تتدفق الاستثمارات في الإمارات إلى جيل جديد من البنوك التي تضع الذكاء الاصطناعي في صميم بنيتها منذ البداية، بدلا من دمجه لاحقا في أنظمة قائمة بالفعل. وقد يكون قطاع التمويل الإسلامي المستفيد الأكبر من هذا التحول، نظرا للتكاليف الإضافية المرتبطة بمتطلبات الامتثال. وفي هذا السياق، جمعت منصة مال ومقرها أبوظبي تمويلا أوليا بقيمة 230 مليون دولار لتأسيس ما تصفه بأنه أول بنك رقمي إسلامي في العالم مبني بالكامل على الذكاء الاصطناعي. كما حصدت شركة سينابس أناليتكس تمويلا بقيمة 13 مليون دولار لتطوير منصة لاتخاذ القرارات تسهم في أتمتة قرارات الائتمان وإجراءات انضمام العملاء ومكافحة الاحتيال وغسل الأموال. أما بنك رويا الرقمي الإسلامي فيعتمد بالفعل على وكلاء الذكاء الاصطناعي لتحليل المستندات وإجراء التحققات وإعداد ملخصات للحالات قبل عرضها على الموظفين للموافقة.
الاختلاف هنا يكمن في البنية نفسها؛ فمعظم البنوك الإماراتية أمضت سنوات في دمج الذكاء الاصطناعي في خدمة العملاء واكتشاف الاحتيال وتقييم الائتمان دون تغيير آليات عملها من الأساس. وتستخدم نحو 44% من المؤسسات المالية في الإمارات الذكاء الاصطناعي بالفعل لخفض تكاليف التشغيل، وفقا لشركة البرمجيات المصرفية فيناسترا. لكن ما يحدث الآن مختلف؛ فالهدف ليس إضافة مزايا جديدة إلى النظام القائم، بل إعادة تصميم المحرك نفسه.
"قد يكون الحديث عن بنك قائم على الذكاء الاصطناعي مجرد دعاية تسويقية، ما لم تكن بنيته التقنية مصممة فعلا على هذا الأساس"، حسبما قال أحمد فاروق أيسان، العميد المشارك للبحوث في كلية الدراسات الإسلامية بجامعة حمد بن خليفة، في تصريحات لنشرة إنتربرايز الصباحية. ففي البنك المبني بالفعل حول الذكاء الاصطناعي، تُصمم البيانات بحيث تكون قابلة للقراءة آليا وفي الوقت الفعلي، في حين تعمل النماذج كخدمات مشتركة بين المنتجات والأقسام المختلفة. كما تصبح أنظمة الذكاء الاصطناعي المستقلة، القادرة على التخطيط لسلسلة من الإجراءات وتنفيذها، جزءا من سير العمل نفسه، بدلا من أن تكون مجرد أداة إضافية وفقا لأيسان، الذي يتوقع تحول أدوار الموظفين من تنفيذ المهام التشغيلية المكثفة إلى الإشراف على هذه الأنظمة ومراجعة عملها.
أهمية ذلك؟ يغير هذا التحول اقتصاديات العمل المصرفي. ويقول أيسان: "تبدأ البنوك في العمل بطريقة أقرب إلى شركات البرمجيات؛ إذ تتحمل تكاليف ثابتة مرتفعة، مقابل تكلفة هامشية منخفضة للغاية". ويضيف أن هذا التحول يزيد من الاستثمار الأولي المطلوب لبناء النماذج وحوكمتها، لكنه يخفض تكلفة معالجة كل عميل أو معاملة أو مستند إضافي.
ويضرب إل غورو راغافيندران، نائب الرئيس الأول للذكاء الاصطناعي والابتكار لدى شركة أزينتيو المتخصصة في برمجيات الأنظمة المصرفية الأساسية، مثالا بمحلل الائتمان؛ فبدلا من أن يقضي 30 دقيقة في جمع المعلومات عن طلب ما، يمكنه مراجعة الحالة خلال خمس دقائق فقط بعدما يكون الذكاء الاصطناعي قد جمع بياناتها وقيمها مسبقا. ويرى أن المكسب على المدى القريب يتمثل في خفض تكلفة كل طلب معتمد وزيادة عدد الطلبات التي يمكن معالجتها، وليس الخفض الفوري في تكاليف العمالة.
الأتمتة تختصر الوقت والعنصر البشري يحسم القرار الائتماني
ستبدأ الأتمتة بالمهام الروتينية التي تسير وفق إجراءات واضحة، وقد تحقق وفورات كبيرة في التكاليف؛ إذ يمكن للذكاء الاصطناعي خفض تكاليف التشغيل في النظام المصرفي والمالي الإماراتي بنسبة تتراوح بين 30 و50%، وفقا لتقديرات أولية. ويرى أيسان أن الأتمتة ستبدأ على الأرجح بإجراءات اعرف عميلك ومكافحة غسل الأموال، إلى جانب معالجة المستندات والتسويات والتحصيل وإعداد التقارير التنظيمية.
أما بالنسبة للقرارات الائتمانية فالأمر مختلف؛ فمنصة بيهايف في دبي المتخصصة في إقراض الشركات الصغيرة والمتوسطة، تستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي الخاصة بها لمراجعة بيانات المقترضين ورصد أي مؤشرات غير معتادة، لكنها تبقي نموذجها الائتماني داخل الشركة وتترك كل قرار نهائي للعنصر البشري، بحسب تصريحات الرئيس التنفيذي للمنصة بيت تافينر لنشرتنا. وأوضح تافينر أن القروض غير المضمونة التي تقترب قيمتها من 300 ألف دولار لن تُترك لنظام لا يمكن تفسير قراراته، بينما يمكن التوسع بدرجة أكبر في أتمتة القروض الأصغر التي تتراوح بين 50 و100 ألف درهم، أو الحالات التي تتوفر بشأنها معلومات كافية.
ومع ذلك، فإن الوقت الذي توفره هذه الأدوات أصبح ملموسا بالفعل؛ إذ استغرقت بيهايف 11 ساعة ونصف في تقييم الحالة الواحدة في بداية عام 2026، وتتوقع خفض هذه المدة إلى 5 ساعات بحلول نهاية العام. ويضيف تافينر: "أريد أن أكون قادرا على فهم كيف اتُّخذ القرار، وأن أمتلك سجلا كاملا يمكن الرجوع إليه ومراجعته".
قطاع التمويل الإسلامي المستفيد الأكبر
ارتفاع تكلفة الامتثال لأحكام الشريعة يفتح مجالا واسعا أمام الذكاء الاصطناعي، لا سيما مع الحجم الكبير للقطاع؛ إذ بلغت أصول البنوك الإسلامية في الإمارات 1.4 تريليون درهم في يونيو، فيما يستهدف القطاع رفعها إلى 2.5 تريليون درهم بحلول 2031. ويرى أيسان أن "الهياكل المتوافقة مع الشريعة الإسلامية تتحمل تكلفة إضافية للتوثيق والمراجعة مقارنة بالمنتجات التقليدية، وإذا ساهم الذكاء الاصطناعي في خفض هذه التكلفة، سيصبح طرح المنتجات الإسلامية أقل كلفة مقارنة بنظيراتها التقليدية"، ما قد يعزز تنافسية التمويل الإسلامي في الإمارات.
وقد يعيد ذلك الزخم إلى نماذج التمويل القائمة على تقاسم المخاطر. ويشير أيسان إلى أن التحول الأكبر "قد يحدث في جانب لطالما شكل تحديا لخبراء الاقتصاد الإسلامي على مدى الأربعين عاما الماضية". ويعتمد القطاع بدرجة كبيرة على المرابحة، وهي آلية تمويل تعتمد على البيع، بخلاف عقود تقاسم الأرباح والخسائر مثل المضاربة والمشاركة. ويرجع ذلك جزئيا إلى التكلفة الباهظة لمراقبة التدفقات النقدية للعديد من الشركات الصغيرة. ويضيف: "إذا أمكن متابعة أداء الشركات بشكل مستمر ومن دون تكلفة مرتفعة، فقد يصبح التمويل القائم على تقاسم المخاطر مجديا تجاريا على نطاق واسع للمرة الأولى".
ولن يحل الذكاء الاصطناعي محل علماء الشريعة؛ إذ لا يمكنه وحده تقييم مدى توافق المنتج المالي مع أحكام الشريعة، وفقا لأيسان. ويوضح أن "العلماء سيقضون وقتا أقل في المراجعات المتكررة بعد تنفيذ المعاملات"، مقابل تخصيص وقت أطول لتحويل الأحكام إلى قواعد يمكن للآلات قراءتها والإشراف على كيفية تطبيق الأنظمة لها، ما يعني أن هيئات الرقابة الشرعية ستحتاج إلى أعضاء أو مستشارين يفهمون آلية عمل هذه النماذج.
مصرف الإمارات المركزي يشترط وجود عنصر بشري يتحمل المسؤولية
تُبقي الإرشادات التي أصدرها مصرف الإمارات المركزي بشأن الذكاء الاصطناعي في فبراير مجالس الإدارات والإدارات العليا مسؤولة عن هذه الأنظمة وعن نتائجها. ويعتبر راغافيندران أن هذا هو السبب الرئيسي وراء تباطؤ البنوك في نقل وكلاء الذكاء الاصطناعي من المرحلة التجريبية إلى مرحلة الإنتاج الفعلي. ولا تجد البنوك مشكلة أتمتة مهام مثل تصنيف شكاوى العملاء، لكنها أكثر حذرا عندما يتعلق الأمر بالقرارات الائتمانية النهائية. ويؤكد أن "المسؤولية لا يمكن تفويضها للذكاء الاصطناعي".
وتشكل البيانات العقبة الأخرى؛ إذ تظل البنوك حذرة تجاه إرسال البيانات الحساسة إلى نماذج لغوية ضخمة خارجية، حتى وإن كانت الاستضافة محلية، وفقا لراغافيندران. وتتجاوز أزينتيو هذه المشكلة بإرسال مهندسيها للعمل من داخل مقار البنوك، حيث يجري تدريب النماذج مباشرة على بيانات البنك نفسه.
الوجه الآخر للذكاء الاصطناعي
فالقراصنة يستخدمون وكلاء الذكاء الاصطناعي أيضا. إذ ارتفعت وتيرة الهجمات السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي ارتفاعا ملحوظا في الأشهر الأخيرة، وكان قطاع الخدمات المالية من بين القطاعات الأكثر استهدافا. ويحذر أيسان من أن الهويات المزيفة وتقنيات التزييف العميق قد تقوض أنظمة التحقق من الهوية، في حين قد تُستغل ثغرات في التعليمات الموجهة إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي للتلاعب بها ودفعها إلى تنفيذ إجراءات غير مصرح بها. ويضيف: "عندما يستخدم كل من المهاجم والبنك وكلاء الذكاء الاصطناعي، قد يتفاقم الخطأ خلال ثوانٍ وليس أياما، وإذا لم يضع البنك حدودا واضحة لكل وكيل، ويحدد هويته وآلية لإيقافه عند الحاجة، فقد لا يكتشف المشكلة إلا بعد وقوع الخسائر".
فضلا عن ذلك، تحمل البيانات القديمة تحيزات سابقة. ففي الخليج، قد ترتبط الجنسية وجهة العمل ونوع التأشيرة ومكان الإقامة إحصائيا بقدرة العميل على السداد، لكنها قد تعمل أيضا كمؤشرات بديلة لسمات لا ينبغي أن تحدد إمكانية الحصول على الائتمان، بحسب أيسان. وإذا استُخدمت بيانات المعاملات بعناية، يمكن أن تفتح المجال لمنح الائتمان للمقترضين ذوي السجلات الائتمانية المحدودة، والعمال المهاجرين، والشركات الصغيرة.
أيضا: بحث فريق الذكاء الاصطناعي والابتكار لدينا عما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرا على جعل الإقراض أكثر إنصافا في مصر والخليج، وتطرق إلى إدراج سجل سداد خدمات الشراء الآن والدفع لاحقا ضمن التقارير الائتمانية في الإمارات، ولماذا يقوم بنك الإمارات دبي الوطني بتشغيل "تشات جي بي تي" عبر بنية تحتية محلية. اقرأ المزيد هنا.
العديد من المشاريع لن يكتب لها النجاح؛ إذ تتوقع مؤسسة غارتنر إلغاء أكثر من 40% من مشاريع وكلاء الذكاء الاصطناعي بحلول نهاية عام 2027، بسبب ارتفاع التكاليف أو عدم وضوح القيمة المضافة أو ضعف ضوابط المخاطر. ويرى أيسان أن الحل يكمن في دمج الحوكمة في بنية البنك من خلال "سجلات التدقيق وقوائم النماذج والتحقق المستقل وآليات للتصعيد للعنصر البشري"، بدلا من إضافتها بعد تشغيل الأنظمة.
وتوفر الإمارات سوقا مناسبة لاختبار البنوك القائمة على الذكاء الاصطناعي، بفضل قطاع مصرفي إسلامي ضخم، وإطار مركزي للرقابة الشرعية، ومنظومة خدمات مالية متطورة، إلى جانب إرشادات تنظيمية واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي، وفقا لأيسان. كما يمثل التنوع السكاني في الدولة اختبارا صعبا للنماذج المستخدمة في إجراءات التعرف على العملاء وتقييم الائتمان. ويعتقد أيسان أن البنوك الإماراتية التقليدية التي تتحرك مبكرا للتكيف مع هذا التحول قد تجد نفسها في موقع أقوى من المنافسين الجدد.
لكن النجاح لن يُقاس بعدد مبادرات الذكاء الاصطناعي أو الشراكات المعلنة. فنسب التكلفة إلى الدخل، وعدد القرارات التي جرى التحقق منها بشكل مستقل وشكاوى العملاء وتعديلات المراجعة البشرية ستوفر مقاييس أكثر دلالة على التقدم. أما في البنوك الإسلامية، فيضاف إلى ذلك عدد حالات عدم الامتثال للشريعة ونمو المنتجات القائمة على تقاسم المخاطر، بحسب أيسان.
وبالنسبة للبعض، فالتحول بات حتميا: تتجه برمجيات البنوك لتصبح قائمة بالأساس على الذكاء الاصطناعي، بما يغير طريقة تفاعل الموظفين مع الأنظمة، ويعيد في الوقت نفسه تشكيل آليات معالجة المعلومات واتخاذ القرارات داخل البنوك. ويقول راغافيندران: "سير العمل نفسه سيتغير مع الذكاء الاصطناعي، ولن [يستغرق] الأمر 5 سنوات. فعامان أو عامان ونصف العام قد يكونان كافيين".