أثبت الاقتصاد المصري صلابة ومرونة فاقتا التوقعات في مواجهة تبعات الصراع الأمريكي الإيراني، ما دفع البنك المركزي المصري إلى رفع توقعاته للنمو بصورة طفيفة وخفض تقديراته لمعدلات التضخم على المدى القريب، وفقا لأحدث تقارير السياسة النقدية الصادرة عنه (بي دي إف). إذ يقدر المركزي الآن نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 5% في العام المالي 2026/2025، ويتوقع نموه بنسبه 4.9% في العام المالي 2027/2026، بزيادة قدرها 0.1 نقطة مئوية عن توقعاته السابقة لكلا العامين، كما يرجح زيادة معدل النمو ليصل إلى 5.4% في العام المالي 2028/2027.
التضخم سيظل مرتفعا لبعض الوقت: سجل متوسط التضخم العام 14.6% في الربع الثاني، وهو ما يقل قليلا عن توقعات البنك المركزي السابقة البالغة 15%، ومن المتوقع أن يتسارع مؤقتا في الربع الثالث متأثرا بتأثير فترة الأساس غير المواتي قبل أن يستأنف مساره الهبوطي. ويرى المركزي أن التضخم سيسجل 16.6% في المتوسط خلال العام المالي 2027/2026 وفقا لسيناريو الأساس، قبل أن يتراجع إلى 8.1% في العام المالي 2028/2027، ليقترب من نطاقه المستهدف البالغ 7% (±2%) خلال النصف الثاني من عام 2027.
تعافي إيرادات قناة السويس بوتيرة أسرع من المتوقع أن يدعم آفاق النمو: أرجع المركزي جزءا من التعديل الإيجابي لتوقعات النمو إلى تحسن نشاط القناة مقارنة بالافتراضات السابقة، إذ ارتفعت إيرادات الممر المائي بنسبة 29% على أساس سنوي خلال الربع الأول. ومن المتوقع أن تظل قطاعات الصناعات التحويلية والخدمات، لا سيما السياحة، من المحركات الرئيسية للنمو، في حين يُرجح أن يشهد قطاع الاستخراجات تحسنا بفضل زيادة إنتاج النفط والغاز في العام المالي 2028/2027.
الاحتياطيات الأجنبية تمتص الصدمة الجيوسياسية: ارتفع صافي احتياطيات مصر من النقد الأجنبي إلى 55.1 مليار دولار بنهاية يونيو، صعودا من 52.8 مليار دولار في مارس، بينما تعافى صافي الأصول الأجنبية لدى القطاع المصرفي ليسجل 22.9 مليار دولار في مايو، مقابل 21.4 مليار دولار في مارس. وسجل الجنيه ارتفاعا ملحوظا ليصل إلى 49.2 جنيه للدولار بنهاية يونيو، مقارنة بنحو 54.6 جنيه للدولار قبل ثلاثة أشهر. وجاء هذا التحسن رغم خروج رؤوس أموال أجنبية بقيمة 9.5 مليار دولار من السوق إثر اندلاع الصراع الإقليمي في أواخر فبراير 2026.
الحساب الجاري يظل نقطة ضعف: تضاعف عجز الحساب الجاري لأكثر من مثليه على أساس سنوي ليبلغ 5.1 مليار دولار، أو 1.2% من الناتج المحلي الإجمالي، في الربع الأول من عام 2026، مدفوعا باتساع عجز الميزان التجاري البترولي وغير البترولي وزيادة عجز صافي دخل الاستثمار. وساعد ارتفاع تحويلات المصريين العاملين بالخارج وقوة إيرادات السياحة وقناة السويس في التخفيف من حدة هذا التراجع، في حين تمكن ميزان المدفوعات الكلي من تسجيل فائض طفيف بلغ 0.3 مليار دولار.
كيف يغذي تراجع الجنيه معدلات التضخم: يقدر البنك المركزي أن كل انخفاض بنسبة 1% في قيمة الجنيه يرفع المعدل السنوي للتضخم العام بنحو 0.18 نقطة مئوية في المتوسط خلال العام الأول الذي يعقب الصدمة، مع بلوغ هذا الأثر ذروته بعد نحو ثلاثة أرباع. ويكون انتقال الأثر إلى التضخم الأساسي أعلى قليلا مسجلا 0.2 نقطة مئوية. ويرى المركزي أيضا أن التحول نحو نظام سعر صرف أكثر مرونة قد يعني انخفاضا في درجة انتقال أثر تحركات سعر الصرف إلى التضخم مستقبلا.
المركزي لم يعلن انتصاره بعد: أبقت لجنة السياسة النقدية على أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعيها خلال مايو ويوليو، لتحافظ على ما وصفته بموقف نقدي تقييدي لضمان عودة التضخم إلى مستواه المستهدف في المدى القريب. ولا تزال التوترات الجيوسياسية هي العامل الحاسم، إذ يتوقع المركزي أن يبلغ متوسط التضخم 15.2% خلال العام المالي 2027/2026 وفقا لسيناريو انحسار الصراع، و17.8% حال تصاعد الصراع، مقارنة بـ 16.6% في سيناريو الأساس، وهو ما يفسر استمرار حذر صناع السياسات رغم تحسن آفاق النمو، وسوق الصرف، والاحتياطيات.
وتعقد لجنة السياسة النقدية اليوم الخميس اجتماعها الخامس هذا العام لحسم مصير أسعار الفائدة، بعد الإبقاء عليها دون تغيير خلال اجتماعاتها الثلاثة الماضية. وجاءت قراءة التضخم السنوي في المدن لشهر يوليو البالغة 14.9%، وهو أول ارتفاع له منذ مارس، دون توقعات المحللين، إلا أن الزيادة البالغة 12% في أسعار الكهرباء والمعلن عنها خلال الشهر ذاته لم تنعكس بالكامل بعد على البيانات.