Posted inالخبر الأبرز اليوم

مستأجرو مستودعات دبي يترقبون نهاية الاضطرابات قبل أي توسعات جديدة

تراجعت عقود الإيجار الجديدة رغم استمرار ارتفاع الإيجارات، وقد لا يكفي المعروض الجديد المرتقب لترجيح كفة المستأجرين في المفاوضات

لم تسفر الحرب عن تراجع الطلب في سوق المستودعات بالإمارات، لكنها أعادت رسم خريطة المواقع التي تفضلها الشركات. فقد قفزت نسبة تجديد عقود المساحات التخزينية بمقدار 21.6% لتسجل مستوى قياسيا خلال النصف الأول من عام 2026، رغم ارتفاع الإيجارات بنسبة 12.4% وتراجع عقود الإيجارات الجديدة للمستودعات بنسبة 51.8% على أساس سنوي، وفقا لبيانات شركة كافنديش ماكسويل التي أشرنا إليها في سبتمبر. وفي الوقت نفسه، ارتفع الطلب على المساحات الصناعية واللوجستية بنسبة 7% على أساس سنوي، ليصل إلى 12.3 مليون قدم مربعة، بحسب البيانات الصادرة في أغسطس.

والسبب؟ لم يتغير حجم الطلب، بل ما تغير هو رغبة المستأجرين في الانتقال إلى مواقع جديدة أو التوسع أو الالتزام بعقود إيجار طويلة الأجل، في ظل استمرار ارتفاع الإيجارات واضطراب طرق التجارة الإقليمية.

"الطلب ما زال موجودا، لكن أُعيد توزيعه"، وفقا لما ذكره أبيشيك ميتال، رئيس الاستشارات الصناعية لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا لدى "جيه إل إل"، في تعليق لنشرة إنتربرايز الصباحية. ويبدو تجديد العقود خيارا أكثر منطقية لبعض المستأجرين، في حين يتطلع آخرون إلى مواقع جديدة لم تكن ضمن خياراتهم من قبل.

بالإضافة إلى أن "العثور على مساحات مناسبة أصبح صعبا جدا"، حسب تصريحات آنا ووربويز، المديرة المساعدة لقسم التأجير والمبيعات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى "سي بي آر إي"، لنشرة إنتربرايز. وإذا أضفنا إلى ذلك تكاليف التجهيزات والتركيبات، إلى جانب فترات التوقف واضطراب سير العمل جراء الانتقال، فإن هذه التكاليف تجعل الانتقال إلى وحدة أرخص غير مجدٍ من الأساس. وما لم يكن البديل أفضل وقادر على تلبية احتياجات الشركة مستقبلا، فإن "تمديد عقد الإيجار لبضع سنوات غالبا ما يكون خيارا أفضل من الناحية العملية".

كذلك شكلت الحرب مبررا إضافيا لعزوف المستأجرين عن إبرام أي التزامات جديدة: إذ فضل بعض صغار تجار التجزئة الاعتماد مؤقتا على شركات الخدمات اللوجستية التابعة لطرف ثالث وشركات تجميع الشحنات، بدلا من استئجار مساحات إضافية مباشرة، ريثما يعيدون تقييم سلاسل إمدادهم، وفقا لميتال. ويلجأ آخرون إلى تحقيق أقصى استفادة من مستودعاتهم الحالية أو الاستعانة بمصادر خارجية لاستيعاب الكميات الزائدة، بدلا من إضافة مساحات جديدة. ويقول علي صديقي، مدير الأبحاث في كافنديش ماكسويل، إن "النمط الأكثر شيوعا هو التأجيل وليس التراجع النهائي". فالمستأجرون يعملون على مؤامة المساحات مع احتياجاتهم الفعلية، أو يؤجلون زيادة طاقتهم الاستيعابية حتى تتضح الرؤية بشأن أحجام أعمالهم.

مسارات الشحن تعيد رسم خريطة الطلب

يبدو أن تحويل مسارات الشحن يغير وجهة الطلب على المستودعات؛ إذ أدى تحويل الشحنات عبر الموانئ الشمالية إلى جعل المرافق القريبة من هذه الموانئ خيارا أفضل لبعض المشغلين، وفقا لميتال، الذي يرى أن الطلب لا يخرج من السوق، وإنما يتغير موقعه.

وتعد الفجيرة الخيار الأوضح للتحوط من اضطرابات المسارات البحرية؛ فهي تخدم فئة محددة من الشركات الذين تبحث عن إمكانية الوصول إلى موانئ الساحل الشرقي ومسارات تقلل اعتمادها على مضيق هرمز. أما الشارقة، فتظل البديل الأقرب لدبي بفضل موقعها وانخفاض إيجاراتها، فيما تشهد عجمان إقبالا متزايدا.

المساحات متاحة وأسعارها تنخفض: افتُتحت أكثر من 10 ملايين قدم مربعة من مساحات المستودعات المعروضة في مختلف أنحاء الإمارات الشمالية خلال النصف الأول، بما في ذلك 5.2 مليون قدم مربعة في أم القيوين، بينما انخفضت الإيجارات هناك بنسبة 18.5% على أساس سنوي، وفقا لما أوردناه في أغسطس. ويأتي هذا التراجع بعد قفزة قوية في العام السابق، حينما ساهم انتقال الشركات المتضررة من نقص المعروض في دبي وأبوظبي في رفع إيجارات الإمارات الشمالية بنحو 40%.

كذلك يؤدي الصراع إلى زيادة الطلب على مساحات التخزين؛ إذ صارت بعض الشركات الصناعية تحتفظ بمخزون أكبر محليا وتلجأ إلى الحصول على مستلزمات الإنتاج من موردين أقرب جغرافيا بهدف التحوط من تعطل سلاسل الإمداد، وفقا لميتال. ورغم أن تعثر الواردات في بداية الأزمة خلّف بعض المساحات الشاغرة في المستودعات، فإن الشركات سرعان ما شغلت تلك المساحات في خضم تكيفها مع الأوضاع الجديدة.

هذا التوجه سبق اندلاع الحرب: كانت الإيجارات الجديدة للمستودعات منخفضة بالفعل بنسبة 60.2% على أساس سنوي خلال الربع الثالث من 2025، بينما ارتفعت عقود التجديدات بنسبة 62.2%، وفقا لبيانات كافنديش ماكسويل التي نشرناها في يناير. وارتفعت متوسطات الإيجارات بنسبة 16.8% حينها، مع تزايد صعوبة إيجاد بدائل مناسبة. ثم جاءت الحرب لتعزز رغبة المستأجرين في البقاء في مواقعهم الحالية.

لكن من الصعب الاستغناء عن دبي؛ فموانئها ومطاراتها ومنظومة مناطقها الحرة وعمق شبكاتها اللوجستية تجعل البدائل أقل جاذبية للعديد من المستأجرين، بحسب صديقي. وإذا كان القرب من ميناء جبل علي أو المطار أو التوصيل السريع ضروريا لأعمال الشركة، فإن دفع العلاوة السعرية للبقاء في دبي يظل الخيار الأنسب.

ارتفاع الإيجارات يدفع الشركات إلى التفكير في بدائل أخرى: تشير "سي بي آر إي" إلى أن إيجارات المساحات الصناعية واللوجستية كانت ترتفع بنحو 20% سنويا في السنوات الأخيرة، وهو ما شكل ضغطا على شركات الخدمات اللوجستية التابعة لطرف ثالث، التي تعمل بهوامش ربح ضئيلة أصلا. غير أن وتيرة الارتفاع تراجعت إلى نحو 12.3% في دبي، مما يمنح المستأجرين متنفسا لترتيب أوضاعهم دون أن يعني ذلك أن الإيجارات أصبحت منخفضة فعليا. كما أن الانتقال إلى مواقع أقل تكلفة قد لا يكون مجديا بالضرورة، فالمستودعات الأقدم ربما تكون أقل كفاءة من حيث التصميم، أو محدودة الارتفاع، أو أضعف في قدرات التحميل، ما يصعب تحقيق أي وفورات فعلية.

موقف الملاك ما زال أقوى

لم يصل تأثير تباطؤ الأسعار إلى شريحة المساحات الممتازة؛ فبحسب تقديرات ميتال، لا تمثل المستودعات المُصنفة ضمن "الفئة أ" سوى 20% من إجمالي المساحات المعروضة في دبي، ولم تشهد إيجارات هذه المساحات عالية الكفاءة تباطؤا ملموسا.

استثمارات جديدة في الطريق، لكن ليس بالسرعة الكافية؛ فقد دشنت أوكتو و"جي إف إتش" منصة إماراتية سعودية للعقارات الصناعية واللوجستية بقيمة 300 مليون دولار في يونيو، وأعلنت لونيت وبلاكستون عن منصة لوجستية تركز على الخليج بقيمة 5 مليارات دولار في أكتوبر الماضي، إلى جانب مشاريع قيد التنفيذ من الدار وموانئ دبي العالمية وسويد آند سويد وآخرين. لكن الكثير من هذه المساحات إما محجوز مسبقا أو مشيد حسب طلب مستأجرين بعينهم. ويوضح صديقي أن "عدد الوحدات غير المحجوزة ما زال محدودا، علما بأن هذا النوع من الوحدات هو ما يعطي المستأجرين فرصا حقيقة للتفاوض لخفض الأسعار". ويتوقع ميتال أن تؤدي المشاريع الكبيرة إلى زيادة المعروض خلال العام أو العامين المقبلين.

لا تتوقعوا خفض الإيجارات أولا؛ إذ يرجح صديقي أن يتمسك الملاك بالقيم الإيجارية المعلنة ويقدموا تسهيلات قبل خفض الأسعار المطلوبة، مثل الإعفاء من الإيجار لفترات محددة أو إتاحة أنظمة أكثر مرونة لسداد الإيجارات أو تقديم حوافز أخرى. وتشهد بعض المناطق بالفعل استقرارا في الإيجارات على أساس ربع سنوي، لكن لا ترى كافنديش ماكسويل ولا "سي بي آر إي" أن المعروض المتاح أصبح كافيا لمنح المستأجرين اليد العليا في المفاوضات.

ما الذي قد يغير موازين السوق؟

يرى صديقي أن الحل يكمن في حدوث زيادة كبيرة في المساحات غير المحجوزة والجاهزة للإشغال في المناطق اللوجستية الأساسية. وحتى ذلك الحين، ينبغي متابعة مؤشرات أخرى كاستمرار تباطؤ الإيجارات، وتحول الحوافز التي يقدمها المُلاك إلى ممارسة معتادة وليست استثنائية. وسيكون ارتفاع المساحات الشاغرة أوضح مؤشر على تراجع قدرة الملاك على فرض شروطهم، لكنه سيظهر على الأرجح في مرحلة متأخرة.

في الوقت الحالي، تحقق الحرب ما لم يتمكن المعروض الجديد من تحقيقه بعد؛ إذ تدفع المستأجرين إلى البحث عن بدائل خارج دبي. لكن لم يتضح بعد ما إذا كان ذلك التوجه سيمنحهم ميزة تفاوضية فعلية؛ فهذا سيكون مرهونا بمدة استمرار الاضطرابات، وحجم المساحات الجديدة التي ستُطرح دون حجوزات مسبقة. وما لم يتمكن المستأجرون من التلويح بخيار الانتقال إلى مواقع أخرى، سيظل الملاك في موقف أقوى ولن يضطروا إلى تقديم تنازلات.