرون الأفراد، وتحديدا المصريين". ووفقا لبيانات البورصة المصرية، بلغت نسبة الأجانب 15.4% من إجمالي قيم التداول في الأسهم المقيدة خلال الربع الرابع من عام 2021، لكن تراجعت تلك النسبة إلى 5.4% بحلول الربع الرابع من عام 2025.
وتواجه المؤسسات المحلية قيودا كذلك؛ فصناديق المعاشات وشركات التأمين، التي عادة ما تقبل على أدوات التحوط على المدى الطويل، تعمل بموجب تفويضات لا تسمح في كثير من الحالات بالاستثمار اعتمادا على الروافع المالية، حسبما صرح جنينة لنا في مارس الماضي. وغالبا ما يعجز مديرو الصناديق الراغبون في استخدام خيار العقود الآجلة عن فعل ذلك، لأن السياسات الاستثمارية لصناديقهم لم تواكب المنتجات الجديدة في السوق بعد.
ماذا عن المستثمرين الأفراد؟ يرى الألفي أنهم "عادة لا يستخدمون العقود الآجلة على الإطلاق". ومع أن ثاندر لديها القاعدة الأوسع من المستثمرين الأفراد في مصر، فإنها لم تتح خيار تداول العقود الآجلة على تطبيقها بعد. وأوضح الألفي أن الشركة "لا تسعى إلى ذلك الأمر حاليا لأن تداول العقود الآجلة يتطلب ترخيصا معينا"، مضيفا أنهم ما زالوا "يركزون حاليا على التثقيف الأساسي للمستثمرين بشأن تداول الأسهم. وإن توسعوا في العقود الآجلة فإن شريحة صغيرة فقط من [المستثمرين الأفراد] قد تفكر في تداولها".
عقبة أذون الخزانة
هل يمكن للعقود الآجلة منافسة أذون الخزانة وجذب اهتمام المستثمرين؟ يرى عامر أن هذه المقارنة ليست في محلها، قائلا إن "فئتي أذون الخزانة والعقود الآجلة تخدمان أهدافا استثمارية مختلفة تماما". وتابع موضحا أن "المستثمرين الذين يقيمون خيار العقود الآجلة يركزون عادة على إدارة المخاطر، أو تحسين محافظهم الاستثمارية، أو الاستثمار في السوق اعتمادا على الرافعة المالية، بدلا من أن يقارنوا العقود الآجلة مباشرة بعوائد أدوات الدخل الثابت".
رأينا — يستلزم هذا الرأي أن تكون المشتقات جزءا من الأدوات المتاحة بالفعل في السوق. أما في مصر، فلا يزال بإمكان المستثمرين تحقيق عوائد خالية من المخاطر تقترب من 25% عند الاستثمار في الأوراق المالية الحكومية لأجل عام؛ إذ بلغ المتوسط المرجح للعائد في أحدث عطاء لأذون الخزانة بالجنيه لأجل 364 يوما نحو 24.6%. ولم ترغب شركة المقاصة في الإجابة عما إذا كان هناك عدد كاف من المستثمرين يرى أن هذه المقايضة تستحق العناء.
خطوة أذكى
طرحت البورصة المصرية عقودا آجلة للأسهم الفردية في وقت سابق من هذا الشهر، بدأت بعقود لسهمي البنك التجاري الدولي ومجموعة طلعت مصطفى، وهو تحول ربما يستهدف تجاوز القيود التي واجهها المنتج الأول. ففي تلك العقود الجديدة، بدلا من مطالبة المستثمرين بالاستثمار في سلة تضم ثلاثين سهما، تتيح البورصة أداة يستوعبونها بالفعل: مراكز قائمة على الرافعة المالية في اثنين من أكثر الأسهم سيولة في السوق. وستبدأ تداولات عقود التجاري الدولي وطلعت مصطفى في البورصة يوم الأحد المقبل، الموافق 21 يونيو.
تذكر: يستحوذ السهمان على حصة ضخمة من السيولة في البورصة المصرية؛ فقد كان سهم البنك التجاري الدولي الورقة المالية الأكثر تداولا في البورصة خلال مايو الماضي بقيمة 10.4 مليار جنيه (6.6% من إجمالي قيم تداول الأسهم المقيدة)، وتلاه سهم مجموعة طلعت مصطفى بقيمة 9.7 مليار جنيه (6.3%). واستحوذت الورقتان الماليتان وحدهما من بين أكثر من 200 شركة مقيدة على حوالي 13% من إجمالي قيم تداول الأسهم المقيدة الشهر الماضي.
وعلق جنينة لنشرة إنتربرايز قائلا إن "طرح عقود آجلة لأسهم يفضلها الأفراد بالفعل ويرون فيها قيمة استثمارية يعزز من فرص النجاح". إذ يمثل البنك التجاري الدولي ومجموعة طلعت مصطفى معا أكبر قيمة سوقية معدلة لنسبة الأسهم حرة التداول في البورصة، وتتميز قاعدتهما الاستثمارية المحلية والإقليمية والدولية بالعمق، كما يحمل كلا السهمين قيمة حقيقية في وجهة نظر جنينة. ويمكن للمستثمرين الراغبين في الاستثمار وفقا لاتجاهات السوق في أي من السهمين فعل ذلك الآن برافعة مالية تعادل قيمة استثمارهم بأربع مرات بدلا من شراء الأسهم الفعلية، مما يعني أن أي تغير بنسبة 1% في سعر السهم يتحول إلى ربح أو خسارة بنسبة 4% في مركز العقد الآجل.
ما نترقبه
ستخضع فكرة العقود الآجلة للاختبار الحقيقي الأول في وقت لاحق من هذا الشهر عند انتهاء صلاحية عقود يونيو. وسيكون ذلك أول تقييم للدورة الكاملة للعقود الآجلة في مؤشر البورصة المصرية منذ طرحها وحتى التسوية النهائية، والفرصة الأولى لمعرفة مدى صمود البنية التحتية للمقاصة والتسوية أثناء عمليات التداول. وقال عامر عن هذا الاختبار إنه "سيمثل تجربة عملية هامة للبنية التحتية للسوق".
وما سيحتاج السوق إلى تبيينه بحلول ذلك الوقت هو ما إذا كانت العقود الآجلة للأسهم الفردية قادرة على جذب الجمهور الذي عجزت الأدوات المرتبطة بالمؤشرات عن الوصول إليه. فالشروط اللازمة لرواج العقود الآجلة في البورصة على نطاق أوسع لم تتوفر بعد (مثل مشاركة المؤسسات، وشهية المستثمرين الأجانب، ودراية الأفراد بها). وتتمتع عقود التجاري الدولي وطلعت مصطفى بفرص أفضل تحديدا لأنها تتجاوز تلك الشروط، ولأن المستثمرين لديهم بالفعل رؤية واضحة حول هذين السهمين. وإذا نجحت عقود التجاري الدولي وطلعت مصطفى في جذب المستثمرين، ومرت تسوية عقود يونيو دون عوائق، فسيصبح إقناع المستثمرين بسوق المشتقات المالية أسهل بكثير، أما خلاف ذلك فستواجه السوق مهمة أكثر صعوبة في ترويجها.