Posted inالخبر الأبرز اليوم

ولاية محافظ البنك المركزي حسن عبد الله تنتهي اليوم بسجل ينقسم بين الإصلاحات وتعزيز الاحتياطيات

واجه محافظ البنك المركزي المصري حسن عبد الله اختبارا مشابها لأزمة الأموال الساخنة التي ضربت البلاد في عام 2022، لكنه نجح في قيادة الاقتصاد إلى بر الأمان بقدر أقل من الأضرار. يُرجع البعض هذا النجاح إلى قدرة عبد الله على وضع سياسة نقدية أكثر مرونة، في حين يرى آخرون أنه استند إلى احتياطيات مالية أضخم، جاء معظمها من مصادر خارجية مثل صفقة رأس الحكمة، والقروض المشروطة لصندوق النقد الدولي، والودائع الخليجية. ورغم أن البنك المركزي حذر في يوليو الماضي من تجدد المخاطر الناجمة عن الصراع الإقليمي، فإن تحركات المركزي نجحت حتى الآن في احتواء الأضرار، لتجعلها أخف وطأة بكثير مما حدث في عام 2022.

بلغة الأرقام: تظهر البيانات أن الحرب الإيرانية أدت إلى خروج حوالي 10 مليارات دولار من مصر في غضون شهر واحد، وأفقدت الجنيه نحو 13% من قيمته. ورغم ذلك، أبقى البنك المركزي على أسعار الفائدة دون تغيير لثلاثة اجتماعات متتالية في ظل تراجع التضخم. وتختلف هذه الاستجابة تماما عما حدث عام 2022، عندما أسفر الغزو الروسي لأوكرانيا عن تخارج نحو 20 مليار دولار، ودفع قيمة الجنيه إلى التراجع مقابل الدولار من 15.7 إلى 18.5، وتبدأ رحلة انخفاض العملة على مدار عامين، حتى انتهت برفع حاد للفائدة بواقع 800 نقطة أساس، وتحرير سعر الصرف تماما.

لماذا الآن؟ تنتهي الولاية الحالية لعبد الله اليوم، وسط ترقب لقرار الرئيس عبد الفتاح السيسي بتمديد ولايته للعام الخامس على التوالي، أو ربما نشهد تغييرا هذه المرة بتعيينه لولاية أطول. وقد تجددت ولايته العام الماضي بقرار رئاسي، دون مقدمات تذكر سوى بيان صدر عن رئاسة الجمهورية في الأسبوع نفسه بخصوص اجتماعه مع الرئيس.

سيرة ذاتية تبرهن على الكفاءة

قبل توليه قيادة البنك المركزي بفترة طويلة، كان عبد الله يقف على الجانب الآخر من مسيرة الإصلاح المصرفي في مصر. فقد انضم إلى البنك العربي الأفريقي الدولي في عام 1982، وترقى عبر المناصب حتى أصبح نائبا لرئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب. وأشرف خلال تلك الفترة على استحواذ البنك على بنك مصر أمريكا الدولي في عام 2005 مقابل 293 مليون جنيه، علما بأن ذلك كان أحد أوائل الاندماجات في القطاع الخاص بعد الإصلاحات المصرفية التي أعقبت عام 2003. كما قاد عبد الله استحواذ البنك العربي الأفريقي الدولي على محفظة سكوشا بنك في مصر عام 2015.

وترى الخبيرة المصرفية والاقتصادية المخضرمة سهر الدماطي أن عبد الله "يشكل حلقة وصل ممتازة بين القطاع الخاص والبنك المركزي والوزارات"، حسبما ذكرت في تصريحات لإنتربرايز، مضيفة أنه "يعرف المشكلات جيدا، كما نجح في بناء الثقة، لا سيما وأن عامل الثقة مهم جدا". وكانت الدماطي تشغل منصب الرئيسة التنفيذية للمخاطر في بنك "إتش إس بي سي" عام 2005، كما تولت سابقا رئاسة إدارة المخاطر في البنك العربي الأفريقي الدولي.

متى ينبغي تثبيت الفائدة أو تغييرها

استهل عبد الله ولايته الأولى بتثبيت الفائدة في اجتماعين بعد توليه المنصب في أغسطس 2022؛ إذ فضل الإبقاء على أسعار الكوريدور مع رفع نسبة الاحتياطي النقدي الإلزامي. بعدها عكس البنك المركزي مساره في أكتوبر، ثم رفع الفائدة بواقع 500 نقطة أساس حتى نهاية العام، مع اتساع نطاق تشخيصه لمسببات التضخم ليتجاوز الضغوط المستوردة ويشمل زيادة الطلب والمعروض النقدي.

وتباطأت وتيرة تغيير أسعار الفائدة بشدة في عام 2023؛ إذ اكتفى البنك برفع الفائدة 300 نقطة أساس خلال العام بأكمله، مع تثبيتها في ستة اجتماعات، رغم استمرار ارتفاع التضخم. واستند عبد الله في ذلك إلى أن أسعار الفائدة لا يمكنها حل الأزمات المستوردة، رغم أن المعروض النقدي ازداد بنسبة 24.6% في ذلك العام، وهو ما يصعِّب تفسير الأمر على أنه ناجم عن عوامل خارجية بحتة.

ودفاعا عن هذا النهج الحذر، أوضحت نجوى سمك، عميدة كلية العلوم الإدارية بجامعة الجلالة، لنشرة إنتربرايز أن الجانب الأكبر من التضخم كان مدفوعا بأسعار الغذاء والطاقة المستوردة، والضغوط على قيمة الجنيه، ونقص النقد الأجنبي، وهي أزمات لا يمكن لرفع الفائدة معالجتها مباشرة، مضيفة أن الحفاظ على سياسة نقدية متشددة نسبيا ظل ضروريا آنذاك لمنع هذه الضغوط من أن "تترسخ في توقعات التضخم".

ثم جاءت مرحلة الوتيرة الأسرع في ولايته؛ إذ رفع الفائدة بواقع 800 نقطة أساس في غضون خمسة أسابيع في أوائل عام 2024، تزامنا مع تعويم الجنيه. وأبقى البنك المركزي الفائدة عند هذه الذروة لسبعة اجتماعات، قبل أن يخفضها بواقع 725 نقطة أساس خلال عام 2025.

التكيف مع التعويم

تولى عبد الله منصبه في وقت كانت فيه سوق الصرف الأجنبي خاضعة بالفعل لضوابط صارمة. ففي أوائل عام 2022، ومع جفاف السيولة الدولارية، أجبر البنك المركزي المستوردين على العمل بالاعتمادات المستندية، مما أدى إلى تكدس البضائع في الموانئ ونقص العملات الأجنبية لدى الشركات. وجاءت تحركاته الأولى لتخفيف هذه القيود، إذ أتاح للمستوردين مزيدا من الخيارات للحصول على العملة الصعبة، وأعاد العمل تدريجيا بمستندات التحصيل، قبل أن يتعهد البنك المركزي في أكتوبر 2022 بتطبيق سعر صرف "مرن ومستدام"، وفتح الباب أمام أدوات جديدة للتحوط. وقد شهد الجنيه تصحيحا آخر في يناير 2023، لكن المرونة لم تستمر.

إذ استقر الجنيه فعليا بعد ذلك عند حوالي 30.85 جنيه للدولار لمدة عام تقريبا. وقننت البنوك إتاحة العملة الأجنبية، كما شددت القيود على استخدام بطاقات الائتمان، في حين استمر توسع نشاط السوق الموازية لتصبح أسعارها المؤشر الأول الذي يوجه قرارات التسعير لدى قطاعات الأعمال. ويمكن القول إن هذه الفجوة بين النظام الذي أعلنه البنك المركزي والنظام الذي كان يدير به السوق فعليا تمثل إحدى نقاط الضعف في سجل عبد الله.

ولم يكن شهر مارس 2024 مجرد محطة أخرى لتعويم العملة؛ فقد ترك البنك المركزي للبنوك حرية تحديد سعر الجنيه وفقا لآليات السوق، وعاد إلى العمل بآلية التسعير الفعلي عبر سوق معاملات ما بين البنوك في مصر (الإنتربنك)، وأعلن أنه لن يتدخل بعد ذلك لمحاولة تثبيت سعر الصرف عند مستوى معين. وهكذا اختفت العلاوة السعرية في السوق الموازية، وبدأت التدفقات الأجنبية تعود عبر القنوات الرسمية، وأُلغيت القيود تدريجيا مع عودة السيولة.

مدى استفادة عبد الله من الاحتياطيات المالية

منحت صفقة رأس الحكمة البنك المركزي غطاء كبيرا من العملات الأجنبية، كما جاءت زيادة الحزمة التمويلية المقدمة من صندوق النقد الدولي بالتزامن مع إعادة النظر في السياسات. وعن ذلك تقول الدماطي: "جاءت هذه الإجراءات نتيجة للشروط المتفق عليها مع صندوق النقد. لكن السؤال يكمن في كيفية تحقيق التوازن بين ذلك وإدارة الاقتصاد، وهنا برزت خبرته وقدرته على الموازنة بين المتطلبات والواقع الفعلي".

لكن ما هو حجم الفضل الذي يعود إلى عبد الله مقارنة ببرنامج الإصلاح؟ توضح سمك أن برنامج صندوق النقد الدولي أرسى الإطار لتعويم عام 2024 والإصلاحات المصاحبة له، لكن تراجع التضخم الذي أعقب ذلك "يعكس أيضا وجود سياسة نقدية تقديرية سليمة، لا سيما في إدارة أسعار الفائدة والسيولة وتوقيت تعديل السياسات". وتؤكد أن دور عبد الله "كان مهما في التنفيذ الفعال للسياسة النقدية، وليس مجرد اتباع شروط صندوق النقد".

طبقت مصر هذه الإجراءات نفسها من قبل "في عامي 2016 و2017"، حسبما أوضح لنا طارق متولي، الخبير الاقتصادي والنائب السابق للعضو المنتدب لبنك بلوم، مضيفا أن "خطوات الإصلاح واضحة؛ ألا وهي رفع أسعار الفائدة إلى مستويات عالية، وتعويم العملة، واستعادة السيولة، والقضاء على السوق الموازية. لكن السؤال الأهم هو ماذا بعد.. هل ستواصل المسار أم ستتوقف؟"

وهذا الفارق الجوهري هو ما تضعه حرب إيران على محك الاختبار حاليا. فهذه المرة، قرر البنك المركزي ترك الجنيه يستوعب الضغوط مع تخارج المستثمرين الأجانب، بينما واصلت البنوك تلبية الطلب على العملة الأجنبية عبر السوق الرسمية، دون أن يؤدي ذلك إلى عودة السوق الموازية أو تكدس الواردات، على غرار ما حدث في الأزمة السابقة. وتوضح الدماطي ذلك قائلة: "حينما دخلت استثمارات [في أدوات الدين] لأجل ثلاثة أشهر، استُخدمت في تمويل [التزامات] لنفس المدة، وكذلك فالأموال التي ضخها المستثمرون لأجل ستة أشهر رُبطت بالتزامات أجلها ستة أشهر. لذا، فعندما يريد عميل ما التخارج، يجد الأموال جاهزة". وأضاف متولي: "المهم هو وجود سوق صرف أجنبي منتظمة، فالسعر يمكن أن يرتفع أو ينخفض بطبيعة الحال، لكن الأهم أن تظل العملات الأجنبية متاحة لمن يريدها بدون اللجوء إلى سوق موازية".

فاتورة الاستقلالية

أسفرت إعادة ضبط السياسة النقدية في عام 2024 أيضا عن تغيير طريقة إدارة البنك المركزي للسيولة النقدية الداعمة لأسعار الفائدة الرئيسية. فبعد زيادة المعروض النقدي الإجمالي بنسبة 24.6% على أساس سنوي بنهاية يونيو 2023، تدخل البنك المركزي في 2024 لإصلاح آليات السياسة النقدية وتعديلها، عبر التراجع عن تمويل الحكومة والجهات العامة الأخرى، بالتوازي مع تغيير إطاره الخاص بعمليات السوق المفتوحة لامتصاص السيولة الفائضة بطريقة أكثر منهجية، والإبقاء على أسعار الفائدة في سوق التعاملات بين البنوك قريبة من أسعار الفائدة الرسمية للبنك المركزي. كما سحب البنك المركزي جزءا من السيولة التي أتيحت بالجنيه بسبب عودة التدفقات الدولارية عقب قرار التعويم.

ويمكن القول إن التوقف عن تمويل الدولة هو التحول المؤسسي الأوضح في سجل إدارة عبد الله للبنك المركزي. غير أن سمك ترى أن التقدم المحرز في جانب الاستقلالية التشغيلية للبنك المركزي حقيقي لكنه منقوص؛ إذ تشير المؤشرات الدولية إلى استمرار وجود نقاط ضعف في الجانبين المالي والمؤسسي، مما يجعل هذا التحسن حقيقيا لكنه "لم يترسخ مؤسسيا بالكامل بعد"، حسبما صرحت لإنتربرايز.

وبحلول عام 2026، بات البنك المركزي أكثر استعدادا لاستئناف سياسة التيسير النقدي مجددا؛ إذ خفض في فبراير نسبة الاحتياطي الإلزامي للبنوك من 18% إلى 16%، بالتزامن مع خفض أسعار الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس. غير أن التخارجات الناتجة عن حرب إيران تسببت لاحقا في شح السيولة مرة أخرى، في حين أدى تراجع البنك المركزي عن التمويل المباشر للحكومة إلى إلقاء عبء التمويل على كاهل البنوك لتلبية الاحتياجات المالية للدولة. وبحلول يوليو، اقتربت أسعار الفائدة في سوق التعاملات بين البنوك من الحد الأعلى لنطاق الكوريدور، وقلص البنك المركزي من معدلات امتصاصه للسيولة الفائضة.

هل يستمر مسار تراجع التضخم؟

تراجع التضخم العام لثلاثة أشهر متتالية، مسجلا 14.9% في أبريل، و14.6% في مايو، و14.3% في يونيو، حين هبطت الأسعار على أساس شهري بنسبة 0.4% بفضل انخفاض أسعار الخضروات والدواجن والبيض. غير أن يوليو كسر هذه السلسلة بارتفاع التضخم مجددا إلى 14.9%، وإن ظل دون المستوى المتوقع في استطلاع أجرته وكالة رويترز، والذي بلغ 15.6%.

يعود هذا الارتفاع بالكامل تقريبا إلى تأثير سنة الأساس وليس إلى وجود ضغوط جديدة على الأسعار؛ إذ استقرت أسعار المستهلكين في المدن على أساس شهري، وجاء الارتفاع السنوي نتيجة خروج القيمة المتدنية لشهر يوليو 2025 من الحسابات السنوية. وما زالت أسعار السكن والمرافق والنقل تسهم بالقدر الأكبر في استمرار ارتفاع المعدل السنوي، إذ واصلت زيادتها بأكثر من 40% على أساس سنوي، في حين تراجع تضخم أسعار الأغذية إلى 8%.

وتتركز التساؤلات حاليا في نطاق أضيق: هل يصمد مسار تراجع التضخم أمام زيادات أسعار الخدمات والتعرفات الحكومية؟ ففي حديثه لإنتربرايز قبل قرار أسعار الفائدة في يونيو، حذر رئيس قسم البحوث بشركة بلتون القابضة أحمد حافظ من أن "المعدل السنوي للتضخم العام قد يرتفع إلى 16-17% خلال الشهرين المقبلين بسبب التأثير السلبي لسنة الأساس"، مشيرا إلى أن فرض زيادة جديدة في أسعار الوقود أو الكهرباء قد يدفع التضخم إلى حوالي 18%، مما يستدعي استجابة من السياسة النقدية، قد تشمل رفع أسعار الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس في الربع الثالث من عام 2026.

السياق: جاءت قيمة يوليو دون النطاق الذي توقعه حافظ، إلا أن الاتجاه الصعودي الذي نوه عنه قد تحقق بالفعل، كما أن سبب الزيادة الذي حدده لم يظهر أثره بالكامل بعد؛ فالزيادة التي أقرت في أسعار الاستهلاك المنزلي للكهرباء بنحو 12% في أواخر يوليو لن تظهر تأثيراتها إلا في بيانات التضخم لشهر أغسطس، والتي ستصدر مباشرة عقب اجتماع البنك المركزي المقرر في 20 أغسطس.

لكن البعض لا يرى في ذلك مدعاة للقلق؛ إذ يرى هاني جنينة، رئيس قطاع البحوث بشركة الأهلي فاروس، أن مسار التضخم اتخذ طابعا انكماشيا في يونيو، مشيرا إلى أن هبوط النفط من حوالي 80 دولارا إلى ما يزيد قليلا عن 60 دولارا قد قلب موازين الضغوط التضخمية، متوقعا خفض نسبة الاحتياطي الإلزامي. وفي مايو الماضي، أبدى محمد أبو باشا، محلل الاقتصاد الكلى لدى "إي إف جي هيرميس" رأيا أكثر طمأنينة بشأن هذا الوضع، قائلا إن "مسار تراجع التضخم ما زال مستمرا".

الاحتياطيات المالية تفقد بعض مرونتها

تزامنت بداية الحرب الإيرانية مع وجود احتياطيات قوية لدى مصر؛ إذ وصلت الاحتياطيات الدولية إلى 52.8 مليار دولار بنهاية مارس 2026، وبلغ صافي الأصول الأجنبية للقطاع المصرفي مستويات قياسية وصلت إلى 30 مليار دولار، وفق ما أوضحته وكالة ستاندرد أند بورز جلوبال في تقرير الإعلان عن تثبيت التصنيف الائتماني لمصر عند B/B مع نظرة مستقبلية مستقرة، مستندة في ذلك إلى الإصلاحات الهيكلية التي أعقبت قرار تعويم 2024.

غير أن جزءا من تلك الاحتياطيات يتسم بطابع مؤقت؛ إذ تقدر الوكالة حجم الودائع الخليجية لدى البنك المركزي المصري بنحو 18 مليار دولار، وتتوقع سحبها بعد انتهاء برنامج مصر مع صندوق النقد الدولي في ديسمبر 2026.

وأوضحت سمك لإنتربرايز أن جزءا من هذه الاحتياطيات المتراكمة يعود إلى تمويلات صندوق النقد الدولي والودائع الخليجية، ولذا "لا يمكن التعويل على استمراره بصفة مستدامة". لكنها أضافت أن انخفاض حجم التخارجات والتقلبات المحدودة في قيمة العملة في عام 2026 يعكسان "وجود إطار أقوى للسياسة النقدية إلى جانب قوة السيولة الخارجية".

وتكمن الخطوة التالية في تعزيز النسبة المملوكة للدولة من تلك الاحتياطيات؛ إذ يواصل البنك المركزي المصري شراء الدولار من السوق، ويتجه الآن إلى ترسيخ ذلك ليصبح جزءا ممنهجا من عملية بناء الاحتياطي، وذلك عبر مزادات دورية بأهداف معلنة مسبقا إلى جانب الشراء المباشر من السوق، وفقا لتقرير خبراء صندوق النقد الدولي بشأن المراجعة السابعة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي. كما ارتفع سقف طموح الدولة بقوة؛ إذ تستهدف مصر زيادة الاحتياطي بنحو 7.7 مليار دولار خلال العام المالي الحالي، مقارنة بالمستهدف السابق الذي بلغ حوالي 1.3 مليار دولار فقط خلال المراجعتين الخامسة والسادسة للصندوق.

وعلى صعيد آخر، تؤكد سمك أن الأزمتين غير متشابهتين إطلاقا؛ فقد تسببت الحرب الروسية الأوكرانية في صدمة عالمية أوسع نطاقا في أسواق الغذاء والطاقة، وتضررت منها مصر بالأخص في واردات القمح وتراجع أعداد السياح، أما تداعيات أزمة 2026، فتطالنا بطريقة مختلفة. وهذا ما يجعل المقارنة مع عام 2022 أكثر تعقيدا؛ نظرا إلى أن جزءا من الفارق يعود إلى طبيعة الأزمة ذاتها، وليس فقط إلى استجابة السياسة النقدية لها.

في المقابل، يقلل متولي من دور الاحتياطيات المالية، إذ قال في حديثه لإنتربرايز: "الأمر لا يتعلق بحجم الاحتياطي، بل بكيفية إدارة الأزمة؛ فقد سمح البنك المركزي للسوق بالتحرك بحرية، ولم يستخدم احتياطياته للدفاع عن قيمة العملة"، وهو ما يجعله جديرا بأن ننسب إليه النجاح في إدارة الأزمة. ويرى متولى أن ضبط النفس الذي أظهره البنك المركزي هو ما حافظ على انتظام سوق الصرف، وليس حجم الأموال الداعمة له.

سجل حافل بإنجازات أخرى غير إدارة الأزمات

وسع كذلك البنك المركزي من النطاق الهيكلي للجهاز المصرفي في عهد عبد الله؛ إذ أصدر في عام 2023 اللوائح التنظيمية لمنح تراخيص التكنولوجيا المالية والخدمات المصرفية الرقمية، محددا المتطلبات الرأسمالية والرقابية لهذه الفئة الجديدة من البنوك. وبالفعل حصل "وان بنك" التابع لبنك مصر على الموافقة المبدئية في عام 2024 ثم الموافقة النهائية في 2025، لتبدأ بذلك عمليات أول بنك رقمي بالكامل في مصر خلال عهد عبد الله.

بالتوازي مع ذلك، شدد البنك المركزي ضوابط المخاطر المتعلقة بتعامل البنوك مع جهات التمويل غير المصرفي؛ إذ حظر على البنوك منح أو تجديد التسهيلات الائتمانية للمؤسسات المالية غير المصرفية إلا بعد ثبوت تكويدها لدى البنك المركزي، والإقرار بمعلومات العملاء، كما وسع قائمة الشركات المالية المسموح للبنوك بتملكها دون الالتزام بالحد الأقصى السابق البالغ 40%. وفي يوليو، شدد البنك المركزي الضوابط المنظمة لاستثمارات البنوك في سندات الشركات والتوريق، مُلزما إياها بمراعاة نسب معينة لحيازاتها من السندات، وتلبية معايير أكثر صرامة بشأن جودة الائتمان، والفحوصات النافية للجهالة، وتقييم الجدارة الائتمانية للجهات المصدرة.

ويبدو أن هذا يتماشى مع مقايضة مقصودة: تسهيل تملك البنوك للشركات مقابل تشديد الضوابط على أنشطتها. وبخلاف قرار التعويم ومسار أسعار الفائدة، لم تكن أي من هذه الخطوات مدرجة ضمن برنامج صندوق النقد الدولي، أي أن الفضل في هذا الجزء من سجل إنجازات عبد الله ينسب إليه وحده بلا أدنى شك.

المرحلة المقبلة

أوضحت سمك لإنتربرايز أن تحويلات المصريين بالخارج وعائدات السياحة هي أهم المؤشرات الجديرة بالمتابعة لكونها مصادر مستدامة للنقد الأجنبي، إلى جانب التعافي المرتقب لإيرادات قناة السويس، ومدى صمود تلك التدفقات في حال تغير طرق التجارة العالمية. ومن جانبه، أشار متولي إلى "ضرورة وصف ما حدث حتى الآن بالنجاح؛ فقد تسلم عبد الله منصبه في ظل ظروف بالغة الصعوبة، والوضع اليوم أفضل بكثير رغم الصدمات الخارجية الكبيرة. إلا أن النجاح يقاس دوما بمدى استدامته".

وتظل الاستدامة هي النقطة الأصعب في تقييمها، كما أن السجل لا يخلو تماما من بعض الملاحظات؛ صحيح أن تعويم 2024 ظل صامدا بعكس المحاولات السابقة، وأن البنك المركزي تراجع عن تمويل الدولة، ونجح في استيعاب صدمة حرب إيران من خلال سوق الصرف الرسمية دون عودة السوق الموازية، إلا أن عبد الله امتلك احتياطيات أضخم بكثير للتعامل مع الأزمة، كما أن صدمة 2022 مختلفة جذريا عن صدمة 2026، بالإضافة إلى أن سجله يتضمن فترة تثبيت لقيمة العملة استمرت لمدة عام كامل. وقد انقسمت آراء مصادرنا حول العوامل الأكثر تأثيرا في الصمود الحالي؛ فرجحت سمك كفة الاحتياطيات المالية، في حين أرجع متولي الفضل إلى كفاءة التنفيذ.

وقد تخضع السياسات الحالية لاختبار أوضح في ديسمبر المقبل، عندما لا يعود بقاء الودائع الخليجية مضمونا، بالتزامن مع انتهاء برنامج صندوق النقد الدولي. عندئذ سيوضع الإطار الذي أرساه عبد الله أمام اختبار حقيقي بوجود احتياطات مالية أقل بكثير، مما سيكشف بدقة عن حجم التأثير الحقيقي للسياسة النقدية في المرونة المتحققة حتى الآن مقارنة بتأثير التدفقات المالية.