Posted inإنتربرايز تشرح

الحد الفاصل بين سلطة المساهمين وصلاحيات مجلس الإدارة

من الناحية النظرية، يتربع المساهمون على قمة الهرم المؤسسي للشركات، ويمارسون سلطتهم من خلال الجمعية العامة. أما على أرض الواقع، فإن موازين القوى لا تعكس دائما ما ينص عليه الهيكل التنظيمي، وتحديدا عندما يتعلق الأمر بمن لا يملكون حصة الأغلبية. شهد شهر مايو وحده ثلاثة نزاعات كبرى في مجالس الإدارة اختبرت حدة التوتر بين السلطة الرسمية للمساهمين وصلاحيات مجلس الإدارة، وكانت جميعها معارك من جانب مساهمو الأقلية. ففي الشركة المصرية للمنتجعات السياحية، استنفدت كتلة أقلية تمتلك حصة مؤثرة كافة السبل القانونية للإطاحة بمجلس الإدارة الحالي دون جدوى. وفشلت شركة بلدنا التي تمتلك حصة تبلغ 16% في شركة جهينة في الحصول على مقعد بمجلس إدارتها. وفي شركة مصر إيطاليا، وهي الشركة الوحيدة غير المدرجة بالبورصة في هذا التقرير، وصل النزاع بين الأخوين المؤسسين على الإدارة إلى طريق مسدود، حتى أصبح التخارج عبر التفاوض هو المخرج الوحيد.

هيكل السلطة

يمنح قانون الشركات (بي دي إف) المساهمين مجتمعين من خلال الجمعية العمومية سلطة حصرية على بعض أهم القرارات المحورية للشركة، مثل: تغييرات هيكل رأس المال، وتعيين مراقبي الحسابات، والموافقة على المعاملات مع جهات ذات صلة بالشركة، والقرارات الاستثنائية. ولتنفيذ هذه القرارات، ينتخب المساهمون مجلس إدارة للعمل نيابة عنهم خلال الفترة الممتدة بين دورات انعقاد الجمعية. ويضمن المجلس استمرارية المؤسسة، إلى جانب اكتساب المعرفة التشغيلية، بينما تبرز صعوبة التنسيق بين المساهمين، خاصة عندما تكون حصصهم موزعة على عدة جهات. ولهذا السبب بالتحديد، لا يعني تربع المساهم الفردي على قمة الهيكل التنظيمي تمتعه بنفوذ حقيقي يفوق صلاحيات مجلس الإدارة.

وقال إسلام سعيد، الشريك المؤسس لمكتب ألفاليكس للاستشارات القانونية والضريبية، في حديثه لإنتربرايز: "عمليا، تعتمد بعض الشركات، لا سيما تلك التي لا توجد بها أغلبية مطلقة، بشكل أكبر على سياسات وقرارات مجلس الإدارة"، مضيفا: "يصبح دور الجمعية العمومية مقتصرا بالأساس على أمرين: انتخابات مجلس الإدارة من حين لآخر، والاجتماع السنوي".

ويُستثنى من ذلك هياكل الملكية المركزة، أي وجود مساهم رئيسي واحد، أو مساهمين منظمين في كتل، مثل شركات الاستثمار المباشر. في تلك الحالات، تعد السلطة الرسمية والسيطرة الفعلية وجهين لعملة واحدة؛ فالكتلة المسيطرة توجه الجمعية العمومية، وتنتخب الجمعية مجلسا مواليا، ويدير المجلس الشركة وفقا لذلك. ولم تتضمن أي من نزاعات شهر مايو الثلاثة هذا النوع من المساهمين، وهذا بالضبط ما جعل تسوية كل منها يتطلب طرق صعبة.

تندرج تحت قانون الشركات اللوائح التنفيذية التي توضح التفاصيل الإجرائية، ويليها النظام الأساسي للشركة، وهو على الأغلب نموذج صادر عن الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة لا يمكن للشركات المدرجة تعديله إلا في أضيق الحدود. وقال سعيد: "في الوقت الحالي، لا يزال هذا النموذج تقليديا إلى حد كبير مقارنة بأطر تنظيمية أخرى". وتضاف إلى ذلك قواعد الحوكمة وحماية حقوق الأقلية الصادرة عن الهيئة العامة للرقابة المالية والهيئة العامة للاستثمار. ويرى سعيد أن الالتزام بكل هذه القواعد يمكن أن "يقلص بشكل كبير أو حتى يقضي على النزاعات حول المسائل الإجرائية"، لتتبقى النزاعات الموضوعية فحسب.

السلطة الرسمية مقابل السيطرة الفعلية

يمكن لأعضاء مجلس الإدارة الاعتراض، لكنهم لا يملكون حق النقض. إذ يمكن لأي عضو في مجلس إدارة شركة مدرجة في البورصة المصرية أن يعترض ويوثق اعتراضه، لكنه لا يستطيع عرقلة قرار يحظى بدعم جميع الأصوات، ولا يمكنه اللجوء إلى جهة رقابية لإلغائه بشكل منفرد. ويقول سعيد في هذا الشأن: " نظريا، يمتلك أي عضو بمجلس الإدارة حق الاعتراض، لكنه لا يملك صلاحية عرقلة القرار أو اللجوء لجهة خارجية لإلغائه، متى صدرت هذه القرارات بموافقة صحيحة واستوفت كافة الإجراءات القانونية". أما مجلس الإدارة فيتمتع بقدر أكبر من المرونة؛ إذ يمكن للأعضاء الذين يعتقدون أن قرارا ما يتعارض مع مصالح الشركة أن يطلبوا من رئيس المجلس تصعيد الأمر للجمعية العمومية، أو رفع مخاوفهم إلى الهيئة العامة للاستثمار أو هيئة الرقابة المالية إذا وصلت النقاشات الداخلية إلى طريق مسدود. لكن القرار في النهاية يظل بيد الأغلبية.

في المقابل، يتحرك المساهمون في مسار مختلف. فمحطتهم الأولى هي الجمعية العمومية، حيث يمكن للمساهم الذي يعتقد أن الشركة ارتكبت تجاوزا أن يخطر رئيس مجلس الإدارة رسميا ويطالب بمناقشة الأمر. ويمكن للمستثمرين الذين يمتلكون نسب ملكية محددة (عادة من 5% إلى 10%) الدعوة لعقد اجتماع أو فرض إدراج بنود على جدول أعمال الجمعية العمومية السنوية. ولا ينتقل النزاع إلى خارج الشركة إلا بعد محاولة حله عبر المسارات الداخلية أولا، وحتى في هذه الحالة، يجب على المساهمين إثبات الصلاحية القانونية والمصلحة المباشرة في النتيجة.

أما لعب الدورين فيغير المعادلة. فعضو مجلس الإدارة الذي يمتلك أيضا حصة في الشركة يكون أمامه مساران منفصلان متاحان في الوقت نفسه، بحسب سعيد. وهذه المكانة المزدوجة مهمة في أي نزاع؛ إذ يكون العضو على دراية مباشرة بقرارات المجلس فور اتخاذها، ويمكنه تسجيل اعتراضه رسميا في الوقت الفعلي، وفي الوقت نفسه حشد حقوقه كمساهم لفرض مناقشة الأمر في الجمعية العمومية.

متى يبالغ المساهمون في تقدير نفوذهم؟

تمثل المصرية للمنتجعات السياحية أوضح مثال على وصول سلم التصعيد إلى سقفه. إذ استنفدت كتلة أقلية تمتلك 24.95% من أسهم الشركة كافة السبل المتاحة بعد فشلها في الإطاحة بمجلس الإدارة الحالي في الجمعية العمومية المنعقدة في سبتمبر العام الماضي، وقدمت 4 دعاوى قضائية قوبلت جميعها بالرفض. ثم توجهوا إلى الهيئة العامة للاستثمار، التي دعت لانتخابات جديدة لمجلس الإدارة. لكن محكمة القضاء الإداري أوقفت هذا القرار في غضون 4 أيام، بداعي عدم وجود سند قانوني يبرر تدخل الهيئة.

وقال سعيد لإنتربرايز: "إن توقع استجابة قضائية سريعة في غضون أيام لنزاعات الشركات العادية أمر غير واقعي"، مشيرا إلى أن ما جعل حالة المصرية للمنتجعات مختلفة هو صعوبة تدارك آثارها. فبشكل عام، المحاكم لا تتحرك بسرعة في نزاعات الشركات، ولكي يوافق القاضي على طلب مستعجل، يجب توافر شرطين: الضرورة الملحة، ووجود سند قانوني قوي وواضح، وفقا لسعيد. وقد استوفت المصرية للمنتجعات كلا الشرطين: فتعيين مجلس إدارة جديد يعد خطوة يصعب التراجع عنها بمجرد استكمالها، كما أن الهيئة العامة للاستثمار لم تتبع التسلسل القانوني الصحيح. ولم يكن القرار الأساسي لمجلس الإدارة محل تساؤل هنا، بل ما إذا كان بإمكان جهة رقابية إعادة فتح معركة خسرتها كتلة الأقلية بالفعل في المحكمة.

وتبرز حالة جهينة نقطة مختلفة، وهي أن امتلاك حصة لا يعني تلقائيا الحصول على مقعد بمجلس الإدارة. فقد عملت شركة الألبان القطرية بلدنا على زيادة حصتها في جهينة منذ عام 2022 لتصل إلى نحو 16% لتصبح ثاني أكبر مساهم في هيكل ملكية الشركة، لكن قانون الشركات يمنع أي مرشح يشارك في نشاط منافس من الترشح لمجلس الإدارة دون موافقة صريحة من الجمعية العمومية، ويسري هذا المنع بغض النظر عن حجم الملكية. وقال سعيد: "يقيم المساهمون ما إذا كانت حالة تضارب المصالح يمكن إدارتها أم لا في ظل قيود معينة، أم لا يمكن إدارتها على الإطلاق". ويمكن للمساهم المسيطر تجاوز هذا القيد من خلال الجمعية العمومية، بخلاف مساهم الأقلية الذي لا يملك هذه الصلاحية. وفي حالة جهينة، لم تمنح الجمعية العمومية هذه الموافقة، وأيدت المحكمة الاقتصادية بالقاهرة الاستبعاد.

غياب الحلول بسبب غياب المسار القانوني

تكشف حالة مصر إيطاليا ما يحدث عندما تنفد الخيارات القانونية. فقد وصل الأخوان المؤسسان إلى طريق مسدود بشأن السيطرة على واحدة من كبرى شركات التطوير العقاري غير المدرجة في مصر، حتى لم تتمكن أي آلية قانونية من التوصل إلى حل يرضي كلا الطرفين. وقال سعيد: "عادة ما يتلخص النزاع في أن أحد الطرفين يكون على حق قانونا والآخر على خطأ، لكن عندما يكون الانقسام متقاربا لدرجة تمنع الطرفين من إثبات موقفه بوضوح، يجد السوق طريقة خاصة للحل". وقد توسط مركز تسوية منازعات المستثمرين التابع للهيئة العامة للاستثمار لإبرام صفقة تخارج، شهدت شراء خالد العسال حصة شقيقه هاني البالغة 49.9% مقابل 1.42 مليار جنيه ليستحوذ على الملكية الكاملة للشركة.

ما يكشفه النمط

بالنظر إلى هذه الحالات معا، يتضح أن نفوذ مساهمي الأقلية هو أمر ظرفي، ويعتمد كليا على طبيعة النزاع ونوع الشركة. ففي حالة المصرية للمنتجعات السياحية، كان لدى المساهمين مسارات رقابية وقضائية للطعن على مجلس الإدارة، وإن كان بحدود واضحة. وفي جهينة، تفوقت القيود القانونية على حجم الحصة. وفي مصر إيطاليا، ومع غياب أي قناة مؤسسية للجوء إليها، انتهى النزاع بالتخارج عبر التفاوض.

ماذا بعد؟

قد تؤدي التعديلات المرتقبة إلى إعادة تشكيل هذا المشهد. فالتعديلاتالمقترحة على قانون الشركات، التي وافقت عليها لجنة مشتركة بمجلس الشيوخ الشهر الماضي، ستحرم مجالس الإدارة من إحدى أقوى أدواتها الإجرائية: القدرة على تعطيل الجمعية العمومية بمجرد عدم اكتمال النصاب القانوني. فبموجب القانون الحالي، لا يمكن للجمعيات الانعقاد دون حضور حد أدنى من أعضاء مجلس الإدارة، وهو نصاب استخدمته بعض المجالس لتأخير رقابة المساهمين أو التهرب منها. وإذا تم إقرار هذه التعديلات، يمكن للجمعيات الانعقاد وممارسة كامل صلاحياتها بمجرد اكتمال النصاب القانوني للمساهمين، مع فرض غرامات على أعضاء مجلس الإدارة المتغيبين. ولا تزال هذه الحزمة من التعديلات بحاجة إلى تصويت كامل أعضاء مجلس الشيوخ وموافقة مجلس النواب قبل إحالتها إلى رئيس الجمهورية، مع عدم تحديد إطار زمني حتى الآن لإصدار اللوائح التنفيذية التي ستوضح التفاصيل.