Posted inاقتصاد

المحللون يتوقعون إبقاء المركزي على أسعار الفائدة دون تغيير يوم الخميس وسط تباين الآراء

يتوقع غالبية المحللين والخبراء الاقتصاديين الذين استطلعت إنتربرايز آرائهم أن يثبت البنك المركزي المصري أسعار الفائدة دون تغيير عند 19% خلال اجتماع لجنة السياسة النقدية المقرر انعقاده الخميس المقبل، لتتواصل بذلك فترة التثبيت التي بدأت في أبريل عندما عرقلت التوترات الجيوسياسية الإقليمية دورة التيسير النقدي. وللمرة الأولى منذ أشهر، لا يتفق جميع المحللين على هذا المسار؛ إذ ترجح هبة منير، محللة الاقتصاد الكلي بشركة "إتش سي لتداول الأوراق المالية"، رفع أسعار الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس، مرجعة ذلك إلى الضغوط التضخمية المرتقبة في الربع الرابع والتي تحتم على المركزي اتخاذ موقف أكثر تشديدا.

التسلسل الزمني: منذ خفض أسعار الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس في فبراير، وهو التحريك الوحيد هذا العام، أبقت لجنة السياسة النقدية على الفائدة دون تغيير لأربعة اجتماعات متتالية في أبريل ومايو ويوليو وأغسطس. ويستقر سعر الإيداع لليلة واحدة حاليا عند 19.0%، وسعر الإقراض لليلة واحدة عند 20.0%، وسعر العملية الرئيسية وسعر الائتمان والخصم عند 19.5%.

التضخم يدعم مبررات التثبيت

شهد معدل التضخم السنوي في المدن المصرية تباطؤا غير متوقع إلى 14.5% في أغسطس، ليأتي دون 15.5% التي تمثل متوسط توقعات 17 محللا وخبيرا اقتصاديا استطلعت رويترز آرائهم، وأقل من توقعات البنك المركزي نفسه بحدوث تسارع في الربع الثالث. وجاء هذا التراجع نتيجة انخفاض أسعار الأغذية للشهر الثالث على التوالي (بنسبة 1.1% على أساس شهري)، وهو ما امتص أثر الزيادة في أسعار شرائح الكهرباء للاستهلاك المنزلي البالغة نحو 12% والتي رفعت تكاليف السكن بنسبة 42.8% على أساس سنوي. وفي المقابل، سجل معدل التضخم الأساسي ارتفاعا طفيفا إلى 14.9% مقابل 14.7%، مما يشير إلى أن التحسن يتركز في مكونات سلة الغذاء الأكثر تقلبا.

السياق: جاءت أرقام التضخم لشهر أغسطس "أقل بكثير" من توقعات مجموعة "إي إف جي هيرميس" البالغة 15.8%، وفق ما قاله محمد أبو باشا كبير الاقتصاديين لدى المجموعة لإنتربرايز آنذاك. ويتوقع أبو باشا مزيدا من التباطؤ في سبتمبر بفضل التأثير المواتي لسنة الأساس، متوقعا عدم اتخاذ البنك المركزي أي خطوة لرفع أسعار الفائدة حتى نهاية العام، مع التأكيد على أن "ارتفاع أسعار النفط العالمية يمثل أحد المخاطر الصعودية". كما جاء التضخم أقل من توقعات شركة بحوث "سي آي كابيتال" بسبب تراجع أسعار الأغذية، مشيرة إلى أن الزيادة الشهرية البالغة 1.8% في تكاليف الإيجار والسكن عوضها انخفاض الأغذية. وأوضحت "سي آي كابيتال" أن تسجيل التضخم السنوي مستوى دون الـ 15% مع استقرار القراءات الشهرية لشهرين متتاليين "يدعم سياسة البنك المركزي بالإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير"، مع مراقبة أسعار خام برنت والتطورات الجيوسياسية تحسبا لأي تحولات.

كما يرجح بنك مورجان ستانلي أن يواصل التضخم مساره النزولي ليسجل 13.2% في سبتمبر، ويهبط إلى ما دون 13% في أكتوبر، قبل أن يصل إلى 11.8% بحلول ديسمبر 2026، بحسب مذكرة بحثية حديثة (بي دي إف). ورغم ذلك، يتوقع البنك أن يُبقي البنك المركزي على أسعار الفائدة دون تغيير حتى نهاية العام، موضحا أن "التوترات الإقليمية تطغى على المساحة المتاحة للتيسير النقدي".

ويبدو السيناريو الأساسي للبنك المركزي أقل تفاؤلا؛ إذ يتوقع أن يسجل التضخم 16.6% في المتوسط خلال العام المالي 2026-2027، قبل أن يتباطأ إلى 8.1% في العام المالي 2027-2028، على أن يعود إلى مستهدفه البالغ 7% في النصف الثاني من عام 2027. ويتفاوت المدى المتوقع للعام المالي الحالي اعتمادا على مسار الصراع الإقليمي: ليتراوح بين 15.2% في سيناريو التهدئة، و17.8% إذا تفاقمت التوترات.

وجاءت توقعات صندوق النقد الدولي أكثر حذرا نوعا ما؛ إذ توقع الصندوق عقب إنهاء المراجعة السابعة مباشرة في يوليو أن يبلغ التضخم 16.7% في المتوسط خلال النصف الثاني من عام 2026، على خلفية ارتفاع أسعار الطاقة وضعف الجنيه، متوقعا تأخر عودة التضخم إلى النطاق المستهدف للبنك المركزي بنحو عام عما كان متوقعا في السابق.

المشهد العالمي

رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس إلى 3.75-4.00% يوم الأربعاء الماضي، وهي الزيادة الأولى في عهد رئيسه الجديد كيفن وارش، مع توقع 16 من أصل 18 مسؤولا إقرار زيادة أخرى على الأقل هذا العام، وترجيح عودة التضخم إلى النطاق المستهدف البالغ 2% بحلول عام 2029 فقط. ورغم أن تقرير مورجان ستانلي صدر بعد يوم واحد من قرار الفيدرالي، فإنه لم يشر إليه — وهو ما يرجح أنه أُعد قبل استيعاب بيان الفيدرالي بالكامل، إلا أن عدم التطرق له يتفق مع رؤية مورجان ستانلي بأن قرار التثبيت يستند إلى المخاطر الإقليمية، وليس السياسة النقدية الأمريكية.

يبدو أثر قرار الفيدرالي على تجارة الفائدة في مصر محدودا؛ إذ يقلل أبو باشا من تأثير رفع الفائدة الأمريكية نظرا لأن الهامش الوقائي لأسعار الفائدة الحقيقية البالغ 500 نقطة أساس يحمي أدوات الدين المحلية. وأضاف أبو باشا لإنتربرايز أن تدفقات رؤوس الأموال الخارجة التي حدثت بالفعل "نشأت في الغالب عن تزايد المخاطر الجيوسياسية، وليس عن مخاوف بشأن أسعار الفائدة الأمريكية". ويتفق مع هذا الرأي هاني جنينة، رئيس قطاع البحوث بشركة الأهلي فاروس، إذ قال لإنتربرايز: "حتى لو رفع الفيدرالي أسعار الفائدة إلى 4.25-4.50%، فإن الفجوة لا تزال واسعة جدا لصالح الجنيه المصري، ولا يوجد أي سبب لرفع أسعار الفائدة مرة أخرى". وأوضح جنينة أن سعر العائد على الإقراض البالغ 20% مقابل معدل تضخم عند 14.5% يمنح عائدا حقيقيا إيجابيا بنسبة 5.5%.

سبب الخروج عن الإجماع

في المقابل، ترى هبة منير، محللة الاقتصاد الكلي لدى "إتش سي لتداول الأوراق المالية"، أن انخفاض معدل التضخم الأساسي يخفي ضغوطا تتراكم تحت السطح، مما يتطلب تحركا من البنك المركزي. وتتوقع منير رفع قدره 100 نقطة أساس لأسعار الفائدة، معتبرة أن التطورات المرتقبة في الربع الرابع ستعيد ترتيب الحسابات تماما. وأوضحت: "في ضوء توقعاتنا باستمرار الضغوط التضخمية خلال الربع الرابع من عام 2026، واتجاه البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة إلى تشديد السياسة النقدية، نتوقع أن ترفع لجنة السياسة النقدية أسعار الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس".

وتعتمد رؤية منير على التطورات المرتقبة لا التطورات السابقة المسعرة بالفعل؛ إذ قد يصل التضخم في سبتمبر إلى 1.3% على أساس شهري متأثرا بالتعديلات الموسمية للإيجارات وانطلاق العام الدراسي الجديد. في حين قد يشهد أكتوبر ارتفاعا بنسبة 2.1% على أساس شهري، انعكاسا لزيادة متوقعة بنحو 10% في أسعار الوقود مع خفض الدولة للدعم لتحقيق مستهدفاتها المالية. يضاف إلى ذلك انكماش معروض النفط بعد أن أغلقت السعودية خط أنابيب شرق-غرب، ورفع كل من الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة في الشهر ذاته.

وترى منير أنه حتى مع التغيرات المرتقبة، تظل تجارة الفائدة جاذبة، إذ تدر أذون الخزانة لأجل 364 يوما عائدا حقيقيا يبلغ نحو 8.35% بعد خصم ضريبة أرباح تجارة الفائدة البالغة 15% للمستثمرين الأجانب، وذلك مقابل توقعاتها للتضخم البالغة 13.3% على مدار 12 شهرا.

أدوات البنك المركزي الأخرى

لا تقتصر خيارات البنك المركزي على تحريك أسعار الفائدة الرئيسية فحسب، ففي عطاء السوق المفتوحة الأسبوع الماضي، سحب البنك المركزي نحو 500 مليار جنيه من القطاع المصرفي، في خطوة تكتيكية لسحب السيولة تغني عن الرفع المباشر لأسعار الفائدة، حسبما صرح أحد المصرفيين لإنتربرايز. وأضاف المحلل: "يستخدم البنك المركزي أدوات تكتيكية غير مباشرة بدلا من رفع الفائدة المباشر، إذ يترتب على رفع الفائدة إعاقة نمو الائتمان وتفاقم عبء الدين المحلي وزيادة عجز الموازنة"، مشيرا إلى أن صافي تدفقات الأموال الساخنة تجاوز مليار دولار مؤخرا، لتعوض بذلك التراجعات المشهودة في وقت سابق من العام.

ماذا نترقب؟

يتوقع جنينة أن يتداول الدولار في نطاق بين 49 و52 جنيها حتى نهاية العام، مدعوما بتعافي حركة الملاحة في قناة السويس مع تحول مسار السفن عن مضيق هرمز، ووصول نسبة إشغال الفنادق في البحر الأحمر إلى 80%، إلى جانب الحصيلة المرتقبة لبرنامج الطروحات الحكومية من بنك القاهرة وشركة مصر لتأمينات الحياة. ويرى الخبير المصرفي الذي تحدث لإنتربرايز أن هذا التذبذب بين 49 و52 جنيها يعد "هامشيا جدا لعملة تتجاوز الـ 50 جنيها".

لكن مخزون الشركات يبقى العامل الأكثر حساسية في هذه المعادلة؛ إذ يحذر جنينة من أن المخزون منخفض التكلفة الذي اشترته الشركات قبل صدمة مارس "يقترب من النفاد بحلول سبتمبر". وتوقع جنينة أنه في حال استمرار الصراع إلى جانب ارتفاع تكاليف الشحن وزيادات أسعار الوقود، فقد يقفز التضخم في الربع الرابع إلى 16-16.5%. لكنه يستدرك قائلا: "حتى في هذه الحالة، يمنح تثبيت الفائدة عند 20% البنك المركزي هامشا إيجابيا حقيقيا مريحا، ويمكن للبنك السماح للتضخم بالتحرك المؤقت داخل هذا النطاق دون الحاجة إلى رفع الفائدة مجددا".

رأينا: لا يزال البنك المركزي يتمتع بمساحة للمناورة. ويبقى السؤال المطروح قبل اجتماع الخميس، الذي يعد واحدا من ثلاثة اجتماعات متبقية هذا العام، يليه اجتماع في 29 أكتوبر وآخر في 17 ديسمبر، ما إذا كانت اللجنة ترى مبررا لاستخدام هذه المساحة.