كيف توفر مصر اليوم احتياجاتها من الطاقة

1

مقدمة

أهلا بكم في العدد الأول من سلسلة طاقات

أهلا بكم قراءنا الأعزاء في العدد الأول من طاقات، سلسلتنا الخاصة الجديدة.

لم تنقطع الكهرباء عن المنازل هذا الصيف، لكن تحقيق ذلك تطلب جهودا أكبر بكثير من المتوقع. فإنتاج حقول الغاز المصرية يتراجع عاما تلو الآخر، بينما يزيد الطلب مع زيادة حرارة الأجواء. وتسببت الحرب الإقليمية الدائرة في تعطيل المسارات التي تعبرها نصف إمدادات الطاقة بالمنطقة، كما استهدفت طائرة مسيرة إحدى محطات الاستيراد لدينا تزامنا مع وصول الطلب إلى ذروة قياسية جديدة في أغسطس. وبالتالي فإن الضغوط لم تتراجع ولو للحظة، وما تغير فعليا هو المنظومة المصممة لامتصاص تلك الصدمات، والتي تحتاج إلى تكلفة للاستمرار.

يستعرض هذا العدد تفاصيل منظومة الطاقة التي تعتمد عليها مصر اليوم؛ فكيف تمكنا من تجاوز ذروة الاستهلاك دون اللجوء إلى ترشيد الكهرباء؟ وكيف انتهى الحال ببلد كان يصدر الغاز قبل ثماني سنوات إلى استيراده مجددا؟ وعندما تشح الإمدادات لدرجة تعجز معها عن تلبية احتياجات الجميع، من الذي تنقطع عنه الكهرباء أولا، ومن يتخذ هذا القرار؟ وما هي التكلفة الحقيقية لاستمرار إضاءة المنازل، سواء تلك التي تتحملها الاحتياطيات الدولارية أو الدعم الحكومي أو حتى فاتورتك الشخصية؟ ولماذا يعتمد جزء كبير من هذه المنظومة على نوع واحد من الوقود؟

خلال الأعداد المقبلة لتلك السلسلة، سنتعمق في هذه الموضوعات بمزيد من التفصيل، لنتناول التحول نحو مشروعات إنتاج الطاقة المستقلة، ومن يتحمل تكلفتها، ونركز على الموانئ وخطوط الأنابيب والكابلات التي من شأنها تحويل مصر إلى مركز إقليمي للطاقة، وعلى فاتورتك وسطح منزلك وسيارتك.

ما نتابعه هذا الأسبوع

1#- محفظة أعمال "بي بي" تنقسم في مصر:

تمضي شركة "بي بي" قدما في تنفيذ برنامج حفر يشمل أربع آبار باستثمارات تبلغ 700 مليون دولار، بالتزامن مع مفاوضاتها لبيع أصول محلية بقيمة تقارب مليار دولار لشركة إنرجيان. بدأت البئر الأولى "فيوم-4" الإنتاج بالفعل بمعدل يبلغ نحو 80 مليون قدم مكعبة يوميا ضمن منطقة غرب دلتا النيل، التي تسعى إنرجيان للاستحواذ عليها. ومن ثم سينتقل الحفار إلى البئر الثانية "غراب"، قبل أن يشرع في حفر البئرين الثالثة والرابعة الاستكشافيتان في المياه العميقة، وذلك لصالح شركة أركيوس إنرجي، المشروع المشترك الذي تمتلك فيه "بي بي" حصة تبلغ 51%، مقابل 49% لشركة "إكس آر جي" التابعة لأبوظبي. كما تمتلك أركيوس أيضا حصة في حقل ظهر.

أهمية الخطوة: رغم بعض الغموض الذي يكتنف عملية بيع الأصول، فإن إنرجيان ما زالت تجري مفاوضات حصرية لشراء حصص "بي بي" في أصول غرب دلتا النيل، وحصتها البالغة 50% في امتياز التمساح، الذي يضم أيضا اكتشاف دينيس غرب التابع لشركة إيني، والذي تبلغ احتياطياته تريليوني قدم مكعبة، ويستهدف الوصول إلى قرار الاستثمار النهائي خلال الأشهر القليلة المقبلة.

2#- شد وجذب في صفقات الاستحواذ بقطاع الاستكشاف والإنتاج أيضا

رفعت شركة جينيل إنرجي عرضها للاستحواذ على كابريكورن إنرجي إلى 436 مليون دولار، لتتفوق بذلك على العرض المقدم من شركة "دي إن أو" بقيمة 396 مليون دولار، وتحصل بذلك على توصية من مجلس إدارة كابريكورن للموافقة على الصفقة. تتضمن الأصول المستهدفة محفظة كابريكورن التي تتضمن حصة بنسبة 50% كشريك غير مشغل في 8 مناطق امتياز بالصحراء الغربية، دمجتها الشركة ضمن ترخيص واحد، وقد أنتجت هذه المناطق العام الماضي نحو 20 ألف برميل يوميا من النفط المكافئ، كما حققت صافي ربح بلغ 81 مليون دولار

3#- إدكو تعود للتصدير قريبا

تعتزم شركتا شل وبتروناس استئناف تصدير الغاز الطبيعي المسال من محطة إدكو في أكتوبر المقبل. كانت الشركتان قد حصلتا على الموافقة لتصدير شحنتين من الغاز الطبيعي المسال خلال شهري أكتوبر ونوفمبر من العام الماضي. وبحلول شهر مارس 2026، أوقفت الدولة تصدير شحنات الغاز الطبيعي المسال من محطة إدكو مؤقتا، بسبب الاضطرابات الإقليمية التي أثرت على واردات الطاقة وتزامنت مع نقص الغاز. وتمتلك شركتا شل وبتروناس معا حصة تبلغ 71% من محطة الإسالة، بينما تملك الهيئة المصرية العامة للبترول والشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية (إيجاس) معا 24%، وتستحوذ شركة إنجي الفرنسية على النسبة المتبقية البالغة 5%.

2

اختبار الإجهاد

مصر لم تضطر للجوء لتخفيف الأحمال هذا الصيف.. والسر في توجه راهنت عليه من قبل اندلاع الحرب

لاحظت بالتأكيد أن الكهرباء لم تنقطع في منزلك هذا الصيف؛ لكن هذه لم تكن مجرد صدفة. فنقص إمدادات الغاز ما زال مستمرا، نظرا إلى تراجع الإنتاج المحلي تزامنا مع زيادة الطلب على الكهرباء، إلى جانب تعطل المسارات المعتادة لإمدادات الطاقة بالمنطقة في ظل الحرب الإقليمية الجارية. ما تغير هو أن مصر استطاعت الحفاظ على تدفق الغاز إليها؛ فتمكنت من تأمين شحنات الغاز الطبيعي المسال قبل وصول الطلب إلى ذروته، واعتمدت على الشحنات الأمريكية التي لا تمر عبر مضيق هرمز، ورفعت طاقة التغويز إلى أقصى حد ممكن، وأبقت مسارات الوقود البديلة مفتوحة.

تمكنت مصر بذلك من تجاوز ذروة الطلب الصيفي على الغاز الطبيعي والكهرباء دون العودة إلى تدابير تخفيف الأحمال، بعدما جمعت الحكومة بين عدة حلول منها زيادة واردات الغاز المسال، ورفع إمدادات الغاز عبر الأنابيب من إسرائيل، وتأمين كميات إضافية احتياطية من الوقود لمحطات توليد الكهرباء، وفقا لما صرحت به 3 مصادر حكومية لنشرة إنتربرايز.

الفجوة التي اضطرت مصر لسدها من قبل اندلاع الحرب

اعتمد تشغيلك لمكيفات الهواء في الصيف على قرار اتُخذ في الربيع؛ فمصر لم تتصرف بعشوائية حينها، وإنما عملت على توسيع نظام بنته على مدار سنوات. فمع تراجع الإنتاج المحلي وزيادة الطلب على الكهرباء، لم تعد مصر تستورد الغاز المسال عَرَضيا، وإنما صارت تعتمد اعتمادا هيكليا على الغاز المستورد، لتصبح من كبار المشترين لشحناته قبل فترة طويلة من اضطرابات العام الجاري. وفي هذا الصدد، علق لنشرتنا جيه بي لاكوتور، المحلل لدى شركة كبلر، بأن "حجم واردات مصر هذا الصيف يظهر مدى شح إمدادات الغاز الطبيعي لديها فعليا".

بالأرقام: استوردت مصر نحو 7.94 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الجاري، مقارنة بنحو 3.4 مليون طن خلال الفترة ذاتها من العام الماضي، ما يمثل زيادة بنسبة 133%. وارتفعت الواردات إلى نحو 1.33 مليون طن في يونيو، و1.68 مليون طن في يوليو، ثم تراجعت إلى قرابة 1.4 مليون طن في أغسطس، وفقا لحسابات المصادر الحكومية. ورغم أن هذه الواردات حافظت على تدفق الغاز، فإنها لم تحل مشكلة العجز الأساسية؛ إذ كان على مصر مواصلة تأمين الشحنات وقدرات التغويز والحفاظ على استقرار إمدادات شبكة الكهرباء بينما يشهد السوق حولها شحا في العرض.

ولن يتوقف شراء الغاز بانتهاء موجة الحر؛ إذ تتوقع شركة وود ماكنزي أن يظل الغاز الطبيعي المسال المصدر الرئيسي لإمدادات الطاقة، في ظل ارتباط مصر بعقود استئجار طويلة الأجل لوحدات التغويز العائمة، وخوضها لمفاوضات لاستيراد الغاز لمدد تتراوح بين 3 و5 سنوات، مما يشير إلى استمرار اعتمادها على الغاز المستورد. كما أن مستويات الطلب على الغاز ستظل مرتفعة حتى ما بعد ذروة الصيف؛ إذ توقعت مصادر أن تصل واردات الغاز المسال إلى نحو 1.7 مليون طن في سبتمبر، رغم انخفاض استهلاك قطاع الكهرباء، وذلك بسبب زيادة الطلب من قطاع الصناعة.

وبالنسبة لخط الأنابيب القادم من إسرائيل فله حد أقصى لتدفقات الغاز، واقتربت مصر من بلوغه بالفعل. فيشير لاكوتور إلى أنه "بينما ستسمح زيادة سعة خط الأنابيب الإسرائيلي لمصر باستيراد المزيد من الغاز الأرخص من جارتها، إلا أن حجم التراجع في الإنتاج والزيادة السنوية في الطلب على الكهرباء سيتطلبان في النهاية من مصر أن تستمر في استيراد كميات كبيرة من الغاز المسال". ويوضح إيمير شيهان، كبير محللي الاستكشاف والإنتاج في شمال أفريقيا لدى وود ماكنزي، أن التخلي عن الغاز الوارد عبر الأنابيب والاعتماد بدلا منه على الغاز المسال في وقت قصير يعد أمرا صعبا ومكلفا، بالنظر إلى سعة الاستيراد الاحتياطية المحدودة لدى مصر.

وقد وسعت مصر خريطة مصادرها من الغاز هذا العام؛ إذ أوضح لنا كريم شعبان، المؤسس والعضو المنتدب لشركة روزيتا إنرجي، ذراع الغاز المسال لشركة طاقة عربية، وعضو اللجنة التنفيذية للاتحاد الدولي للغاز: "لاحظنا أيضا زيادة التنويع في واردات الغاز المسال لمصر، إذ حصلت على شحنات من محطات الغاز المسال في غرب أفريقيا، ما وفر لنا خيارات إمداد أكثر تنوعا". وأضاف أن الدولة تدير عمليات النقل والتوزيع بالكامل، بدءا من استيراد الغاز المسال وحتى تزويد الشبكة المحلية، حيث تُدمج الشحنات المستوردة مع الغاز المنتج محليا والواردات عبر الأنابيب من إسرائيل.

تكمن أهمية ذلك في أن حوالي نصف الغاز الذي يحول دون انقطاع الكهرباء في أوقات الذروة صار يأتي من الواردات. ففي البداية أدت الاضطرابات في واردات الغاز الإسرائيلي عبر الأنابيب وتضاؤل الإنتاج المحلي إلى دفع مصر نحو سوق الغاز المسال، ثم رفعت أزمة مضيق هرمز كلفة استبدال هذا الغاز، حسبما أوضح شيهان. وبهذا تحول الغاز المستورد من مجرد حل عرضي لسد العجز إلى الركيزة الأساسية لقطاع الكهرباء.

ثم تحولت تلك المشتريات الروتينية للغاز الطبيعي المسال إلى السبب الرئيسي لعدم انقطاع الكهرباء مع اندلاع الحرب الإقليمية؛ ففي أبريل، بعد شهرين من بدء الحرب، تعاقدت الحكومة على 40 شحنة غاز مسال لشهري مايو ويونيو، على أن تأتي معظم الكميات من موردين أمريكيين. وبحلول يونيو، كانت مصر قد صارت أكبر مستورد بين الدول للغاز المسال الأمريكي، إذ استوردت نحو 86 مليار قدم مكعب، أي أكثر من 3 أمثال ما استوردته في العام السابق، وحوالي 16.5% من إجمالي صادرات الغاز المسال الأمريكي في ذلك الشهر، وفقا لتقرير وزارة الطاقة الأمريكية.

ونتيجة أسعار الشحن المرتفعة امتدت أزمة الخليج إلى أسواق الأطلسي؛ فأوضح شعبان أن "الغاز المسال القطري كان يخدم الأسواق الآسيوية بالأساس، لكن مع الانخفاض الكبير في تكاليف استئجار ناقلات الغاز المسال، أصبحت هناك جدوى اقتصادية أكبر لتصدير المزيد من الغاز الأمريكي على سبيل المثال إلى الأسواق الآسيوية الأبعد". وهذا يفسر كيف يمكن لنقطة اختناق تبعد ألفي كيلومتر عن مصر أن تحدد السعر الذي تدفعه من أجل الحصول على الغاز عبر التأثير في ديناميكيات العرض والطلب. وقد احتمت مصر من تأثير تلك الأزمة حتى الآن بفضل الاتفاقات التي وقعتها قبل الحرب، بحسب لاكوتور، لكن هذه الحماية ستتلاشى في الأشهر الأخيرة من العام مع انتهاء تلك الاتفاقيات، واضطرار مصر للجوء إلى السوق الفورية.

منظومة صامدة رغم الاختبارات

ضربت طائرة مسيرة إحدى محطات الاستيراد الأربع في مصر خلال ذروة الصيف، ومع ذلك صمدت الشبكة. إذ تعرضت وحدة التغويز العائمة إنرجوس وينتر لهجوم في ميناء دمياط خلال شهر يوليو، مما أدى إلى تعطل جزء من قدرات التغويز في مصر خلال ذروة الطلب الصيفي. لكن الحكومة نسقت مع الأردن لاستيراد الغاز عبر وحدة التغويز العائمة في العقبة، ورفعت تدفقات خط الأنابيب الإسرائيلي إلى الحد الأقصى، وتحركت سريعا لتأمين شحنات فورية من المازوت، وفقا لمصادر حكومية، مما وفر لمحطات الكهرباء وقودا بديلا، وحال دون تحول العطل إلى نقص في الإمدادات خلال ذروة الطلب على الكهرباء. وقد غادرت إنرجوس وينتر منذ ذلك الحين لإجراء إصلاحات في إسبانيا، ومن المتوقع عودتها إلى دمياط بحلول نهاية أكتوبر.

كما أن مصر كانت لديها بدائل نظرا لعدم تركز محطاتها في مكان واحد؛ إذ تتوزع وحدات التغويز العائمة الأربع على مواقع مختلفة في البحرين المتوسط والأحمر، وهو ما يقلل من مخاطر التركز حسبما يرى شعبان. وأضاف أن "الحل الأساسي لتقليل تلك المخاطر على المدى الطويل يكمن في زيادة الاستثمارات بمشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وهو ما شهدنا توجها قويا نحوه في الأشهر الأخيرة"، كما أن محطة الضبعة النووية ستبدأ عملياتها قريبا لتشكل جانبا آخر من استراتيجية التحوط.

وبعد ثلاثة أسابيع جاء الاختبار الثاني؛ إذ دفع الأسبوع الأشد سخونة في العام شبكة الكهرباء لتسجيل مستوى قياسي جديد من الأحمال، فوصلت ذروتها إلى 40.2 جيجاوات يوم 12 أغسطس، ارتفاعا من 39.8 جيجاوات في العام السابق. وأدارت وزارة الكهرباء ذروة الطلب من خلال مزيج من مصادر الطاقة المتجددة والبطاريات وقدرات التوليد الاحتياطية، إلى جانب تحسين كفاءة المحطات وتغيير أنماط التشغيل لتقليل استهلاك الوقود، لتتمكن مصر حتى الآن خلال الصيف من "ضمان استقرار الإمدادات لمختلف قواعد العملاء والحد من انقطاع التيار الكهربائي"، حسبما أوضح شعبان.

ولتعرف ما كان يمكن أن تواجهه مصر لولا التنويع، يكفيك أن تنظر إلى حالة قطر. لم تشحن الدولة الخليجية سوى 18 شحنة غاز مسال في الأشهر الستة الأولى من الحرب، مقابل 509 شحنات خلال الفترة ذاتها من العام السابق، ما يعني انهيارا بلغت نسبته 96%، لتتكبد خسائر في المبيعات قُدرت بنحو 24 مليار دولار.

أما مصر فتواجه مشكلة مغايرة تتمثل في شح الغاز المحلي، لكن مسارات الإمدادات إليها ما زالت مفتوحة مقارنة بقطر. فمصر لم تكن تعتمد بدرجة كبيرة على تلك البنية التحتية التي تواجه اضطرابات في الوقت الحالي، وهذا يعني أن أزمتها تتعلق أكثر بالمشتريات والتكلفة. ومع استمرار الاضطرابات الراهنة، يتجلى الفارق أكثر بين الحالتين؛ إذ مدت قطر للطاقة إلغاء تسليم شحنات الغاز المسال حتى نوفمبر، في حين يتمثل التحدي الذي تواجهه مصر في مدى قدرتها على تحمل تكلفة الإمدادات البديلة.

هل سيتغير الوضع بالنسبة لمصر إذا أُعيد فتح مضيق هرمز؟

إعادة فتح المضيق ستخفض أسعار الغاز، لكن حجم الإمدادات نفسه لن يتغير؛ فعودة حركة النقل بمضيق هرمز إلى طبيعتها ستغير الحسابات الاقتصادية لاستراتيجية الغاز المصرية، لكنها لن تؤثر في البنية التحتية. ذلك أن فتح المضيق يعني أن مصر ستصبح قادرة مرة أخرى على الحصول على الغاز المسال الخليجي الأرخص، وبالتالي ستواجه ضغوطا أقل للمنافسة على الشحنات القادمة عبر الأطلسي، إلا أن البنية التحتية وعلاقات التوريد التي بنتها مصر على الغاز المسال الأمريكي ستبقى قائمة. وسيتعلق السؤال حينها بما إذا كان انخفاض الأسعار الخليجية كافيا لدفع مصر مجددا نحو مزيج التوريد الذي كانت تعتمد عليه قبل الاضطرابات، أم أن تجربة عام 2026 غيرت نظرتها إلى أهمية التنويع.

وعلى المدى القريب، ستظل واردات الغاز المسال مرتفعة إلى أن يزيد الإنتاج المحلي وترتفع الإمدادات الواردة عبر خطوط الأنابيب، حسبما قال لوكاس شميت، مدير قسم التحليلات قصيرة الأجل للغاز المسال لدى وود ماكنزي. ومن شأن تقليص واردات الغاز المسال أن يخفض فاتورة الطاقة في مصر، لكنها المقابل ستعتمد أكثر على الغاز الوارد من المنطقة عبر خطوط الأنابيب، وبالتالي ستقل درجة التنوع في مزيج إمداداتها.

أما على المدى الطويل، فالحد من اعتماد مصر على واردات الغاز المسال يتطلب وقف التراجع في إنتاج الغاز المحلي، وزيادة استغلال مصادر الطاقة البديلة في كل من قطاعي الكهرباء والصناعة. ويرى شميت أن الطاقة النووية والمتجددة ستلعبان دورا متزايد الأهمية في تلك الجهود.

رأينا

لم تنج مصر ببساطة من حرارة الصيف هذا العام، وإنما أثبتت مرونة إمداداتها من الطاقة، التي صارت تعتمد على منظومة أكبر وأكثر تكلفة مما كان عليه الوضع قبل عامين، تشمل عقود الغاز المسال، والموردين الأمريكيين، والسفن، ووحدات التغويز العائمة، والغاز الوارد عبر الأنابيب، ومحطات التوليد، ومصادر الطاقة المتجددة، وبطاريات تخزين الطاقة، إلى جانب الشبكة التي يجب أن توازن بين كل هذه المدخلات. وقد اجتازت هذه المنظومة أكبر اختباراتها هذا العام، لكن إذا ظل الإنتاج المحلي ضعيفا، سيتطلب الحفاظ على إمدادات الكهرباء الاستمرار في شراء الغاز من الأسواق الدولية، وربما بأسعار أعلى. وبالتالي لم يعد السؤال هنا ما إذا كانت مصر قادرة على إيجاد الغاز عندما تضطرب السوق، بل ما إذا كانت قادرة على تحمل تكلفة تلك المنظومة التي بنتها للحفاظ على تدفقات الغاز. فإذا استعادت مصر إمكانية الحصول على الغاز الخليجي الأرخص، سيتعين عليها أن تقرر مدى قيمة تنويع الموارد بالنسبة لها. وسيكشف الصيف المقبل عما إذا كانت مصر قد بنت منظومة طاقة أكثر مرونة، أم أنها أصبحت ببساطة أكثر قدرة على الدفع للحفاظ على استمرار منظومة هشة.

3

رسالة من طاقة عربية

رحلة الطاقة عبر منظومة متكاملة: من المصدر إلى المستهلك

يعد تأمين الوقود الخطوة الأولى ضمن تشغيل شبكات الطاقة؛ فيما يمثل توزيعه الجانب الأهم من هذه المنظومة. فبمجرد إمداد المحطات الرئيسية بالغاز أو الوقود أو الكهرباء، يتعين إيصالها إلى المصانع، والمشروعات العمرانية، والشركات، والمنازل عبر بنية تحتية مصممة لتلبية مختلف الاحتياجات التشغيلية.

إن تحديات التوزيع لا تتبع نمطا واحدا؛ فالاحتياجات متنوعة بتعدد القطاعات. فالمنشآت الصناعية تتطلب تدفقا مستمرا للغاز أو الطاقة، أو كليهما، بينما تحتاج المجمعات العمرانية الجديدة إلى مرافق متكاملة للطاقة والمياه عند تأسيسها. كما تعتمد المناطق الواقعة خارج نطاق الشبكات الرئيسية على نقل الغاز الطبيعي المضغوط، في حين تحتاج محطات بيع الوقود إلى خدمات موثوقة للتخزين والنقل. وأمام هذا التنوع، تعجز أي شبكة منفردة عن تغطية كافة القطاعات.

تغطي طاقة عربية مختلف مراحل تشغيل شبكات الطاقة، بدءا من البنية التحتية للشبكات. فمن خلال شركة طاقة غاز، تدير المجموعة 8 مناطق امتياز للتوزيع تغطي 55 مدينة، وتوزع ما يربو على 6.4 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويا لأكثر من 2 مليون عميل.

لا يتوقف تدفق الغاز عند حدود الشبكات الثابتة. فتشغل ماستر جاس التابعة لشركة طاقة عربية 92 محطة لتموين السيارات بالغاز المضغوط وأكثر من 20 مركزا لتحويل السيارات. كما تقدم الشركة خدمة الغاز الطبيعي المضغوط المتنقلة كخط أنابيب افتراضي لنقل الغاز بالشاحنات إلى العملاء في القطاعين الصناعي والسياحي، بالمناطق البعيدة عن المحطات الرئيسية. فالخدمة التي تم إطلاقها في نوفمبر 2018 لتزويد فنادق البحر الأحمر بالغاز، توسعت لاحقا لتشمل المواقع الصناعية، ونجحت في توصيل الغاز الطبيعي لمدينة الخارجة بالوادي الجديد ليستفيد منها أكثر من 14 ألف عميل.

أما في مجال الوقود السائل، تقدم المجموعة خدمات التخزين والتجزئة. من خلال طاقة للبترول، تدير طاقة عربية مستودعا للتخزين بسعة 18 مليون لتر في السويس وآخر بسعة 25 مليون لتر في الإسكندرية، إلى جانب شبكة تضم أكثر من 72 محطة تجزئة على مستوى الجمهورية. كما تخطط الشركة لإنشاء مستودع ثالث في القاهرة، مع تدشين مستودع آخر ضمن خططها طويلة الأجل في الصعيد.

تتجلى أهمية هذه الخدمات عند إطلاق المشروعات الصناعية الجديدة، وهنا يطرح السؤال نفسه: هل ستكون المرافق الأساسية متوفرة للمستثمرين فور التدشين؟ عبر أنحاء الجمهورية، نجحت طاقة عربية في توصيل الغاز والكهرباء لأكثر من 12 منطقة صناعية، وإمداد آلاف المصانع والمنشآت السياحية باحتياجاتها من الطاقة، إلى جانب خدمة ملايين العملاء في القطاع السكني. ويعزز هذا السجل الحافل قدرة الشركة على تقديم حلول مرافق متكاملة تدمج بين خدمات الكهرباء التقليدية والمتجددة، والغاز الطبيعي الموصل عبر الشبكات الثابتة أو خدمات الغاز المضغوط المتنقلة.

لا تتوقف هذه الأنشطة عند السوق المحلية؛ ففي الأردن، تطور طاقة عربية خط أنابيب غاز طبيعي بطول 14 كيلومترا لخدمة مدينة الروضة الصناعية. وفي السعودية، أسست شركتين لتطوير وصيانة خطوط النفط والغاز ونقل الغاز الطبيعي. كما توسعت ماستر غاز بحلول الغاز المضغوط المتنقلة في تنزانيا وموزمبيق، وتدرس المزيد من الفرص الاستثمارية عبر أفريقيا.

يرتبط أمن الطاقة بتكامل الحلول التكنولوجية مع نماذج التوزيع والبنية التحتية المصممة وفق متطلبات كل قطاع. وتدعم هذه القدرات نهج طاقة عربية "One Stop Shop" القائم على تقديم خدمات متكاملة للطاقة والمرافق.

لمعرفة المزيد عن طاقة عربية، شريكك الموثوق في قطاع الطاقة والمرافق، اضغط هنا.

4

طاقة

ما الذي تحتاجه مصر للعودة إلى تصدير الغاز؟

لا تنضب حقول الغاز بمرور سنوات إنتاجها الذهبية، فالبنى التحتية تظل قائمة، وتستمر الآبار في ضخ الغاز، لكن بمعدلات أقل. وعلى مستوى قطاع الغاز في مصر، أدى تراجع الإنتاج إلى محو ما يقرب من عقد كامل من المكاسب، لتجد الدولة نفسها مضطرة للحصول على إمداداتها من الخارج، بعد أن قضت سنوات في بناء طموحاتها التصديرية.

حدثت هذه الانفراجة الأخيرة في قطاع الغاز بوتيرة سريعة لدرجة أوهمتنا بأن تكرارها سيكون سهلا؛ إذ أعلنت شركة إيني في أغسطس 2015 اكتشاف حقل ظهر، الذي يُعد أكبر حقل للغاز في البحر المتوسط، وبدأت الإنتاج منه بعد عامين. وبحلول عام 2018، عادت مصر لتسجيل فائض سنوي في الميزان التجاري للغاز، لكن هذا الفائض تلاشى تماما بعد 5 سنوات.

هذه هي المعضلة التي تصاحب أي اكتشاف استثنائي قادر على تغيير المشهد؛ فمن المغري حينها أن تخطئ وتظن ذلك الاكتشاف هو نهاية القصة. ذلك أن استمرار تدفق الغاز يتطلب ما هو أكثر من مجرد اكتشاف استثنائي واحد. ولهذا تعمل الدولة حاليا على إنتاج جزء جديد من قصتها مع الغاز، وستبدأ هذا الجزء بفاتورة استيراد أضخم.

معضلة تراجع الإنتاج

بالأرقام: دام عهد مصر كدولة مصدرة للغاز لخمس سنوات. فقد تحولت البلاد من تسجيل عجز سنوي في الميزان التجاري للغاز قدره 9.2 مليار متر مكعب عام 2016 إلى تحقيق فائض طفيف في عام 2018، قبل أن تتراجع مجددا لتصير ضمن الدول المستوردة في عام 2023، وفقا لحساباتنا التي انبنت على أرقام مبادرة البيانات المشتركة لمنظمات الطاقة. وبحلول عام 2025، اتسع هذا العجز ليصل إلى 21.1 مليار متر مكعب مع انخفاض الإنتاج المحلي وارتفاع الواردات. إذ فقدت البلاد نحو 40% من إنتاجها خلال أربع سنوات: فارتفع الإنتاج السنوي للغاز من 42.1 مليار متر مكعب في 2016 ليصل إلى ذروته عند 70.4 مليار متر مكعب في 2021، ثم تراجع لأربع سنوات متتالية ليبلغ 42.3 مليار متر مكعب في عام 2025؛ وعاد بذلك تقريبا إلى النقطة التي بدأ منها، لتفقد مصر 28.1 مليار متر مكعب من الإمدادات السنوية.

لعب النضوب الدور الأكبر في هذا التراجع: كان حقل ظهر يسهم بنحو 30% من إجمالي إنتاج الغاز الطبيعي في البلاد، لكن إنتاجه انخفض ليبلغ نحو 1.2 مليار قدم مكعبة يوميا، مقارنة بذروته التي بلغت 3.2 مليار قدم مكعبة يوميا في عام 2019. وفي تصريحات لنشرة إنتربرايز، قال نور طه، الباحث السياسي في برامج الشرق الأوسط بالمجلس الأطلسي: "غالبا ما تميل شركات الطاقة، وخاصة في مجال الغاز الطبيعي، إلى استخراج أكبر قدر ممكن في أسرع وقت ممكن لتعزيز هوامش أرباحها. لكن بما أن الغاز داخل المكمن يُعد موردا محدودا، فإن الاستخراج المكثف والمفرط في وقت مبكر يمكن أن يؤثر على عمر المكمن، وهو ما حدث في حالة حقل ظهر".

ومع أن حقل ظهر هو الاسم الأبرز في قطاع الغاز بمصر، فإن هذا التراجع طال حقولا أخرى. ففي تعليقاته لنشرة إنتربرايز، أوضح مارتن ميرفي، المحلل الرئيسي لعمليات استكشاف وإنتاج النفط والغاز في شمال أفريقيا وشرق المتوسط لدى وود ماكنزي، أن النضوب الطبيعي أدى إلى انخفاضات حادة في إنتاج العديد من حقول الغاز المصرية الكامنة في التكوينات البليوسينية الصخرية بالمياه الضحلة، وأن وتيرة تلك الانخفاضات تسارعت مع تقادم تلك الحقول، مضيفا أن تسرب المياه في وقت مبكر عن المتوقع أسهم في ضعف الإنتاج بعدد من الحقول الرئيسية. وأشار إلى أن حقول دلتا النيل البحرية هي أعلى المناطق من حيث معدلات النضوب بين عامي 2021 و2025.

استمرت طفرة التصدير لفترة أطول قليلا من ذروة الإنتاج؛ إذ بلغت صادرات الغاز أعلى مستوى لها خلال عشر سنوات في عام 2022، بعد أن سجلت 12 مليار متر مكعب، حتى مع بدء انخفاض الإنتاج المحلي وزيادة الواردات عبر خطوط الأنابيب. وبحلول عام 2023، أصبحت مصر تستورد غازا أكثر مما تصدر إجمالا، رغم استمرارها في شحن الغاز الطبيعي المسال إلى الخارج. إذ تجاوزت الواردات الشهرية حجم الصادرات في شهر مايو من ذلك العام، وظلت مرتفعة حتى ديسمبر. ثم بين عامي 2023 و2025، قفزت واردات الغاز السنوية من 8.6 مليار متر مكعب إلى 22.2 مليار متر مكعب، في حين انهارت الصادرات من 5.6 مليار متر مكعب إلى 1.1 مليار متر مكعب فقط.

ولم يشذ العام الجاري عن هذا النمط؛ فقد انخفض الإنتاج المحلي بنسبة 7.8% أخرى على أساس سنوي ليبلغ 19.5 مليار متر مكعب في النصف الأول من هذا العام، بينما قفزت الواردات بنسبة 51.7% لتسجل 13.1 مليار متر مكعب. وبلغ متوسط الإنتاج نحو 3.8 مليار قدم مكعبة يوميا، ما يعد أقل بنحو 44% من متوسط الإنتاج في النصف الأول من عام 2021. وبالنسبة لواردات الغاز الطبيعي المسال فزادت إلى أكثر من الضعف مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، لتصل إلى 8.8 مليار متر مكعب خلال النصف الأول من عام 2026، وتمثل بذلك ثلثي إجمالي واردات الغاز، في حين تراجعت الواردات عبر خطوط الأنابيب بنسبة 7.7% لتبلغ 4.3 مليار متر مكعب. وفي هذا الصدد علقت لنشرتنا لوري هايتايان، مديرة منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد حوكمة الموارد الطبيعية، قائلة إن "الإنتاج يواجه صعوبة في مواكبة الاستهلاك المتزايد".

هل ترغب في نظرة أكثر تعمقا على إمدادات الغاز في مصر؟ أجرينا في يونيو الماضي تحليلا دقيقا ومفصلا للوضع خلال السنوات الثلاث الماضية.

داخل البئر

لا تقتصر عملية إعادة إنتاج الغاز إلى مستوياته الطبيعية على مهمة واحدة، بل تقوم على 3 مهام لها آجال زمنية مختلفة. فيعتمد تعافي إنتاج الغاز في مصر على استخراج المزيد من الغاز من الحقول المنتجة، وربط الاكتشافات القريبة بالمرافق القائمة، وتطوير الموارد التي تتطلب بنية تحتية جديدة. وكل مهمة منها له جدول زمني مختلف. وتتعلق المهام قصيرة الأجل منها بتعظيم الاستفادة من منظومة الإنتاج القائمة حاليا، في حين يحتاج تطوير الموارد الجديدة إلى وقت أكبر لبدء الإنتاج.

يمكن للبنية التحتية القائمة أن تجعل الاكتشافات الصغيرة جديرة بالتطوير. إذ لا تحتاج كل الحقول البحرية الجديدة بالضرورة إلى منصات خاصة بها ومحطات معالجة وخطوط أنابيب ممتدة إلى الشاطئ. فحيثما أمكن من الناحية الفنية يمكن ربط الآبار بمنظومات الإنتاج القائمة عبر شبكات تحت سطح البحر، مما يسمح للحقول بتشارك المرافق بدلا من تكبد نفقات إنشاء مرافق جديدة من الصفر لإيصال إنتاجها إلى السوق، وبهذا سيتسنى تحقيق جدوي استثمارية أكبر باستخراج كميات أقل من الغاز. ويمثل هذا النهج جزءا من خطة تطوير حقول الغاز في مصر بالفعل؛ إذ تشمل المشاريع البحرية المعتمدة حفر آبار إضافية متصلة بشبكات بحرية قائمة، بينما يجري تقييم الاكتشافات الحديثة بالقرب من المرافق القائمة لتسريع وتيرة تطويرها.

لذا، في المرة القادمة التي يتصدر فيها اكتشاف كبير عناوين الأخبار، أجِّل احتفالك به لعام أو عامين. فالتقييمات تحدد بعدها حجم المكمن، ومدى سهولة تدفق الغاز عبر الصخور، ومعدلات الإنتاج المستدامة بالنسبة للبئر. وهذه النتائج تساعد في تحديد عدد آبار التطوير وأماكنها، والمعدات المطلوبة، وما إذا كانت مبيعات الغاز المتوقعة تبرر التكلفة. لذلك، حين يُعلن اكتشاف بئر يحتوي على احتياطيات كبيرة فهذا يكون مجرد تقييم أولي، وليس توقعا للإمدادات اليومية بعد بدء الإنتاج.

ولدى مصر احتياطيات من الغاز بالفعل، لكن جدواها التجارية غير مؤكدة. إذ تمتلك مصر نحو 19 تريليون قدم مكعبة من احتياطيات الغاز التجارية المؤكدة والمحتملة (2P)، وهي كمية تعادل تقريبا استهلاك البلاد من الغاز على مدى تسع سنوات بمعدلات عام 2024، إلى جانب 20 تريليون قدم مكعبة أخرى من الموارد المحتملة (2C)، وفقا لتقديرات ميرفي.

💡 يشير مصطلح الاحتياطيات المؤكدة والمحتملة (2P) إلى تقديرات احتياطيات الغاز القابلة للاستخراج من المشاريع التجارية، أما الموارد المحتملة (2C) فتشير إلى تقديرات الاحتياطيات المكتشفة التي لا يمكن بعد الجزم بإمكانية استخراجها من الناحية التجارية، بسبب عقبات تشمل التسعير أو تكاليف التطوير أو البنية التحتية أو الموافقات.

ويمكن إبطاء هذا النزيف في الإنتاج عبر تطوير عدد من الحقول الصغيرة، لكن إيقافه تماما يتطلب اكتشافا ضخما. ويوضح ميرفي أن "هناك القليل من الحقول المجدية التي تنتظر التطوير"، لكن إعادة الإنتاج إلى مستوى 6 مليارات قدم مكعبة يوميا يتطلب اكتشافا استثنائيا، والاكتشافات الجديدة كلها تقريبا غير مبشرة منذ حقل ظهر.

كما أن جزءا من الإنفاق سيُوجه نحو الحد من تراجع الإنتاج، فالاستثمار في الآبار والمرافق يمكن أن يدعم الإنتاج للحيلولة دون تراجعه أكثر من ذلك، دون أن تتحقق زيادة ملموسة في حجم الإنتاج على مستوى الدولة. ولهذا من الضروري التمييز بين زيادة إنتاج بئر أو حقل ما وبين نمو الإنتاج الإجمالي للدولة؛ فالأثر الناجم عن نجاح تطوير أي حقل جديد قد يتلاشى بسبب انخفاض الإمدادات بمواقع أخرى.

الشروط المطروحة

لا تقتصر الاتفاقات الاستثمارية على تحديد بنود التسعير، وإنما تتضمن إجراءات أخرى. فتشمل مساعي وزارة البترول الأخيرة ضمان أسعار أفضل في بعض مواقع الإنتاج، وإتاحة اتفاقيات أكثر مرونة لتقاسم الإنتاج، وتعديل اتفاقيات الامتياز، وتبسيط إجراءات التعاقد. وفي مارس، عملت الحكومة على تعديل العديد من الاتفاقيات، إدراكا منها لتعثر نموذج الاستثمار القديم. فالمشاكل المختلفة تحتاج إلى حلول مختلفة؛ والاكتشافات البحرية المكلفة تحتاج إلى بنود تبرر الإنفاق لسنوات قبل بدء الإنتاج، بينما تحتاج الحقول المتقادمة إلى تنفيذ المزيد من أعمال الحفر لتظل مجدية من الناحية الاقتصادية مع انخفاض الإنتاج.

وبالنسبة لاستكشاف المناطق الجديدة والقاصية، يساعد معامل الربحية في تقسيم الإنتاج بناء على الأرباح المتوقعة. تتابع هذه الآلية الإيرادات أو الأرباح التراكمية مقابل النفقات، لتتيح للمستثمرين حصة أكبر من أرباح النفط أو الغاز عندما تنخفض العوائد، وتزيد حصة الدولة مع تحسن الربحية. وبعد البدء في تطبيق هذا المعامل عام 2025، صرحت الوزارة مؤخرا بأنها طبقت النموذج في غرب البحر المتوسط، وتوسعت في استخدامه ليشمل البحر الأحمر والمناطق الجنوبية التي تتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية.

يتمثل المنطق الاقتصادي هنا في تحسين التدفقات النقدية للمستثمرين خلال فترة استردادهم لأموالهم؛ فمنحهم حصة أكبر مبكرا يعزز الجدوى الاستثمارية لمشاريع التطوير المكلفة، ويحافظ في الوقت نفسه على قدرة الدولة على جني المزيد من الأرباح لاحقا. ويعتمد مدى تأثير ذلك في الحسبة الاقتصادية للمشروعات على التكاليف المتفق عليها، وتعريفات الإيرادات، والحدود التي تغير من تقسيمة الأرباح.

أما الحقول المتقادمة فتحصل على شكل مختلف من الدعم؛ فنموذج الاستثمار الجديد في مشروعات الطاقة، الذي بدأ تطبيقه في أواخر مارس، يربط حصة الشركة المطورة بأسعار خام برنت والإنتاج اليومي، فتزيد تلك الحصة عند انخفاض الأسعار أو الإنتاج. وهي آلية مختلفة عن معامل الربحية، تهدف إلى الحفاظ على جاذبية الاستثمار في الحقول الأقدم ذات تكاليف التشغيل الأعلى. ويتماشى هذا مع خطط الوزارة المعلنة في مارس لطرح نظام مالي يشجع على الحفر الأفقي والتكسير الهيدروليكي على مدى السنوات الخمس القادمة.

وتهدف مساعي تعديل التعاقدات أيضا إلى وضع جدول زمني للتطوير، إذ يتضمن الإطار الجاري إعداده تبسيط العقود، وتحديد فترة أولية لعقد الإيجار التطويري تبلغ عامين، يمكن بعدها للهيئة المصرية العامة للبترول والشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية (إيجاس) استرداد الامتيازات دون تعويض. وفي حالة تحقيق اكتشاف تجاري، يمتد عقد الإيجار إلى 20-30 عاما، مع إبرام اتفاقيات مبيعات طويلة الأجل تحدد الكميات والتسعير والنسب المخصصة لكل من الاستهلاك المحلي والتصدير. كما تشمل الحزمة إقرارات ضريبية أبسط عبر جهة حكومية واحدة، واستمرار الإعفاءات الجمركية للمعدات بنظام الإفراج المؤقت.

السياق: ساعدت جهود الهيئة المصرية العامة للبترول وإيجاس منذ أوائل العقد الحالي في جذب استثمارات إضافية، لا سيما في المناطق البرية التي شهدت عمليات تطوير سابقة، حسبما كشف لنا ميرفي. كما شجعت أسعار الغاز المرتفعة على استكشاف وتطوير الحقول التي لم تكن لتصبح مجدية تجاريا لولا ذلك. ويشير ميرفي في هذا الصدد إلى مشاريع المراحل 10-12 من امتياز المياه العميقة بغرب الدلتا، وامتياز شمال إدكو/ شمال العامرية، وغرب البرلس، ومينا غرب، وهارماتان، و"الفيوم-5"، باعتبارها مشاريع ساعدت فيها الشروط المالية المرنة في اتخاذ قرارات الاستثمار النهائية.

مشوار طويل للعودة

هناك استجابة من جانب المستثمرين، لكن الاختبار الحقيقي يكمن في تحويل أموالهم إلى غاز. فتشير الاجتماعات المتكررة لوزير البترول مع مسؤولي شركات النفط والغاز العالمية إلى تجدد اهتمامهم بالقطاع في مصر. كما تعهدت شركات الطاقة العالمية العملاقة أيضا باستثمار 19 مليار دولار في قطاع الطاقة لدينا على مدى السنوات الثلاث المقبلة، مما سيعطيه دفعة قوية يحتاجها بشدة. وعن ذلك يقول ميرفي إن "عمليات الحفر في ازدياد، وعدد منصات الحفر يرتفع، والشركات تنفق المزيد من المال".

المشكلة أن الشركات المطورة للحقول لديها ذاكرة طويلة وبدائل أخرى؛ فيحذر ميرفي من أن تسديد مصر للمستحقات لم يكن يتم بانتظام خلال السنوات الماضية، مما يعني أن التحدي يكمن في مدى قدرتها على الاستمرار في السداد خلال فترات التحديات الاقتصادية. وبالنسبة للشركات التي تدرس مشاريع تطوير بفترات استرداد أطول، فإن الثقة في سداد المستحقات لن تكون كافية، وإنما لابد معها من شروط تنافسية بما يكفي لجذب الاستثمارات بدلا من المشاريع الواقعة في بلاد أخرى. لكن هناك مؤشرا آخر على تجدد الشهية الاستثمارية، يتمثل في المنافسة على الأصول المصرية في صفقات الاستحواذ الخاصة بشركات كابريكورن وفاروس وبي بي، وهو أمر يشير ميرفي إلى غيابه منذ سنوات.

تذكر: حسمت مصر تلك المسألة في شهر يونيو بتسوية كامل المستحقات المتأخرة لشركات النفط العالمية، بعد أن بلغ حجمها 6.1 مليار دولار في يونيو 2024. وكانت تسوية هذه المستحقات هي حجر الزاوية في استراتيجية الحكومة لاستعادة ثقة المستثمرين، ودفع الشركات الدولية لاستئناف عمليات الحفر. ويقول طه عن ذلك إنه "بعد أن أزيح عبء المستحقات المتأخرة عن كاهل الدولة، ظهرت فرصة جديدة لإعادة التفاوض على الشروط"، معتبرا أن إحجام الشركات عن الاستكشاف في ظل تأخر المستحقات كان يحد من قدرة الدولة على التفاوض بشأن الاستكشاف والاستخراج.

لكن تسديد فواتير الأمس لن ينتج غاز الغد؛ فتحسين طريقة السداد سيساعد المشاريع في المضي قدما، لكن ما زالت هناك حاجة لحفر آبار التطوير، وشراء وتركيب المعدات، وتوصيل واختبار المرافق. وقد أقرت وزارة البترول بذلك عند الإعلان عن تسوية المتأخرات، مشيرة إلى أن تطوير حقول المياه العميقة يتطلب سنوات من العمل قبل بدء الإنتاج. ويقدر ميرفي أن "البدء في ضخ الغاز من أي اكتشاف كبير إلى السوق قد يستغرق حوالي أربع سنوات".

وأي اكتشاف قادم لن يوفر لمنظومة الطاقة سوى مزيد من الوقت، لا أكثر من ذلك. إذ يتوقع ميرفي أن يستمر انخفاض إنتاج الغاز في مصر، وإن كان ذلك بوتيرة أبطأ، نظرا لمساهمة المشاريع الجديدة وبالأخص دينيس غرب ونرجس في تعويض تراجع إنتاج الحقول القديمة. وصحيح أن البنية التحتية القائمة تتيح خيارات لتسريع الإنتاج من بعض الحقول المكتشفة، مع إبقاء الحقول القديمة قيد التشغيل لفترة أطول، غير أن قدرة هذه الإضافات على إنهاء الاعتماد على الاستيراد ستكون مرهونة بحجمها وتوقيتها، وخسائر الإنتاج التي يجب أن تعوضها، وحجم الطلب الذي سيتعين عليها تلبيته وقتها.

ماذا بعد؟

الاستثمارات هي الحل: مع بلوغ إنتاج الغاز أقل من 4 مليارات قدم مكعبة يوميا، ومساعي الدولة لإضافة مليار قدم مكعبة أخرى يوميا بحلول نهاية العام، ضمن هدفها الأكبر للوصول بمعدل الإنتاج إلى 6.2 مليار قدم مكعبة يوميا بحلول عام 2027، قد تعتمد الاستراتيجية اعتمادا كبيرا على جذب استثمارات كافية لعكس مسار التراجع. وأبرز المسائل التي ينبغي متابعتها في هذا الصدد هي قرارات الاستثمار، وموافقات التطوير، ونجاح الاستكشافات عقب إجراء المسوحات السيزمية، ومدى نجاح العطاءات التنافسية في جذب شركات جديدة تتمتع بالمصداقية.

5

إنتربرايز تشرح

كيف تقرر الحكومة أولويات إمدادات الطاقة حين تقل تدفقات الغاز؟

لا تضرب أزمات نقص إمدادات الطاقة جميع الفئات والأماكن في الوقت ذاته؛ فقد ينعم منزل بالكهرباء في حين يُحرم مصنع من إمدادات الغاز، أو يُسمح لفندق بتقديم وجبات العشاء لرواده بينما يُجبر مطعم على إغلاق أبوابه. يدفعنا هذا بعد أن تتبعنا أزمة نقص الغاز ومرور الصيف دون انقطاع الكهرباء إلى طرح سؤال آخر: إذا لم تكن إمدادات الطاقة كافية لتلبية احتياجات الجميع، فمن سيضطر لتحمل العجز؟

اختلفت الإجابة من أزمة إلى أخرى؛ فبدلا من وجود تسلسل هرمي معلن للأولويات، اتبعت الحكومة نهجا قائما على وضع تدابير خاصة لكل قطاع على حدة، تُطبق وفقا لمقتضيات الظروف وتُلغى متى انحسر الضغط.

والتدابير مثل قطع الكهرباء عن المنازل ووقف إمدادات الغاز للمصانع وقرارات الإغلاق المبكر للمتاجر تختلف تماما فيما بينها. فمصانع الأسمدة النيتروجينية مثلا ربما تتوفر لها الكهرباء وتعجز مع ذلك عن الإنتاج، لافتقارها إلى الغاز الذي يعد من موادها الخام، وكذلك المطاعم قد تتوفر لها الكهرباء، لكنها تكون ملزمة قانونا بإغلاق أبوابها والتوقف عن تقديم خدماتها. لذا فإن كل تدبير من تلك التدابير له وقع وتأثير مختلف.

من يتخذ القرار؟

يُتخذ قرار قطع الكهرباء عن شارعك في مستويات أعلى بكثير من غرف التحكم. وقد جاء التفسير الأوضح لكيفية اتخاذ تلك القرارات في سبتمبر 2024، عندما جمعت وزارتا البترول والكهرباء بيانات الاستهلاك والإمدادات لعرض الخيارات المتاحة على مجلس الوزراء. وانحصر الاختيار آنذاك بين قطع الكهرباء لساعتين، أو ساعة واحدة، أو عدم قطعها مطلقا. تدير كل وزارة منهما جانبا مختلفا لنفس الأزمة؛ إذ تتولى وزارة البترول تعديل مخصصات الغاز وتدبير إمدادات الوقود، في حين تقيم وزارة الكهرباء احتياجات المنظومة الكهربائية. وتقيدت قدرات التوليد بحجم الغاز الوارد من وزارة البترول، فيما تولت الشركة القابضة لكهرباء مصر إعلان جداول تخفيف الأحمال.

ثم تأتي مرحلة التوريد والتنفيذ والتفاوض. فقد سعت إيجاس لتأمين شحنات إضافية من الغاز الطبيعي المسال في عام 2024، في حين تواصل المُصنعون لاحقا مع الهيئة المصرية العامة للبترول لاستيراد الغاز نيابة عنهم. وكُلفَت السلطات المحلية بمهام ترشيد الاستهلاك، في حين حملت الغرف الصناعية مشكلات إمدادات المصانع إلى الحكومة. لكن افتقر هذا المشهد إلى وجود لائحة تحدد أي مصنع يجب قطع الإمدادات عنه أولا، أو الحد الأدنى من الإمدادات الذي ينبغي أن تحصل عليه المصانع، أو التعويضات المترتبة على قطع الإمدادات.

ولو وضعت الحكومة لائحة تنظيمية مثل هذه فلن تقتصر في معاييرها على مساهمة ذلك المصنع أو غيره في توفير العملة الصعبة. إذ أوضح لنا عبد العزيز خليفات، الأستاذ بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، أن تقليص الإمدادات يجب أن يبدأ بالكيانات الصناعية المرنة وغير الأساسية، على أن تتصدر محطات توليد الكهرباء والخدمات الحيوية والصناعات الاستراتيجية قائمة الأولويات. وأضاف أن هذا الترتيب يجب أن يتسم بالمرونة بناء على كفاءة استخدام الطاقة، والالتزامات التعاقدية، وحجم العمالة، فضلا عن "الوقت اللازم لوقف العمليات وإعادة تشغيلها بأمان".

من يحظى بالحماية؟

في أغسطس 2022، ربطت الحكومة صراحة ترشيد استهلاك الكهرباء بتوفير الغاز للتصدير وجني العملة الصعبة. فطُلب من المباني الحكومية إطفاء الأنوار خارج أوقات العمل، إلى جانب تقليل الإضاءة في الشوارع وواجهات المحلات، وألزمت الحكومة المراكز التجارية بضبط مكيفات الهواء عند درجة حرارة لا تقل عن 25 درجة مئوية.

وبحلول الصيف التالي، امتدت التدابير لتطال أسبوع عملك؛ إذ طبقت الحكومة جداول تخفيف الأحمال، وقلصت إمدادات الغاز للقطاع الصناعي، وزادت من استخدام المازوت، وشكلت لجنة لإدارة الأزمات بمجلس الوزراء. وصرح رئيس الوزراء مصطفى مدبولي باستثناء المستشفيات والمرافق الاستراتيجية، إلى جانب المناطق الساحلية لحماية قطاع السياحة. وتحملت المنازل والمرافق العامة جزءا من وطأة الترشيد، كما وجهت الحكومة موظفيها للعمل عن بعد أيام الأحد، وغيرت مواعيد الفعاليات الرياضية لتُقام قبل غروب الشمس حيثما أمكن.

المصدرون قد يفقدون موقعهم في طابور الأولويات

تبين حالة قطاع الأسمدة أن مبدأ الأولوية للمصدرين ليس بهذه البساطة. ففي أغسطس 2023، أفادت تقارير بأن بعض منتجي الأسمدة تلقوا إمدادات غاز أقل بنسبة 20% بسبب توجيه الإمدادات إلى الشبكة القومية. وحذرت شخصيات بارزة في القطاع من أن خفض الإنتاج قد يجبر المصنعين على تقليص صادراتهم لتلبية احتياجات السوق المحلية، مضحين في ذلك بعائدات النقد الأجنبي. وعاد الخيار ذاته ليطرح نفسه في عام 2024، حين أُفيد بأن وزارة البترول خفضت إمدادات الغاز لمصانع الأسمدة بنسبة 20-30% في أوائل يونيو لتغذية محطات الكهرباء. وحددت تغطيتنا وقتها شركات أبو قير للأسمدة وموبكو وكيما وإيجيفرت ضمن المنتجين المتضررين، إلى جانب شركة سيدي كرير للبتروكيماويات (سيدبك).

وبعد عام واحد، كشفت كذلك عمليات الصيانة المجدولة عن تأثر القطاع بنقص إمدادات الطاقة. ففي أعقاب تراجع واردات الغاز الإسرائيلية، واجه مصنعو الأسمدة خفضا بنسبة 50% في إمداداتهم لمدة 15 يوما في شهر مايو 2025، وأشارت التوقعات إلى تراجع الإنتاج بنسبة 30%. وبحلول أوائل يونيو، تواترت أنباء عن حصول مصانع الأسمدة والبتروكيماويات على نحو 450-500 مليون قدم مكعبة يوميا، مقارنة باحتياجاتها المعتادة البالغة 770 مليون قدم مكعبة يوميا. ثم جاءت أزمة يونيو 2025 لتجعل الأولويات أكثر وضوحا، إذ أوقفت وزارة البترول ضخ نحو 900 مليون قدم مكعبة يوميا إلى الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، والتي منها الصلب والأسمدة والبتروكيماويات، وذلك لتوجيه تلك الإمدادات إلى محطات الكهرباء. كما علقت الحكومة شحنات السولار والمازوت لمصانع الأغذية والأسمنت لمدة 14 يوما.

وتطلبت استعادة تلك الكيانات لإمدادات الغاز مفاوضات خاصة، وامتد تأثيرها ليطال فاتورة بقالتك. فبحلول نهاية يونيو 2025، صار منتجو الأسمدة على رأس قائمة الأولويات بسبب التزاماتهم المحلية وعقود التصدير، بينما حصلت الصناعات الأخرى على ما يصل إلى 70% من مخصصاتها المعتادة. وتطلبت توجيهات سبتمبر 2025 توقيع بروتوكولات بخصوص التوريدات الموجهة لوزارة الزراعة والمبيعات التجارية المحلية والصادرات، إذ شكا المزارعون من أن تأخير ونقص الشحنات دفعهم للشراء من السوق المفتوحة بتكلفة أعلى. وهنا تحديدا يتجلى الأثر الملموس لحجة التصدير؛ فقد أسهمت في تحديد القطاعات التي استعادت إمداداتها أولا، وإن لم تمنع قطع الإمدادات من الأساس.

الأزمة تتفاوت في تأثيرها

بالكاد شعر قطاع الأسمنت بالأزمة، لاعتماده لسنوات على بدائل أخرى للغاز؛ فقد قلصت شركات القطاع اعتمادها على الغاز الطبيعي في أعقاب أزمة 2012-2013، وفقا لتغطيتنا السابقة. حينها، كان 16 مصنعا للأسمنت من أصل 18 مصنعا تستخدم الفحم في إحدى مراحل الإنتاج، وأكدت العديد من الشركات المدرجة في البورصة أن ارتفاع أسعار الغاز لن يؤثر على خطوط الإنتاج التي لا تعتمد عليه. وبحلول يونيو 2025، وُصفت مصانع الأسمنت بأنها لم تتأثر إلى حد كبير باضطرابات إمدادات الغاز لاعتمادها على الفحم. وبالتالي فإن مرونة قطاع الأسمنت نبعت من مزيج الوقود الذي يستخدمه.

أما مدى تأثر قطاع الصلب فيعتمد على طريقة التصنيع؛ فقد تضررت مصانع الاختزال المباشر في عام 2025. وتوضح تغطيتنا المنفصلة للأسعار هذا الاختلاف، إذ تشير تقديرات القطاع إلى أن زيادة سعر الغاز بمقدار دولار واحد لكل مليون وحدة حرارية بريطانية ترفع التكلفة بنحو 500 جنيه للطن في المصانع المتكاملة، مقابل ما لا يزيد عن 50 جنيها في مصانع الدرفلة، التي يقتصر استخدام الغاز فيها غالبا على تسخين الأفران. وفي الوقت نفسه، وجدت تغطيتنا في يونيو 2025 أن مصانع الطوب نجت إلى حد كبير من اضطرابات الإمدادات، بينما خففت الفوائض من وطأة الأزمة على قطاع السيراميك.

وبالنسبة للصناعات غير الثقيلة، فقد يعني انقطاع الكهرباء خسارة المنتج ذاته. إذ وثق تقريرنا في يونيو 2024 خسارة عدد من مزارع الدواجن لعنابر كاملة بسبب تزامن موجات الحر مع توقف أنظمة التبريد. كما قدر ممثل لقطاع الأجهزة المنزلية تراجع الإنتاج بنسبة 40%، بينما أشار مصنعو الأغذية إلى أن انقطاع الغاز كان مشكلتهم الرئيسية، وأن بعضهم لجأ للاعتماد على الاحتياطيات.

سهرة بطعم تخفيف الأحمال

لننتقل الآن إلى صيف هذا العام، والذي مر بسلام لحسن الحظ رغم الاضطرابات الإقليمية التي طالت إمدادات الطاقة. فرضت حزمة إجراءات ترشيد الاستهلاك المقرة في مارس إغلاق المتاجر والمراكز التجارية والمطاعم والمقاهي في التاسعة مساء خلال أيام الأسبوع، وفي العاشرة مساء يومي الخميس والجمعة. كما شملت الحزمة تدابير منها تخفيض إنارة الشوارع، وإطفاء اللوحات الإعلانية المضيئة على الطرق، وتقليص استخدام المباني الحكومية، وإبطاء وتيرة المشاريع كثيفة الاستهلاك للسولار.

وبالنسبة للوجهات التي عادة ما يرتادها المواطنون ليلا، فقد حُرمت بذلك من أوقات ذروتها المعتادة. ففي أبريل، قابلنا عددا من مع أصحاب وجهاتكم المفضلة لنعرف مدى تأثرهم بتلك التدابير. أوضح مؤسس تيبسي كاميل إن 85-90% من الإيرادات يحققها المطعم عادة بعد التاسعة مساء، في حين قدر مطعم براس مونكي هذه النسبة بنحو 80-90%. وقدر مطعم بابوز إيتس أن الإغلاق المبكر أدى إلى تبخر 60% من إيراداته، ما دفع القائمين عليه لتقديم وجبات الإفطار والبرانش وتنظيم الفعاليات النهارية.

ولم تتعلق المسألة بالتوقيت بل بالمكان كذلك؛ فالفنادق والمنشآت السياحية كانت معفاة من هذه المواعيد، رغم إفادة بعض الشركات بوجود اختلافات في تطبيق تلك الإعفاءات. كما كشف أصحاب المتاجر والمقاهي عن تقليصهم لنوبات العمل، وتسريح العمالة، وخسارة المبيعات. وبعدها مدت الحكومة موعد الإغلاق ليصبح في الحادية عشرة مساء، قبل أن تلغي لجنة الأزمات بمجلس الوزراء قرار الإغلاق المبكر للمحال التجارية والمطاعم تماما. وفي ذلك الوقت مدت الحكومة أيضا قرار العمل عن بعد أيام الأحد.

متنفس أكبر للقطاع الصناعي

تلقى القطاع الصناعي أيضا وعودا بالحصول على حصة أكبر من واردات الغاز الطبيعي المسال. ففي مايو، خصصت وزارة البترول 5 شحنات شهريا للقطاع بدءا من يونيو، ارتفاعا من شحنة واحدة. وبلغ حجم المخصصات المعلنة 16 مليار قدم مكعبة شهريا، وخُصص أكثر من 65% منها لصناعات الأسمدة والبتروكيماويات والصلب، بتكلفة قُدرت بنحو 300-350 مليون دولار.

تبلورت هذه الفكرة منذ الصيف الماضي؛ ففي يونيو 2025، درست الحكومة توفير 3 شحنات شهريا لمنتجي الأسمدة والبتروكيماويات على مدار 4 أشهر، على أن تتحمل المصانع التكلفة. وعلى نحو منفصل، طلب المنتجون من الهيئة المصرية العامة للبترول استيراد الغاز نيابة عنهم، واقترحوا الدفع بالدولار، بينما اقترح اتحاد الصناعات المصرية إنشاء صندوق لدعم الاستيراد يُمول عبر استقطاع 20% من حصيلة الصادرات.

لكن تأمين هذه الإمدادات صاحبته ضغوط خاصة بالتكلفة، وهو ما انعكس في النهاية على ما تشتريه من سلع. فقد رفعت الحكومة أسعار الغاز المورد للقطاع الصناعي في سبتمبر 2025، ثم بدأت العمل على وضع آلية تسعير أوسع نطاقا تعكس تكاليف الإنتاج المحلي والاستيراد معا. كما وصف تحليلنا لقطاع الأسمدة في فبراير الضغوط المتعلقة بالحفاظ على الإمدادات، والوفاء بالالتزامات الزراعية المحلية، وهوامش أرباح المنتجين.

ولا تظهر تكلفة انقطاع الغاز بشكل مباشر أو واضح في الأرباح النهائية للشركات. فقد ساعد استقرار الإمدادات شركة موبكو على تجاوز إنتاجها المستهدف في الربع الأول من 2026، لترتفع مبيعاتها بنسبة 29% وتبلغ 8.2 مليار جنيه، وتسهم الصادرات بنسبة 78.5% من إيرادات مبيعاتها، وهو ما يبرز المكاسب التي تتحقق عند وصول الغاز للمصانع الموجهة للتصدير. وفي المقابل فإن تراجع صافي أرباح شركة أبو قير للأسمدة في فترة الأشهر التسعة من العام المالي 2024-2025 يعكس انخفاض أرباح فروق العملة وتوزيعات الاستثمارات.

لهذا كله فإن نقص إمدادات الطاقة لا يتجلى فقط في أنوار المنازل، التي ربما تظل مضاءة بينما تُحرم المصانع من الغاز، أو تخسر المطاعم إيراداتها المسائية، أو يتكبد المزارعون تكلفة إضافية لشراء الأسمدة. وإلى أن تتوفر إمدادات كافية وموثوقة بحيث تصير تلك التدابير غير ضرورية، سيبقى التساؤل مطروحا عمن تبدو خسارته لإمدادات الطاقة مقبولة بالنسبة للدولة.

6

رسالة من ڤالمور القابضة

استدامة الطاقة تتيح للصناعات التوسع على المدى البعيد

خلال ذروة الاستهلاك في أشد أيام الصيف حرارة، نجحت مصر في الموازنة بين معدلات الطلب المرتفعة ومخزون الطاقة. غير أن المستثمر الراغب في تأسيس مصنع هنا يطلب ضمانات قاطعة حول استدامة الغاز والكهرباء على المدى الطويل.

يشهد سوق الغاز تغيرات أسرع من الفترة التي يحتاجها المستثمر لاسترداد العائد على مشروعه. انخفض إنتاج مصر السنوي من الغاز بنحو 30% بين عامي 2023 و2025، وفقا لإحصائيات مبادرة بيانات المنظمات المشتركة. والمصانع التي تمول اليوم تتطلب إمدادات مستقرة من الطاقة تضمن تشغيلها وسط تقلبات السوق المستمرة.

في ڤالمور القابضة، ندرك متطلبات هذا القطاع من واقع عملنا كمنتجين ومستهلكين في آن واحد: فشركاتنا العاملة في مجالي الغاز والكهرباء تؤسس البنية التحتية مسبقا قبل توسع الطلب، في حين تشغل منشآتنا الصناعية خطوطها دون انقطاع بناء على إمدادات مستقرة وموثوقة.

تعتمد شركة الإسكندرية للأسمدة في نجاحها على استقرار الإمدادات. أتاح التدفق المستقر للغاز خلال الربع الثاني من 2026 لشركتنا التابعة العمل بكامل طاقتها الإنتاجية. وبلغت المبيعات نحو 416 ألف طن خلال النصف الأول من 2026 بزيادة سنوية قدرها 11%، مع احتفاظ الشركة بمكانتها باعتبارها أكبر مساهم في إيرادات ڤالمور بالعملة الصعبة. بالنسبة للمصدرين، يشكل استقرار التشغيل ركيزة أساسية للوفاء بالتزاماتهم طويلة الأجل.

تحتاج المصانع الجديدة إلى توافر الغاز والكهرباء قبل تشغيلها. تخدم ناتجاس، وهي إحدى شركات التوزيع التابعة لـنات إنيرجي، نحو 900 عميل صناعي. وقد بدأت هذا العام في مد الشبكة الخاصة بالمنطقة الصناعية الجديدة في 6 أكتوبر، تمهيدا لتزويد المصانع المتوقع إقامتها هناك باحتياجاتها من الطاقة. وعلى صعيد الكهرباء، شهدت شركة كهربا ارتفاع معدلات التوزيع بنسبة سنوية بلغت 40% خلال النصف الأول من 2026.

بالنسبة لمستثمري القطاع الصناعي، تشكل الطاقة ركيزة أساسية في دراسة الجدوى الاستثمارية، تماما كالأراضي والمعدات والتمويل. ويتجلى ذلك في مشروعي المنطقة الاقتصادية لقناة السويس اللذين وافقت عليهما المجموعة الوزارية للتنمية الصناعية في يناير؛ حيث أحيلت مخصصات الغاز والكهرباء الخاصة بهما إلى المجلس الأعلى للطاقة للموافقة عليها، وفقا لوزارة الصناعة. إن تحديد مصادر الطاقة وتكاليفها خطوة رئيسية في التخطيط للمشروعات قبل إنشائها.

ترتكز رؤيتنا على الاستثمار بما يتجاوز رأس المال لتعزيز المرونة التشغيلية على المدى البعيد. وبصفتنا مستثمرا نشطا، نعمل جنبا إلى جنب مع شركاتنا التابعة لتطوير القدرات التشغيلية ومنصات البنية التحتية التي تحتاجها كل شركة لتحقيق النمو.

تؤتي هذه الجهود ثمارها في القرارات اليومية: سواء عند إبرام عقد تصدير طويل الأجل، أو إضافة خط إنتاج جديد، أو اختيار موقع للمصانع بسبب توفر توصيلات الغاز والكهرباء. إن رأس المال كفيل بإنشاء المصانع، لكن البنية التحتية المرنة هي ما يتيح للمستثمرين وضع خطط مستقبلية للتوسع.

جون روك، العضو المنتدب، ڤالمور القابضة

7

الصورة الكلية

فاتورتك لا تدفع وحدها التكلفة الحقيقية لإمدادات الكهرباء في مصر.. فالخزانة العامة والاحتياطيات الدولارية لها نصيب منها أيضا

لا يلاحظ معظمنا أهمية الكهرباء إلا عند انقطاعها؛ ففجأة يصمت مكيف الهواء، ويتوقف أزيز الثلاجة، ويسارع أحدهم إلى الشرفة ليتأكد مما إذا كان الظلام قد خيم على الشارع بأسره. غير أن استمرار هذه الأصوات المألوفة أصبح مهمة باهظة التكلفة، فخلف كل مفتاح كهرباء، هناك دولة تضطر لشراء المزيد من احتياجاتها من الغاز من الخارج، وتكافح لتدبير الدولارات لسداد ثمنه، بل وتطلب من الموردين أحيانا إمهالها بعض الوقت للسداد.

وما فاتورتك سوى جزء يسير من التكلفة الإجمالية. فقد ارتفعت تعريفة الاستهلاك المنزلي للكهرباء بمتوسط 12% في بداية أغسطس، مع الإبقاء على تعريفة شريحة الاستهلاك الأدنى دون تغيير. لكن هذه الزيادة لا تعكس سوى جانب بسيط من حجم الضغوط؛ إذ أنفقت البلاد 6.04 مليار دولار على واردات الغاز الطبيعي خلال النصف الأول من عام 2026، بزيادة قدرها 73% مقارنة بنحو 3.5 مليار دولار في الفترة ذاتها من العام السابق، وفقا لنشرة الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء التي اطلعت عليها جريدة الشروق.

بهذا أصبحت أزمة نقص الغاز في مصر فاتورة يتكبدها الاقتصاد بأسره. وتتجلى تكلفة تلك الفاتورة في الطلب على الدولار، وحجم الدعم الحكومي لقطاع الطاقة، والأسعار التي تتحملها الأسر والشركات، ليصير السؤال الأبرز هنا عن الأطراف التي يمكنها تحمل تبعات تلك التكلفة في نظر الحكومة.

السياق: قفزت فاتورة استيراد الغاز في مصر من نحو 560 مليون دولار في فبراير إلى 1.65 مليار دولار في مارس، بعد أن أدى الصراع الإقليمي إلى اضطرابات في إمدادات الغاز، ودفع مصر نحو السوق العالمية للغاز الطبيعي المسال، والتي تشهد في الوقت الحالي شحا في العرض. وصرح وزير البترول كريم بدوي في أغسطس بأن تكلفة شحنة الغاز الطبيعي المسال بلغت نحو 80 مليون دولار بعد الحرب، أي حوالي ضعف تكلفتها البالغة 40 مليون دولار قبل اندلاعها تقريبا. لذا خصصت الدولة 10.7 مليار دولار لواردات الغاز في موازنة العام المالي 2026-2027، بزيادة قدرها 26% على أساس سنوي.

كما ارتفعت تكاليف استهلاك الوقود إلى نحو 6.7 مليار دولار خلال فصل الصيف، وفقا لثلاثة مصادر حكومية، وتوقعت المصادر أيضا أن تتجاوز الفاتورة الإجمالية لاستيراد المنتجات البترولية في البلاد 20.5 مليار دولار هذا العام، شاملة الغاز الطبيعي والمازوت. وتبرز هذه الأرقام حجم الضغوط على عاتق الدولة لتأمين إمدادات الطاقة هذا العام، الذي بلغت فيه معدلات استهلاك الكهرباء مستويات غير مسبوقة.

ضغوط الدولار

تفاقم فاتورة الطاقة من أعباء الأوضاع المالية الخارجية، التي ترزح بالفعل تحت ضغوط متزايدة. فقد اتسع صافي عجز الميزان التجاري للنفط والغاز في مصر من 7.6 مليار دولار في العام المالي 2023-2024 إلى 13.9 مليار دولار في العام المالي 2024-2025، ثم وصل إلى مستوى يُقدر بنحو 20.1 مليار دولار في العام المالي 2025-2026، وفقا لتقرير صادر عن صندوق النقد الدولي (بي دي إف). تغطي هذه الأرقام الميزان التجاري للنفط والغاز بالكامل، وليس الغاز الطبيعي المسال فحسب، غير أنها تظهر مدى تفاقم العجز الدولاري المرتبط بقطاع الطاقة في مصر.

لذلك طلبت مصر السداد لاحقا، إلا أنها تدفع ثمن هذا التأجيل؛ ففي خلال الأيام الأولى من استيراد الغاز الطبيعي المسال، سعت الحكومة إلى توزيع التكلفة على فترة زمنية أطول، فطلبت مهلة سداد تصل إلى 6 أشهر للشحنات، وامتدت بعض فترات السداد لتصل إلى عام كامل، حسبما صرح مشاركون في السوق لستاندرد أند بورز جلوبال آنذاك. وقدرت الوكالة أن فترات السداد الأطول هذه رفعت سعر الشحنات بمقدار 0.50 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية. بهذا يساعد تأجيل السداد في تخفيف الصدمة الفورية التي تتلقاها احتياطيات النقد الأجنبي، لكنه يجعل الدولة تتحمل هذه العلاوة الإضافية لفترة طويلة بعد استهلاك الشحنة ذاتها.

ولا يمثل سعر الشحنة سوى التكلفة الأولية، إذ توضح لوري هايتايان، مديرة منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد حوكمة الموارد الطبيعية، أن تكاليف الشحن، ورسوم العبور في قناة السويس، وإعادة التغويز، والتمويل، كل تلك العوامل تزيد من إجمالي الفاتورة، مما يجعل توفر العملة الأجنبية أمرا محوريا لضمان استمرار تدفق الغاز وإمدادات الكهرباء. وبالتالي، تصبح معادلة أمن الطاقة معتمدة كذلك على سيولة النقد الأجنبي، والاحتياطيات، والمستحقات المتأخرة للموردين، والميزان التجاري العام للنفط والغاز.

أعباء تتحملها الخزانة العامة في صمت

وتظهر المشكلة ذاتها على المستوى المحلي؛ ففي مايو، سددت وزارة المالية 166 مليار جنيه من مستحقات دعم الوقود والكهرباء المتأخرة لصالح الهيئة المصرية العامة للبترول، إلى جانب 13.6 مليار جنيه مستحقة على وزارتي الكهرباء والموارد المائية. فهذه المستحقات المتأخرة كانت تقيد قدرة الهيئة المصرية العامة للبترول على سداد مستحقات شركائها الأجانب، مما يبرز كيف تنعكس أزمات السداد بمنظومة الطاقة المحلية سلبا على الاستثمارات والإمدادات في المستقبل.

كما أن هناك فجوة بين ما يدفعه المستهلك وبين التكلفة الحقيقية للكهرباء، والخزانة العامة تتدخل بشكل متزايد لسد هذه الفجوة مباشرة. فقد ارتفعت مخصصات دعم الكهرباء من 2.5 مليار جنيه في العام المالي 2024-2025 إلى 75 مليار جنيه في العام المالي 2025-2026، ثم إلى 104.2 مليار جنيه في العام المالي 2026-2027. ومع أن هذه الأرقام تمثل مخصصات في الموازنة وليست هي النفقات الفعلية النهائية، إلا أن الاتجاه يبدو واضحا وضوح الشمس: فمع الارتفاع السريع لتكلفة الكهرباء مقارنة بما يدفعه المستهلكون، تحملت الدولة الجانب الأكبر من هذا الفارق.

من يدفع الفاتورة في النهاية؟

لا تزال الفاتورة في ارتفاع مستمر: يقول جيه بي لاكوتور، المحلل لدى كبلر، إنه "في وقت لاحق من هذا العام، ربما تصبح الحسبة الاقتصادية أكثر صعوبة مع تزايد حاجة مصر للتعامل بالأسعار الفورية للغاز، مما قد يجبرها على تقليص الواردات". وهذا يضع الدولة أمام تحد أصعب من تحدي الصيف المنقضي، يتعلق بتكلفة الحصول على إمدادات موثوقة ومستقرة من الكهرباء في ظل الحاجة إلى استيراد الغاز، وحصة الدولة من تلك الفاتورة مقابل الحصة التي ستمررها إلى المستهلكين.

البديل أكثر وطأة على الجيوب: توضح لوري أن "الغاز الطبيعي المسال مكلف، لكن البديل هو نقص الغاز والكهرباء، والذي قد يكلف الاقتصاد فاتورة أكبر". وأضافت في هذا الصدد: "أعتقد أن الحكومة تدرك التكلفة وأزمة الاعتماد على الاستيراد، لكن الأهم حاليا هو الحفاظ على استقرار المنظومة. فإذا كانت واردات الغاز الطبيعي المسال تحول دون انقطاع الكهرباء، فإنها بذلك تحمي الإنتاج الصناعي، والعمالة، والصادرات، والسياحة، وغيرها. وعليه، يمكن تبرير المشتريات الطارئة من الغاز الطبيعي المسال عندما يكون البديل هو ترشيد استهلاك الكهرباء أو التسبب في اضطرابات كبيرة في القطاعات الإنتاجية".

وحتى بعد زيادة أسعار الكهرباء، ما زال المستهلك لا يدفع التكلفة الحقيقية لإنتاجها. فصحيح أن المنازل تتحمل جزءا كبيرا من التكلفة، لكنها لا تسددها بالكامل. وحتى بعد الزيادة الأخيرة، قدرت الحكومة الفجوة السنوية بين تكاليف التوليد والتعرفة المنزلية لاستهلاك الكهرباء بنحو 100 مليار جنيه، أي أن تلك الزيادة ساهمت في جني المزيد من الإيرادات لكنها لم تلغ الدعم الحكومي.

في المقابل، يتحمل القطاع الصناعي نصيبا أكبر. فقد درست الحكومة تطبيق آليات أكثر مرونة لتسعير الغاز في القطاعات المختلفة، بما في ذلك ربط تكاليف الغاز لمنتجي الأسمدة بأسعار الأسمدة العالمية بدرجة أكبر، قبل أن تقر زيادة ثابتة قدرها دولاران لكل مليون وحدة حرارية بريطانية في مايو لعدد من الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مستثنية بذلك العملاء الذين تتضمن عقودهم آليات تسعير محددة بالفعل. ويؤدي ذلك إلى تقليص تكلفة استيراد الطاقة التي تتحملها الدولة، ليتوجه الضغط بدلا من ذلك إلى هوامش أرباح المصنعين ويؤثر على قدرتهم على المنافسة.

وتأثير ذلك عليك لا ينحصر في فاتورة الكهرباء. فتثبيت أسعار استهلاك الكهرباء في المنازل لا يعني بالضرورة حماية ميزانيات الأسر في مصر. إذ ارتفعت أسعار الكهرباء الخاصة بخدمات الري وتوزيع المياه والقطاعات التجارية والخدمية بنسبة 31.4% في مايو. وتشير لوري إلى أن "ارتفاع أسعار الطاقة لا يؤثر فقط على فواتير الكهرباء المنزلية، بل يمتد تأثيره إلى الغذاء، والنقل، والمياه، والصناعة، والخدمات. لذا يتعين على صناع السياسات أن يوازنوا بين مراعاة قدرة المستهلكين على تحمل التكاليف، وبين حرصهم على استقرار المنظومة واستدامتها من الناحية المالية".

8

بنية تحتية

لهذا السبب قد تنقطع الكهرباء عن غرفة معيشتك عند نقص الغاز

حين تنقطع الكهرباء يفكر جميعنا في التفسير المعتاد: لا يوجد ما يكفي من الغاز. بالتأكيد سمعت هذا التبرير مرارا وتكرارا لدرجة أن العلاقة بين الأمرين لم تعد بحاجة إلى شرح. لكن خلال انتظارك عودة الكهرباء لشحن هاتفك وإعادة تشغيل مكيف الهواء، ربما تكون قد سألت نفسك: كيف أصبح الغاز هو الوقود الذي يعتمد عليه الجزء الأكبر من شبكة الكهرباء في البلاد، ولماذا لا يمكننا ببساطة حرق نوع آخر من الوقود؟

تتبع مسار الكهرباء عبر الكابلات لتصل إلى ذلك القرار الذي اتخذته مصر قبل عقود: أن تبني شبكة الكهرباء اعتمادا على الوقود القابع تحت أراضيها وقاع بحارها. وبدت هذه فكرة منطقية إلى أن كشف تراجع الإمدادات عن مدى سهولة انقطاع الكهرباء عن المنازل بسبب أي أزمة في حقول الغاز.

يعود ذلك إلى أن محطات الكهرباء أصول باهظة التكلفة لا ينبغي تركها متعطشة للوقود. فرغم امتلاك مصر قدرات توليد مركبة تبلغ نحو 59.7 جيجاوات في يونيو 2024، ظلت الأسر ترتب أيامها حينها وفقا لجداول انقطاع التيار الكهربائي. وفي ذلك الشهر، قدرت الحكومة تكلفة واردات الغاز والمازوت اللازمة للتوقف عن تخفيف الأحمال بنحو 1.18 مليار دولار. وأكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي امتلاك مصر ما يكفي من قدرات التوليد ومرافق البنية التحتية بالشبكة، إلا أنها تفتقر للوقود اللازم لتلبية الطلب.

يأتي أربعة أخماس الوقود الذي تحتاجه إمدادات الكهرباء من نوع واحد فقط. إذ أسهم الغاز الطبيعي بنسبة 79.1% من الوقود الذي استهلكته محطات الكهرباء المشمولة في تقرير الشركة القابضة لكهرباء مصر للعام المالي 2024-2025، عند قياس الكميات بوحدة الطن من الوقود المعادل، ويمثل هذا انخفاضا عن نسبة الغاز الطبيعي في العام المالي 2023-2024.

السياق: شكل الاستهلاك المنزلي 38.9% من الكهرباء المستهلكة في شهر مايو، تلاه القطاع الصناعي بنسبة 27.3%، وفقا لنشرة الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء (بي دي إف). ويستحوذ القطاعان معا على حوالي ثلثي استهلاك الكهرباء، ما يضع المنازل والمصانع في صدارة احتياجات البلاد من الطاقة.

كيف هيمن الغاز على المشهد؟

حدث ذلك قبل اكتشاف حقل ظهر بسنوات طويلة؛ فاكتشافات التسعينيات وأوائل القرن الحالي شجعت الحكومة على التوسع في استخدام الغاز المحلي، إلى جانب تطوير خطوط الأنابيب والعمل على تصدير الغاز الطبيعي المسال، وفقا للبنك الدولي. وبحلول عام 2014، كان توليد الكهرباء يستحوذ على نسبة 57% من استهلاك الغاز المحلي، بينما كان الغاز يمثل نحو ثلاثة أرباع احتياطيات مصر البترولية المؤكدة عند قياس الكميات بوحدة الوقود المعادل. واتجاه الدولة إلى بناء منظومة الطاقة اعتمادا على الغاز المحلي وفر لها وسيلة لتحويل هذا المورد إلى كهرباء، وتقليل الاعتماد على الوقود المستورد.

السر يكمن في حرق الغاز ذاته مرتين؛ فقد شكلت محطات الدورة المركبة نحو 53% من قدرات التوليد المركبة في البلاد بنهاية يونيو 2025، لكنها وفرت قرابة 67% من الكهرباء خلال العام المالي، وفقا للشركة القابضة لكهرباء مصر. تحرق هذه المحطات الغاز لتشغيل توربين، ثم تستخدم حرارة العوادم الناتجة لإنتاج البخار وتشغيل توربين آخر، لتولد بذلك كهرباء إضافية من حرارة كانت ستُهدر لولا ذلك.

ومن المرجح أن الكهرباء التي تستهلكها اليوم وفرتها لك واحدة من المحطات الثلاث التي طورتها شركة سيمنز وشركاؤها عام 2018، وهي محطات بني سويف والبرلس والعاصمة الإدارية الجديدة، التي يبلغ إجمالي قدراتها 14.4 جيجاوات، وتصل نسبة كفاءتها إلى أكثر من 60%. هذه الكفاءة في التوليد تعني الحاجة إلى كميات أقل من الوقود لكل وحدة من الكهرباء، وهو استثمار مفيد في بلد مثل مصر، يكافح بالفعل لضمان إمداد محطات الكهرباء بالوقود. وهذه المحطات الثلاث وحدها وفرت نحو ثلث احتياجات مصر من الكهرباء في العام المالي 2024-2025.

التوقيت مهم: وُقعت الاتفاقية الرئيسية مع سيمنز في يونيو 2015، أي قبل قرابة ثلاثة أشهر من إعلان شركة إيني عن اكتشاف حقل ظهر. وبدأ الحقل إنتاجه في ديسمبر 2017، قبل فترة وجيزة من اكتمال المحطات الثلاث. بهذا غذى حقل ظهر تلك المنظومة المتنامية، لكنه لم يكن السبب وراء اتخاذ قرار بناء تلك المحطات.

وتتغذى هذه المحطات الآن على الواردات. فيقول جيه بي لاكوتور، المحلل لدى كبلر، في تعليقاته لنشرة إنتربرايز: "رغم أن مصر ستضطر بذلك على الأرجح إلى شراء المزيد من الغاز الطبيعي المسال خلال الصيف مقارنة بالشتاء ومواسم اعتدال الطلب، فإنها ستستمر في استخدام الغاز الطبيعي المسال لتوليد الأحمال الأساسية في المستقبل المنظور"، موضحا أن استخدام الغاز الطبيعي المسال في قطاع الكهرباء يتيح لمصر الاعتماد بشكل أكبر على توربينات الغاز ذات الدورة المركبة الأحدث والأكثر كفاءة، بدلا من استخدام المازوت والسولار في المحطات الأقل كفاءة. ولهذا فربما يكون مصدر الوقود نفسه قد تغير، لكن المعدات القائمة عليه ما زالت هي نفسها.

للكهرباء الرخيصة ثمن كذلك

لم تكن الكهرباء التي تستهلكها في الماضي رخيصة أبدا. إذ تشير الوكالة الدولية للطاقة المتجددة إلى أن مصر استخدمت دعم الطاقة لعقود كشكل من أشكال الحماية الاجتماعية وتقاسم الثروة. لكن هذه الأسعار شجعت أيضا على الاستهلاك وزادت من العبء المالي؛ فالكهرباء الرخيصة بالنسبة للمستهلك لم تكن رخيصة بالنسبة للدولة. وتوثق الشركة القابضة لكهرباء مصر التأجيلات المتكررة للزيادات المقررة في تعريفة الكهرباء بهدف تخفيف العبء الاقتصادي عن كاهل المواطنين.

وقد كانت هناك مؤشرات واضحة قبل أزمات نقص الطاقة الأخيرة؛ فيحدد تقرير الوكالة نقص الوقود كأحد أسباب انقطاع التيار الكهربائي في عام 2014، إلى جانب قيود البنية التحتية والطلب المتزايد. وشملت استجابة الحكومة وقتها استئجار محطات عائمة لاستيراد الغاز الطبيعي المسال، فضلا عن إضافة قدرات توليد جديدة. ثم تراجع إنتاج مصر من الغاز من ذروته في عام 2021، مما أدى لزيادة الاعتماد على الواردات.

لكن الغاز قبل أن يصل إلى مقابس الكهرباء في منزلك يعبر المحيط في صورة سائلة. والاعتماد على الاستيراد له سلسلة توريد مادية وأخرى مالية. إذ يجب أن تنتقل شحنة الغاز من الناقلة إلى محطة التغويز، ثم إلى شبكة الغاز، لتصل أخيرا لمحطة الكهرباء، وتوفر محطات التغويز العائمة الأربع في مصر حلقة الوصل بين الغاز الطبيعي المسال المستورد ومنظومة الكهرباء المحلية. أما على الصعيد المالي، فأرجعت الشركة القابضة لكهرباء مصر ارتفاع نسبة المطلوبات إلى حقوق الملكية في العام المالي 2024-2025 إلى تزايد التزاماتها، لا سيما المبالغ المستحقة لموردي المواد البترولية.

لماذا لا نحرق المازوت فحسب؟

مصر تقوم بذلك بالفعل: استهلكت محطات الكهرباء في مصر 7.49 مليون طن من المازوت في العام المالي 2024-2025، بزيادة تقارب 30% على أساس سنوي، مقارنة بنحو 5.74 مليون طن في العالم السابق له. كما قفز استهلاك السولار بنحو 152% ليصل إلى 253 ألف طن. هذا يعني أن الشبكة باتت تحرق كميات أكبر بكثير من المازوت، لكن يظل الغاز هو الوقود المهيمن.

هذا التحول كان خطوة متعمدة لجني أرباح التصدير؛ ففي عام 2022، زادت الحكومة من استخدام المازوت لتوفير المزيد من الغاز للتصدير، في الوقت الذي كانت تسعى فيه أوروبا لإيجاد بدائل للإمدادات الروسية. ورجحت الكفة الاقتصادية خيار حرق المازوت الأرخص محليا وبيع الغاز في الخارج، مما ساعد في جني العملة الصعبة الشحيحة. وبالتالي، يعد المازوت أكثر من مجرد خيار احتياطي لحالات الطوارئ، كما أن الغاز ليس دائما الخيار الأرخص.

💡 تشبه التوربينات السيارة أكثر مما تشبه الموقد؛ فهي تعمل بالوقود الذي صُممت لاستخدامه. وأنواع الوقود لا يمكن التبديل فيما بينها بسهولة؛ فالمازوت والسولار والنفط الخام كلها لها خصائص مختلفة، وقدرة أي محطة على حرق أحدها لا تعني بالضرورة قدرتها على حرق الأنواع الأخرى.

ويُعد النفط الخام الأقل فائدة من بين الأنواع الثلاثة. فبالنسبة للمحطات التي تستخدم المنتجات البترولية المكررة، يجب أولا تحويل أي كميات إضافية من النفط الخام إلى الوقود المناسب، ثم نقلها إلى محطة مجهزة لحرقها. ولا تمتلك مصر احتياطيات غير محدودة من النفط على أي حال؛ إذ تحولت إلى مستورد للنفط الخام في عام 2020. فإن الاستعاضة عن نقص الغاز بزيادة استهلاك السولار أو المازوت لا تلغي الحاجة إلى الاستيراد، بل تغير متطلباته فقط.

كيف يؤثر عجز الوقود على الكهرباء في منزلك

لا تمتلك شبكة الكهرباء مستودعات للتخزين. فالكهرباء التي تستهلكها يجب أن تُولد في اللحظة ذاتها. ويتحول نقص الوقود إلى نقص في الكهرباء عندما تعجز الشبكة عن سد هذه الفجوة. إذ يجب أن تواكب إمدادات الكهرباء الطلب للحفاظ على استقرار الشبكة. وإذا كان نقص الوقود يعني تراجع قدرات التوليد، وعجزت الإمدادات البديلة عن تعويض هذا النقص، فيجب أن ينخفض الطلب، سواء طواعية أو عبر قطع التيار الكهربائي. ولا يمكن لمعدات التوليد الاحتياطية أن تعالج هذا النقص دون وجود وقود لتشغيلها.

كما أن القدرات الاحتياطية نفسها أقل بكثير مما تبدو عليه. إذ أفادت الشركة القابضة لكهرباء مصر بأن إجمالي القدرات المركبة بلغ 60.8 جيجاوات في العام المالي 2024-2025، بينما بلغت ذروة الأحمال 38 جيجاوات. وصحيح أن إجمالي القدرات المركبة يقيس إجمالي ناتج محطات التوليد، لكن ما يمكن توليده فعليا يعتمد على إمدادات الوقود ومدى جاهزية المعدات. وفي أغسطس الماضي، تجاوزت ذروة الأحمال 40 جيجاوات، محققة زيادة بلغت نحو 2 جيجاوات عن ذروة العام المالي 2024-2025.

لكل هذا فإن الخطوة التالية تتمثل في خفض احتياجات الغاز اللازمة لتوفير نفس القدر من إمدادات الكهرباء. ويهدف برنامج مصري جديد مدعوم من البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية إلى الاستغناء عن 5 جيجاوات من قدرات التوليد غير الفعالة العاملة بالوقود الأحفوري، ودعم تركيب 10 جيجاوات من قدرات الطاقة المتجددة بحلول عام 2028، إلى جانب الاستثمار في الشبكة القومية. ويعالج هذا النهج مشكلة استهلاك الوقود ويرفع حجم قدرات التوليد في آن واحد. ويمكن لمزيد من مشروعات طاقة الرياح والطاقة الشمسية أن تقلص من كميات الغاز التي تحتاج الدولة إلى شرائها وحرقها، بينما تساهم عمليات تحديث الشبكة ومرونتها في استيعاب إنتاج تلك المشروعات.

تُقاس كفاءة أي منظومة للكهرباء بأدائها تحت أسوأ الظروف، وليس أفضلها. والخلاصة هي أن رهان مصر على الغاز وفر لها قدرات توليد ضخمة وعالية الكفاءة. إلا أن نقطة ضعف هذا الرهان تكمن في الالتزام المستمر بتوفير الوقود اللازم لتشغيل المنظومة. فالمقياس الحقيقي لأمن منظومة الطاقة يكمن في كمية إمدادات الكهرباء المستقرة والموثوقة التي يمكنها توفيرها عندما يتراجع الإنتاج المحلي للوقود، أو تنغلق مسارات الاستيراد، أو تقفز فاتورة واردات الطاقة.

الآن تستمع
الآن تستمع
00:00
00:00