أحكم البنك المركزي المصري في هدوء رقابته على آليات تعامل البنوك مع جهات التمويل غير المصرفي في البلاد، مستبقا بذلك حالة الجدل الواسعة التي أثيرت خلال الأيام الماضية حول مخاطر التوسع المتسارع في هذا النشاط ومعايير التقييم الائتماني المطبقة فيه. دخلت التوجيهات الجديدة حيز التنفيذ قبل فترة طويلة من إثارة القضية إعلاميا، وفق ما كشف عنه مصدر مصرفي مطلع في تصريحات لإنتربرايز، إذ أصدر البنك المركزي خطابا في أبريل الماضي تضمن تحديثا لخطاب أول صدر في مارس 2025 بشأن القواعد المنظمة لنظام تسجيل الائتمان، بحسب المصدر الذي أكد صحة التقارير التي نشرتها صحف عربية في هذا الصدد.
ما الذي تغير؟ ألزمت التعليمات الجديدة البنوك بعدم منح أو تجديد التسهيلات الائتمانية لجهات الائتمان غير المصرفية إلا بعد ثبوت تكويدها لدى البنك المركزي، والإقرار بمعلومات العملاء لكل من البنك المركزي والشركة المصرية للاستعلام والتصنيف الائتماني (آي سكور). أما بالنسبة للمديونيات القائمة، فقد وجه المركزي البنوك بوضعها تحت التصفية حال عدم قيام تلك الجهات بتوفيق أوضاعها خلال 3 أشهر.
ربط المركزي هذا الإجراء صراحة بضعف الامتثال في بعض جوانب منظومة التمويل غير المصرفي، مبينا في خطابه أن التعليمات الجديدة جاءت في ضوء "ما تلاحظ من عدم التزام بعض الجهات بالإقرار على النحو المشار إليه، وحرصا من البنك المركزي على توافر كافة المعلومات الائتمانية عن العملاء بما يعكس موقفهم الائتماني بشكل سليم، الأمر الذي ينعكس إيجابا على قرار منح الائتمان ويعزز سلامة واستقرار النظام المصرفي".
شرارة الجدل: تأتي الخطوة الرقابية الاستباقية في أعقاب مخاوف متزايدة أثارتها تصريحات رئيس مجلس إدارة البنك التجاري الدولي هشام عز العرب، التي حذر فيها علنا من مخاطر تنامي الإقراض غير المصرفي، خاصة التمويل الاستهلاكي، والذي يشهد تفاوتا في الرقابة. وفي مداخلة هاتفية مع الإعلامي عمرو أديب ببرنامج "الحكاية" على شاشة "إم بي سي مصر"، قال عز العرب إن "الشرارة الصغيرة ممكن تعمل حاجة أكبر، زي ما حصل في أزمة الساب برايم بأمريكا، مجموعة وقعت جرت مع الباقي".
وأبدى عز العرب مخاوفه مما وصفه بتنامي شريحة المقترضين ذوي الجدارة الائتمانية المنخفضة، مشيرا إلى أن بعض العملاء الذين لا يستطيعون الحصول على تمويل من البنوك يلجأون إلى شركات التمويل غير المصرفي بتكلفة مرتفعة رغم ضعف قدرتهم على السداد، مبديا شكوكه في التزام بعض تلك المؤسسات بسياسات التقييم الائتماني المنضبطة المطبقة في البنوك، والتي تظل خاضعة لمتطلبات صارمة مثل نسب الاحتياطي وكفاية رأس المال.
بالأرقام: نما التمويل الاستهلاكي بنسبة 57% على أساس سنوي ليصل إلى 96.3 مليار جنيه بنهاية عام 2025، استفاد منها أكثر من 10.8 مليون عميل عبر 48 شركة مرخصة، وفقا لبيانات الهيئة العامة للرقابة المالية. كذلك ارتفعت قيمة التمويلات الممنوحة للمشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر بنسبة 24% على أساس سنوي لتسجل 106.9 مليار جنيه، رغم تراجع عدد المستفيدين إلى 3.6 مليون مستفيد. وبلغ إجمالي حجم محافظ أنشطة التمويل غير المصرفي حوالي 417 مليار جنيه.
جدل القروض المتعثرة
لماذا تقلق البنوك؟ يحذر خبراء القطاع من أن المخاطر المحيطة بقطاع المؤسسات المالية غير المصرفية قد تنتقل إلى النظام المصرفي نظرا لاعتماده الكبير على التمويل البنكي. فيقول الخبير المصرفي محمد عبد المنعم لإنتربرايز إن "المخاطر متعلقة بالشركات التي تقوم بمنح تمويلات دون أسس ودراسة ائتمانية للعميل، وتمنحه قروضا بحدود تفوق قدرته، وهو ما سيؤدي إلي زيادة نسبة التعثر للعملاء، ما سيتنقل بدوره إلى البنوك لأن معظم الشركات حاصلة على تسهيلات ائتمانية من البنوك لتمويل عملياتها".
ورغم أن عبد المنعم أشار إلى أن نسبة القروض المتعثرة تكون آمنة حين تقل عن 5%، فإنه حذر في الوقت ذاته من أن التوسع غير المدروس في منحها يحتاج إلى ضوابط مؤسسية أكثر صرامة. ولفت إلى رصد تطبيق يتيح تسهيلات بقيمة 250 ألف جنيه لعملاء دخولهم تتراوح بين 6 و8 آلاف جنيه، معلقا أن "هذا التفاوت غير مستدام، وسينتهي بشكل أو بآخر بتعثر العميل عن السداد وتعرضه لعقوبات".
الرأي الآخر: يرى الخبير المصرفي محمد عبد العال أن الأرقام الإجمالية للقروض المتعثرة قد لا تعكس بدقة الضغوط الكامنة، موضحا أن "المعدل العام على مستوى القطاع مستقر عند 3%، لكن إذا نظرت عن قرب، ستجد تشوهات قطاعية، أو ما يمكن وصفه بالعشوائية الهيكلية، تقبع تحت السطح".
ومن جانبها، قللت الهيئة العامة للرقابة المالية من المخاوف المحيطة بالقطاع، معلنة أن نسبة التعثر بمحافظ أنشطة التمويل غير المصرفي في مصر كانت تقل عن 3% بنهاية 2025. كما كشفت واحدة من أكبر شركات القطاع، والتي تقتنص حصة سوقية تصل إلى 26.5%، أن معدل التعثر لديها يبلغ 1.24% فقط.
موجة دمج مرتقبة؟
قواعد ملكية جديدة: قال عبد العال إن البنك المركزي ألغى مؤخرا الحد الأقصى السابق البالغ 40% لملكية البنوك في رؤوس أموال الشركات المالية غير المصرفية، مما يسمح لها بالاستحواذ على ما يصل إلى 100% من هذه الشركات. ويتوقع عبد العال أن يؤدي الإطار الرقابي الأكثر صرامة إلى موجة من صفقات الدمج والاستحواذ في القطاع، قائلا إن المجموعات الكبيرة التي برزت خلال السنوات القليلة الماضية، مثل فاليو وفوري، راسخة وتمتلك "تطبيقات متقدمة في إدارة وتحديد وقياس المخاطر وعندها أساليب لتطبيقها"، موضحا ان المجموعات المتوسطة تعمل أيضا على توفيق أوضاعها وسط ارتفاع تكاليف الامتثال والبنية التحتية.
لكن الشركات الصغيرة قد تواجه صعوبة في البقاء، وبحسب عبد العال فتلك المجموعة الأخيرة تتمثل في "الشركات القزمية المحدودة الصغيرة المنتشرة في المحافظات، ويضم إليها فروع بعض الشركات الكبيرة التي لم يصلها الرقابة الجيدة".
وستحدد قوة رأس المال القدرة على البقاء؛ إذ أوضح عبد العال أنه "إذا انخفضت نسبة كفاية رأس المال للشركة دون الحدود المقررة، ستكون مطالبة برفع رأسمالها. وإذا عجزت عن زيادة رأس المال خلال فترة زمنية محددة، فسيتعين عليها إما الاندماج مع كيان آخر أو الإغلاق. ونتيجة لذلك، سنرى هذه الشركات البالغ عددها 2500 شركة تتقلص إلى رقم محدود للغاية".
الصورة الكاملة: يرى الخبير في القطاع أحمد شوقي أن ما يحدث "لا يمكن وصفه بفقاعة كاملة حتى الآن، لأن حجم القطاع لا يزال محدودا نسبيا مقارنة بالقطاع المصرفي، الذي يبلغ حجمه 10.77 تريليون جنيه... لذا فنحن أمام مؤشر إنذار مبكر أكثر من كوننا أمام انفجار وشيك".
وأضاف شوقي أن "القطاع المالي غير المصرفي لم يعد نشاطا هامشيا، بل أصبح أحد أسرع قطاعات التمويل نموا وربحية". وتهتم البنوك به لبناء منظومة مالية متكاملة والوصول للشرائح الجديدة الأصغر سنا والمحرومة من الخدمات المصرفية، ولتحقيق عوائد أعلى، بدلا من الاكتفاء بالأنشطة المصرفية التقليدية.
ويرى شوقي أن التركيز الآن يجب أن يتحول تجاه الحوكمة وضوابط المخاطر، بما في ذلك وضع معايير أكثر صرامة للجدارة الائتمانية، وحدود أقوى لأعباء الديون، وزيادة تكامل البيانات الائتمانية، واختبارات تحمل الصدمات، ومتابعة مخاطر التركز الائتماني في قطاعات مثل الإلكترونيات والسيارات والسلع المعمرة.
الخلاصة: يعتقد شوقي أن "التمويل الاستهلاكي ليس خطرا في حد ذاته، بل قد يكون أداة مهمة لتنشيط الاقتصاد وتعزيز الشمول المالي. لكن الخطر يبدأ عندما ينمو الائتمان أسرع من الدخل، ويتحول الاستهلاك إلى دين دائم، وتصبح الحصة السوقية أهم من جودة التمويل. هنا تصبح الحوكمة وإدارة المخاطر ليست رفاهية، بل خط الدفاع الأول لحماية الاقتصاد والقطاع المالي".