Posted inالخبر الأبرز هذا الصباح

كيف تعيد موجة المستثمرين الأفراد تشكيل البورصة المصرية؟

يقود المستثمرون الأفراد تسعير الأسهم في البورصة المصرية، ويتضح ذلك جليا في القفزات السعرية القوية التي شهدتها عدة أسهم في قطاع الأدوية خلال الصيف دون وجود أي مبررات أو أحداث جوهرية تفسر هذا الصعود، (بل إن بعض الشركات أرسلت إفصاحات رسمية تؤكد عدم وجود تطورات تقف وراء تلك التحركات)، ورغم ذلك استمرت عمليات الشراء. حتى أن أحد المستثمرين الذين شاركوا في موجة صعود سهم جلاكسو سميثكلاين، قال لإنتربرايز إنه كان على دراية بتلك الإفصاحات عند الشراء، لكن غرضه لم يكن الاستثمار في الشركة ذاتها، بل التداول بناء على تدفقات السيولة والزخم، وبحجم استثمار أكد أنه كان مستعدا لخسارته.

وحتى غياب الإفصاحات لا يحرك الأسعار كثيرا على ما يبدو. فقد غرمت لجنة القيد بالبورصة المصرية 35 شركة مقيدة هذا الشهر بسبب تأخرها عن المواعيد النهائية لتقديم نتائجها المالية عن النصف الأول من عام 2026، مع فرض الحد الأقصى للغرامة البالغ 40 ألف جنيه على المخالفين المتكررين، إلا أن أسهم تلك الشركات لم تتأثر تقريبا. فعلى سبيل المثال، ارتفع سهم شركة أوراسكوم للاستثمار القابضة، التي غُرمت لتأخرها في تقديم نتائج الربعين الأول والثاني، بنسبة 2.4% في يوم توقيع الغرامة عليها ليغلق عند 2.13 جنيه، قبل أن تعلن عن نتائج الربع الأول أواخر الأسبوع الماضي. كما تراجع سهم رمكو لإنشاء القرى السياحية، التي لم تقدم نتائج أعمال كاملة منذ الربع الأول من عام 2025، بنسبة هامشية بلغت 0.5%. وجاء ذلك في أعقاب فرض غرامات بنحو 1.04 مليون جنيه على نحو 50 شركة الشهر الماضي، العديد منها من المخالفين المتكررين الذين لم ينشروا نتائجهم المالية حتى الآن.

ودفع هذا المشهد إدارة البورصة إلى حث المستثمرين على فهم طبيعة الشركات قبل شراء أسهمها، إذ أوضحت عبر منصة لينكد إن أمس إن حركة السهم لا تعكس بالضرورة كل معلومة عن الشركة، داعية المستثمرين إلى فهم طريقة عمل الشركة وكيفية تحقيقها للأرباح قبل تقييم السهم، "لأن كل نشاط له طريقة مختلفة في تحقيق الإيرادات ومواجهة التحديات". ويبدو هذا التصريح بمثابة اعتراف ضمني من البورصة بإدراكها حجم التداولات التي تعتمد على تحركات الأسعار وحدها في السوق.

بالأرقام: استأثر المستثمرون الأفراد بنسبة 72.7% من إجمالي التداولات على الأسهم المقيدة خلال النصف الأول من عام 2026، إذ نفذوا عمليات بيع وشراء بنحو 1.4 تريليون جنيه مقابل 519.4 مليار جنيه للمؤسسات، وفقا لحساباتنا المستندة إلى البيانات ربع السنوية للبورصة (باستثناء الصفقات ذات الحجم الكبير، ولجميع الجنسيات). وارتفعت حصة الأفراد في كل فترة خلال العام الجاري لتسجل 68.9% في الربع الأول، و75.4% في الربع الثاني، و80.5% في أغسطس. كما نما إجمالي نشاط الأفراد بنسبة 57.6% بين الربعين الأول والثاني، في حين نما نشاط المؤسسات بنسبة 13.4% فقط.

ورغم هذه التداولات المليارية الضخمة، لم يتجاوز صافي شراء الأفراد 3.74 مليار جنيه طوال النصف الأول، أي ما يقل بنحو 370 مرة عن إجمالي قيمة تداولاتهم. وبعبارة أبسط، من بين كل 370 جنيها تداولها الأفراد، استقر جنيه واحد فقط في السوق. فقد ألغت عمليات البيع والشراء بعضها بعضا بالكامل تقريبا، مما لم يترك سوى سيولة ضئيلة للغاية مقارنة بحجم التداولات الضخم خلال تلك الأشهر الستة.

ويثير هذا تساؤلا بديهيا: إذا لم يكن المستثمرون الأفراد يقيّمون الأسهم بناء على الإفصاحات المالية، فعلام يستندون؟ ولماذا لا تزال سوق بهذا الحجم خاضعة يوميا لسيطرة الأفراد الذين يتداولون لحساباتهم الخاصة؟ وما الذي قد يغير هذا الوضع؟

تفضيل الشاشة على القوائم المالية

يبدأ الأمر بالهدف من التداول، لأنه الوحيد الذي يغير قواعد اللعبة. يضع أحد المستثمرين الأفراد الذين تحدثوا لإنتربرايز فاصلا حاسما بين بناء مركز مالي بغرض الاستثمار وبين بنائه بغرض المضاربة، مؤكدا أنه لا يمكن تطبيق معيار واحد على كليهما. فبالنسبة للاستثمار طويل الأجل، يتمثل المعيار في تكلفة الفرصة البديلة التي يقيس عليها الجميع في مصر، أي أسعار الفائدة المصرفية. فإذا حقق المستثمر عائدا صافيا يتراوح بين 1.8% و2% شهريا، يعد هذا مرضيا. أما في المضاربة، فيعتمد التخارج على حركة السعر اليومية ومدى تقلب السهم في الأساس.

وهذا التمييز هو ما يحدد ما إذا كان الإفصاح مهما أم لا. فعند اتخاذ قرار الشراء، لا يكون الإفصاح هو المحرك الرئيسي. فمن أجل بناء مركز مالي مستقر، يعتمد هذا المستثمر على الميزانية العمومية والتحليل الفني للرسم البياني لحركة تداول السهم. ولا تدخل الإفصاحات في المعادلة إلا عند ترقب حدث محدد (مثل زيادة رأس المال أو عرض استحواذ)، إذ يصبح التأخير في الإفصاح هو الخطر بحد ذاته.

عقلية المضارب

بالنسبة للمضارب قصير الأجل، تمثل الأساسيات المالية القوية عامل طمأنة أكثر من كونها دافعا للشراء، في حين تشكل حركة السعر العامل الحاسم في القرار، بحسب المستثمر الذي تحدث لإنتربرايز. وأضاف قائلا: "الشاشة، أو سعر السهم، هي التي تتحدث"، مشيرا إلى أن هناك العديد من الشركات التي تصدر قوائم مالية قوية وتتمتع بحوكمة سليمة، ورغم ذلك يظل سهمها راكدا. والمضارب — على عكس المستثمر طويل الأجل أو المؤسسات — لن يحتفظ بسهم راكد حتى يُعترف بأساسياته القوية، مضيفا أن "الأفراد يتحركون بناء على المؤشرات الفنية".

ولهذا السبب يمكن للمحفظة الاستثمارية نفسها أن تعمل وفق منطقين مختلفين في الوقت ذاته، فهو يتعامل مع أسهمه في القطاع الصناعي كأصل يمتلكه، تماما كما يمتلك مبنى أو أرضا زراعية، ويقيمه بناء على المؤشرات المالية والفنية معا. أما سهم جلاكسو سميثكلاين، فكان يمثل الجانب المضاربي لديه، وخصه بمبلغ كان مستعدا لخسارته. وكان يراقب تدفق السيولة لا الأرباح، وكانت خطته تتمثل في التخارج قبل أن ينعكس اتجاه السيولة.

عقلية المستثمر

على الجانب الآخر، لا تعد شاشة التداول محط أنظار جميع المتداولين: يقول أحد المستثمرين الأفراد الذي يشتري مرة واحدة شهريا ونادرا ما يبيع، إنه يتجاهل حركة السعر عمدا، لأنها تعكس العرض والطلب على السهم وليس أي شيء يخص أعمال الشركة. ويضيف: "أنظر إلى الشركة ذاتها، وما تفعله، وتقارير أرباحها، وبناء على ذلك أصدر حكمي". وقد اشترى هذا المستثمر خلال فترتين من التراجع، وعزز مراكزه القائمة في المرتين. وإذا تضاعف هذا التوجه عبر قاعدة عريضة من المستثمرين، فإن غريزة شراء الانخفاضات بدلا من الهروب منها تعد السلوك الذي يمكن أن يحمي السوق في فترات التراجع، من خلال توفير الطلب عندما يندفع الآخرون نحو التخارج.

ويرى هذا المستثمر أن الإفصاح المالي يمثل شرطا أساسيا لملكيته للأسهم، فإذا توقفت شركة يمتلك أسهما بها عن نشر أرباحها بينما استمر سعر سهمها في الارتفاع، يقول: "سأبيع السهم، لأنني حينها أكون مجرد مراهن على حركة السعر، ولا أنظر فعليا إلى أداء الشركة".

ومع ذلك، فإن مستثمرة ثالثة، بدأت التداول فقط في وقت سابق من هذا العام، قد لا تصل إلى هذا الحد. فقد قالت لإنتربرايز إنها قد لا تلاحظ أصلا ما إذا كانت الشركة التي تمتلك أسهما بها قد توقفت عن تقديم إفصاحاتها، وإذا اكتشفت ذلك فسيكون عبر الشائعات المتداولة بين الناس.

الطفرة الرقمية في تداولات الأفراد

أرقام معبرة: يمثل تطبيق ثاندر، تطبيق تداول الأسهم المخصص للمستثمرين الأفراد، أصدق دراسة حالة لكيفية تغير قاعدة مستثمري البورصة المصرية، فقد تجاوزت قيمة التداولات المنفذة عبر التطبيق تريليون جنيه منذ انطلاقه في عام 2020 (نُفذ نصفها في الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026 وحده)، ويستحوذ التطبيق على نحو 40% من حجم تداولات الأفراد في البورصة. لكن اللافت هنا هو هوية هؤلاء المستثمرين: فنحو 80% منهم يستثمرون في سوق المال للمرة الأولى، ويبلغ متوسط عمر المستخدم نحو 30 عاما، ونحو 40% منهم يقيمون خارج القاهرة والإسكندرية. هذه التركيبة الديموغرافية بالكاد كان لها وجود في البورصة قبل خمس سنوات.

وغالبية هؤلاء المستخدمين لا يتسمرون أمام شاشة التداول. فنحو 20% فقط منهم متداولون نشطون، بينما البقية يمثلون المستثمرين طويلي الأجل الذين تطلق عليهم الشركة اسم "المستثمري أسلوب الحياة"، وهم أشخاص يخصصون جزءا ثابتا من رواتبهم شهريا للاستثمار في صناديق الأسهم وأسواق النقد والمعادن النفيسة، بغض النظر عن اتجاه السوق، بحسب ما ذكره أحمد حمودة، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة ثاندر، في تصريحات سابقة. وينعكس ذلك على الأموال المودعة أيضا: فمن بين أكثر من 50 مليار جنيه (نحو مليار دولار) مودعة في التطبيق، وموزعة على نحو مليون مستخدم مولوا حساباتهم بالفعل من أصل 5 ملايين مستخدم حملوا التطبيق، يوجد أكثر من 45 مليار جنيه مستثمرة في الصناديق بدلا من الأسهم الفردية، ويستثمر عبرها أكثر من 800 ألف مستخدم.

تصدرت صناديق الأسهم القطاعية المشهد هذا العام. فعلى مدار الـ 12 شهرا المنتهية في سبتمبر، حققت صناديق تابعة لشركة بلتون عوائد قوية، إذ سجل صندوق بلتون العقاري 96%، وصندوقها المالي 73%، والصناعي 77%. كما سجل صندوق القطاع المالي والتكنولوجيا المالية التابع لـ "سي آي كابيتال" عائدا بنسبة 75%، وصندوق الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات 50%، وصندوق شركات التصدير التابع للشركة 50%. وتفوقت جميع هذه الصناديق بهامش كبير على صناديق المعادن النفيسة مثل صندوق بلتون سبائك (25%)، وصناديق الدخل الثابت مثل بريق (22%) وبي سيكيور (18.8%)، وفقا لبيانات الصناديق على تطبيق ثاندر. وبالنسبة للمستثمرين الأفراد الوافدين إلى السوق، فإن الاستثمار في هذه القطاعات لا يؤتي ثماره إلا إذا تمكنوا من تقييمها بشكل صحيح: فتحديد ما إذا كان صعود قطاع ما سيستمر يتطلب قراءة أرباح الشركات المكونة له، وفي ظل تأخر العديد من الشركات المدرجة بالبورصة في نشر قوائمها المالية أو عدم نشرها على الإطلاق، فإن المشترين قد يراهنون فعليا على زخم القطاع دون رؤية واضحة للأساسيات المالية التي تدعمه.

نسخة الأسواق المتقدمة من سوق الأسهم

من المفترض أن يتحقق المستثمرون الأفراد من المعلومات المالية الأساسية للشركة والقطاع، وأن يتجنبوا الشائعات واتجاهات السوق الأوسع، وفق ما قاله محمد أبو باشا، كبير الاقتصاديين لدى "إي إف جي هيرميس" لإنتربرايز. ويرى أبو باشا أنه في حال افتقار الأفراد إلى القدرة على ذلك، فينبغي عليهم الاستثمار من خلال صناديق أسهم يديرها محترفون.

وأضاف أبو باشا أن السوق التي يهيمن عليها الأفراد ويتجاوزون فيها الصناديق للاستثمار المباشر، هي أقرب في سماتها إلى الأسواق المبتدئة منها إلى الأسواق الناشئة. ويوضح أن المستثمرين المؤسسيين يمثلون حصة ضئيلة جدا من التداولات في مصر، والمعادلة بسيطة: المزيد من الأموال المؤسسية يعني سوقا أكثر عمقا واستقرارا.

تنمو شريحة الاستثمار المجمع عبر الصناديق، ولكن ليس بالسرعة الكافية لإحداث تأثير ملموس بعد. ويشير أبو باشا إلى أن عدد الصناديق وحجم الأصول المدارة لدى مديري الأصول المحليين سجل ارتفاعا ملحوظا عبر مختلف فئات الأصول، بما في ذلك صناديق أسواق النقد والمعادن والأسهم. لكن هذه الأموال لا تتجه نحو الأسهم، إذ يقول هيمانشو شريمالي، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة منثم، لإنتربرايز: "نحو 85 إلى 90% من هذه الأموال تتجه إلى صناديق أسواق النقد أو الدخل الثابت. ولا تزال أحجام صناديق الأسهم في السوق صغيرة للغاية".

بالأرقام: بلغت قيمة صافي الأصول المدارة عبر 224 صندوق استثمار في مصر نحو 470.97 مليار جنيه بنهاية يونيو، بزيادة قدرها 14.7% مقارنة بنحو 410.69 مليار جنيه قبل ثلاثة أشهر، بدعم من تأسيس 15 صندوقا جديدا، وفقا لأحدث تقرير ربع سنوي صادر عن الهيئة العامة للرقابة المالية. ويعادل هذا الرقم نحو 12.8% من رأس المال السوقي للبورصة المصرية الذي بلغ نحو 3.68 تريليون جنيه بنهاية الربع ذاته، وفقا لحساباتنا. ومن بين ذلك، تمثل صناديق الأسهم شريحة ضئيلة للغاية، إذ يقدرها شريمالي بأقل من 5% من رأس المال السوقي، مقارنة بـ 50-60% في الولايات المتحدة والهند.

وتعد سهولة الدخول إلى السوق محركا رئيسيا للنمو المطرد في قاعدة المستثمرين الأفراد. ويعزو أبو باشا الزيادة في السيولة إلى التغيرات الهيكلية في طريقة إدارة الأفراد لمدخراتهم وثرواتهم، بالإضافة إلى التطور الثوري في سهولة الدخول إلى السوق بفضل التكنولوجيا، بأكثر مما يعزوها إلى إلغاء ضريبة الأرباح الرأسمالية.

السوق الصاعدة هي الدافع

الفجوة المعرفية، إلى جانب خمس سنوات من سوق لم يتحرك تقريبا إلا في اتجاه واحد، هي ما يبقي المستثمرين الأفراد بعيدا عن صناديق الأسهم. يوضح شريمالي: "اتخذت البورصة المصرية مسارا صعوديا أحادي الاتجاه عمليا خلال السنوات الخمس الماضية. المستثمر الذي حقق مكاسب بنسبة 60% في عام واحد، يعتقد أنه سيحقق نفس النسبة العام المقبل". وتبقى المهارة المزعومة غير مختبرة حتى يتغير الاتجاه، ويوضح شريمالي أنه "في السوق أحادية الاتجاه، لا يمكنك التفريق حقا بين المستثمر المتمرس والمستثمر المحظوظ، لأن الصعود الجيد للسوق يرفع الجميع"، مؤكدا أن الأمر لا يتعلق بمسألة الثقة.

ويبدو أن التفاؤل يسيطر على المستثمرين الذين استطلعت "منثم" آراءهم أيضا. ففي استطلاع أُجري في سبتمبر، توقع 20 من أصل 33 مشاركا ارتفاع المؤشر الرئيسي للبورصة EGX30 بنسبة تتراوح بين 30% و50% خلال الـ 12 شهرا المقبلة، بينما توقع 7 مشاركين آخرين صعودا بأكثر من 50%، ولم يتوقع سوى 4 مشاركين حدوث حركة تصحيحية.

لكن الفجوة الكبرى تتمثل في كون الثروات في مصر لا تدخل السوق من الأساس: يقول شريمالي: "مقارنة بودائع القطاع المصرفي، فإن رأس المال السوقي للبورصة ضئيل جدا". إذ تبلغ الودائع نحو 300 مليار دولار، تمتلك الأسر والشركات نحو 250 مليار دولار منها، مقابل رأس مال سوقي للبورصة يبلغ 90 مليار دولار فقط. وبين أصحاب الثروات البالغة مليون دولار أو أكثر، نجد أن "أقل من 1% أو 2% من إجمالي ثرواتهم السائلة مستثمرة في الأسهم".

ويرتبط جزء من هذا العزوف بالذاكرة الجماعية لعام 2008، إذ يقول شريمالي، الذي يعيش في مصر منذ 16 عاما: "شهدت البورصة انهيارا مدويا في عامي 2007 و2008، وخسر كثيرون أموالا طائلة ومدخرات حياتهم في ذلك الانهيار، وهذا الانطباع لا يزال راسخا. إذا تحدثت إلى شخص تجاوز الـ 45 عاما، فستجد لديه الكثير من الانطباعات أو القصص السلبية حول ما يمكن أن تفعله البورصة بثروتك".

وبذلك ترتهن السوق بالأشخاص الذين لديهم أقل قدر من الأموال المعرضة للخطر: فالمستثمر الشاب الذي يمتلك مبلغا يتراوح بين 20 ألفا و100 ألف جنيه "مستعد لتحمل هذه المخاطرة، لأن كل ما يفكر فيه هو العوائد المحتملة"، بحسب شريمالي الذي يضيف: "لا تمثل المخاطر مصدر قلق كبير لهم، لأن إدارة الصناديق تركز في الأساس على إدارة المخاطر الهبوطية".

البنية التحتية ليست العائق

العوامل التي تحرك حصة المستثمرين المؤسسيين تقع خارج البنية التشغيلية للبورصة، حسبما يعتقد أبو باشا. ويقول: "في رأينا، الجهود الرامية إلى تعزيز السيولة المؤسسية هي جهود هيكلية في المقام الأول، وتعتمد على إحداث تغيير جذري في السلوك الادخاري للأفراد".

كما يمر نمو الأموال المؤسسية عبر صناديق المعاشات وشركات التأمين: يوضح أبو باشا أن "النمو السليم للأموال المؤسسية سيأتي من خلال تعزيز دور صناديق المعاشات وشركات التأمين وغيرها. فالبلاد تفتقر إلى نظام معاشات مناسب للقطاع الخاص، على سبيل المثال. وعلاوة على ذلك، فإن قطاع التأمين صغير نسبيا". ويضيف أن رفع معدل الادخار القومي يعد أمرا أساسيا لكليهما، والوصول إلى ذلك يتطلب "إصلاحات هيكلية على مستوى الاقتصاد الكلي".

أموال المعاشات تفتقد أيضا بوصلتها الاستثمارية: يقول شريمالي: "تودع مبالغ ضخمة من أموال صناديق المعاشات في ودائع مصرفية أو أذون خزانة"، رغم وجود التزامات تمتد لـ 50 أو 60 عاما. ويضيف: "من المستحيل أن تمنحهم الودائع المصرفية أو السندات عائدا حقيقيا مجزيا". ويؤكد أن زيادة تلك المخصصات في الأسهم "ستكون أيضا عنصرا رئيسيا في دخول المستثمرين المؤسسيين إلى السوق".

تذكر: على مدار العام، كثفت البورصة وهيئة الرقابة المالية جهودهما لتطوير البنية التحتية للسوق أملا في جذب المزيد من الأموال المؤسسية. ففي يناير، أصدرت الهيئة ترخيصا لشركة تسوية العقود الآجلة بالبورصة، وبدأ التداول على العقود الآجلة للمؤشرات في مارس، وتلتها العقود الآجلة للأسهم الفردية على سهمي البنك التجاري الدولي ومجموعة طلعت مصطفى في يونيو. وفي الشهر الماضي، أصدرت الهيئة الضوابط التنفيذية لآلية البيع على المكشوف (وتأخر ذلك لـ 7 سنوات من وقت كشف النقاب عن الآلية للمرة الأولى)، ويخضع النظام المركزي لإقراض الأوراق المالية واقتراضها للاختبارات النهائية قبل التشغيل التجريبي المرتقب في نوفمبر.

رأينا: تمثل القاعدة الجديدة للمستثمرين الأفراد الشباب والمحليين سلاحا ذا حدين. إذ يمثل مستثمرو "أسلوب الحياة" عامل استقرار للسوق، بفضل مشترياتهم الشهرية بغض النظر عن الأسعار. لكن فئة المستثمرين الجدد، الذين لم يسبق لهم أن شهدوا انهيارا في السوق، هي التي قد تنساق وراء سلوك القطيع وتتجه للبيع المذعور في حالة تراجع السوق لأسباب تتعلق بالاقتصاد الكلي. وما يحدد مسارهم هو توفر المعلومات، وتحديدا مدى قدرتهم على التمييز بين الشركة الرخيصة ذات الأساسيات القوية والشركة المتدهورة فعليا. ومن ثم فإن القوائم المالية الصادرة في موعدها هي مصدر تلك المعلومات. فعندما تنشر الشركات نتائجها متأخرة أو تمتنع عن نشرها، فإنها تجرد المستثمرين من الأداة الوحيدة التي تمكنهم من الاحتفاظ بأسهمهم عن اقتناع خلال فترات التراجع، مما يتركهم بلا خيار سوى التفاعل مع هبوط الأسعار بحالة من الذعر.

ويتمثل مكمن الخطورة الحقيقي في السوق المصرية في غياب الفئات الأخرى من المستثمرين. فالمستثمرون الأفراد غير الملمين بالمعلومات، وأولئك الذين يتداولون بناء على حركة الأسعار بدلا من الأساسيات، موجودون في كل مكان. إلا أنهم لا يتحكمون عادة في تحديد اتجاهات الأسعار. أما في البورصة المصرية فهم من يقودون الدفة، نظرا لغياب اللاعبين المؤسسيين الذين يُفترض بهم توفير التوازن المطلوب. لذلك على الرغم من أن نقص الوعي لدى المستثمرين يمثل جزءا من الأزمة، فإن المعضلة الحقيقية تكمن في أن أسواق المال لا يجب أن تعول بهذا الشكل المفرط على مدى وعي وإدراك كل مستثمر فرد، وهو للأسف الواقع الذي تعيشه البورصة المصرية حاليا.