Posted inرعاية صحية

قطاع الرعاية الصحية في الإمارات يتوسع بمنشآت أصغر وطموحات أكبر

تضخ شركات الرعاية الصحية مزيدا من الاستثمارات في مراكز جراحات اليوم الواحد والعيادات المتخصصة ومراكز صحة المجتمع، سعيا لتوسيع خدماتها بسرعة أكبر وبتكلفة أقل من بناء المستشفيات

تتجه الموجة الجديدة من توسعات قطاع الرعاية الصحية في الإمارات نحو منشآت أصغر، لكن دون تقليص حجم الطموحات. إذ يتوجه عدد متزايد من شركات خدمات الرعاية الصحية إلى إنشاء مراكز لجراحات اليوم الواحد وعيادات متخصصة ومراكز طبية مجتمعية ضمن شبكات مستشفياتها، وبذلك ينتقل جانب أكبر من الاستشارات والتشخيصات وحتى العمليات الجراحية إلى منشآت أقل تكلفة وأسرع في الإنشاء من المستشفيات التقليدية.

أسست برجيل منصة مستقلة لتتولي هذا التوجه ضمن استراتيجية المجموعة؛ إذ ضمت مراكزها الأربعة لجراحات اليوم الواحد في الإمارات تحت مظلة منصة متخصصة، في ظل استعدادها لإضافة 4 مراكز أخرى في الإمارات ومركزين في السعودية، وفقا لبيان صحفي (بي دي إف). وستحظى هذه المراكز بإدارة مستقلة تكون مسؤولة عن النمو والربحية وكفاءة رأس المال والعوائد المالية، مما يؤكد أن خدمات الرعاية الصحية للمرضى الخارجيين لم تعد مجرد خدمة فرعية لشبكة المستشفيات، بل أصبحت قطاعا قائما بذاته قادر على تحقيق النمو.

ولا تقتصر هذه الاستراتيجية على برجيل؛ إذ ارتفعت أعداد المرضى الخارجيين لدى شركة بيور هيلث في الإمارات بنسبة 7% على أساس سنوي خلال النصف الأول من عام 2026 بعد نمو بنسبة 17% في عام 2025، تزامنا مع افتتاحها 6 عيادات جديدة في السعديات والمسعودي والروضة. وفي الوقت نفسه، فإن شركة "إم 42" جمعت الجزء الأكبر من خدماتها الموجهة للمرضى تحت منصة تضم 480 عيادة عالميا، لتشمل إدارة العيادات الخارجية والأمراض المزمنة، والتشخيص، والجراحات التخصصية، وغيرها من الخدمات.

أما في مجموعة "إن إم سي"، فقد أصبحت خدمات الرعاية الصحية للمرضى الخارجيين هي القطاع الأكبر بالفعل، إذ تمثل الاستشارات والتشخيصات وحالات اليوم الواحد وصيدليات العيادات الخارجية نحو ثلثي إيرادات المجموعة، بحسب ما قاله الرئيس التنفيذي للاستراتيجية كريس حبيب لنشرة إنتربرايز الصباحية. وتسجل خدمات اليوم الواحد نموا بوتيرة أسرع مقارنة بخدمات رعاية المرضى الخارجيين والداخليين التقليدية.

التوسع في الرعاية لا يعني بناء مستشفيات جديدة

الفارق في التكلفة يصعب تجاهله؛ فمركز جراحات اليوم الواحد يحتاج إلى بنية تحتية أقل بكثير من المستشفى المتكامل، ويمكن افتتاحه وبدء تشغيله بسرعة أكبر، كما أنه يتيح تجنب تكاليف التشغيل الأساسية المرتبطة بالمستشفيات مهما ارتفعت معدلات الإشغال، وفقا لما صرح به روبن جوزيف، الرئيس التنفيذي للشؤون المالية لدى مجموعة برجيل لإنتربرايز. وتجدر الإشارة هنا إلى أن هوامش أرباح مراكز جراحات اليوم الواحد التي بلغت مرحلة النضج التشغيلي ضمن محفظة المجموعة في الإمارات تعد من بين الأعلى على مستوى المجموعة ككل قبل احتساب الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك.

وتوضح خطة توسع مجموعة برجيل في السعودية هذه الفوارق بالأرقام؛ إذ يحتاج كل مركز تعتزم المجموعة افتتاحه تحت علامة "برجيل ون" لجراحات اليوم الواحد إلى نحو 140 مليون درهم من النفقات الرأسمالية، فيما يتوقع أن تتجاوز إيراداته السنوية 200 مليون درهم عند استقرار أعماله، مع تسجيل هوامش أرباح تقارب 25% قبل احتساب الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك. وتتوقع برجيل أن تصل هذه المراكز إلى نقطة التعادل على مستوى الأرباح المذكورة في عامها الثاني، وأن تبلغ نسبة إشغال الأسرَّة نحو 80% بحلول العام الثالث. وأوضح جوزيف أن "مراكز جراحات اليوم الواحد هي الأصول الأكفأ في توظيف رأس المال ضمن هذه المحفظة، فهي الأسرع في الإنشاء، والوصول إلى معدلات تشغيل مرتفعة، واسترداد التكاليف مقارنة بأي مستشفى".

وبدأت هذه الاستراتيجية تؤتي ثمارها خارج الإمارات أيضا. فقد صرح لنا شمشير فاياليل، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمجموعة برجيل، في شهر يوليو الماضي، بأن المجموعة تراهن في توسعها بالسعودية على مراكز جراحات اليوم الواحد المتخصصة بدلا من ضخ رؤوس الأموال في بناء مستشفيات تتسع لما يتراوح بين 200 و500 سرير، وتطمح للوصول إلى 8 أو 10 مراكز في نهاية المطاف فور تقييم كفاءة المرحلة الأولى من المنشآت.

لكن المراكز الأصغر لا تعني بالضرورة الاستثمار الأفضل. توضح مجموعة "إن إم سي" أن العيادات قد تتطلب رأس مال أقل ووقتا أقصر لإنشائها، إلا أن جدواها الاقتصادية تعتمد اعتمادا كبيرا على الموقع، والانضمام إلى شبكات مقدمي الخدمة لدى شركات التأمين وإنتاجية الأطباء وتنوع التخصصات، فضلا عن دورها ضمن شبكة الرعاية الأوسع. ويقول حبيب: "قد تستغرق العيادة وقتا أطول بكثير من المتوقع حتى تصل إلى مرحلة النضج إذا لم تحظَ بطلب كاف، أو لم يكن لها دور واضح في إحالة المرضى داخل الشبكة".

ولهذا يصبح تكامل الشبكة الطبية أهم من المبنى نفسه؛ فمراكز صحة المجتمع تستطيع تقديم الرعاية الأولية والتشخصيات وغالبا ما تكون قريبة من منازل المرضى، في حين يتولى مركز جراحات اليوم الواحد التعامل مع الإجراءات الأقل تعقيدا، مما يتيح للمستشفى تخصيص أسرته عالية التكلفة وغرف عملياته وأطبائه المتخصصين للمرضى الذين يحتاجون بالفعل إلى هذا المستوى من الرعاية.

لذا "فإن الهدف ليس تفضيل نموذج على آخر، وإنما توجيه كل مريض إلى بيئة الرعاية السريرية المناسبة، واستثمار كل [درهم] في الأصل المناسب"، حسبما قال جوزيف.

المستشفيات تركز على الحالات الأكثر تعقيدا

يرجع نجاح هذا التحول إلى إمكانية نقل المزيد من خدمات الرعاية خارج المستشفيات؛ فالتطور في تقنيات الجراحة محدودة التدخل والتخدير والتشخيص ومتابعة المرضى بعد العمليات أتاح إجراء مجموعة متزايدة من الإجراءات الطبية في تخصصات العيون والعظام والمناظير وأمراض النساء والأنف والأذن والحنجرة والجراحات العامة البسيطة دون الحاجة إلى مبيت المرضى، وفق "إن إم سي" وبرجيل.

وهذا لا يلغي الحاجة إلى المستشفيات، بل يجعل دورها أكثر تخصصا. تشير برجيل إلى أن نقل كل إجراء طبي مناسب إلى مراكز جراحات اليوم الواحد يسهم في توفير المزيد من الأسرة وغرف العمليات للتعامل مع الحالات المعقدة التي تحتاج إلى رعاية تخصصية وفائقة التخصص. وبالمثل، تخصص "إن إم سي" إمكانات مستشفياتها للطوارئ والخدمات الأكثر تعقيدا التي تتطلب مشاركة فرق من تخصصات متعددة.

وتعود هذه المعادلة بمكاسب مالية على كلا الجانبين، إذ يمكن لمراكز جراحات اليوم الواحد اقتناص عوائد تقديم الاستشارات والتشخيص والإجراءات الطبية والمتابعة، في حين تستفيد المستشفيات من التجهيزات الأعلى تكلفة لعلاج الحالات الأكثر تعقيدا، بحسب جوزيف.

وتشير النتائج السابقة إلى أن المرضى يتجهون بالفعل نحو هذا المسار. فقد ارتفعت إيرادات المراكز الطبية التابعة لبرجيل بنسبة 15.8% على أساس سنوي خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، ونمت إيرادات العيادات الخارجية بنسبة 10.8% كما أوردنا سابقا. وواصل الإقبال على العيادات الخارجية نموه في عام 2026، مما ساهم في زيادة إجمالي عدد زيارات المرضى بنسبة 9.9% على أساس سنوي ليصل إلى 3.7 مليون زيارة خلال النصف الأول.

المرضى يبحثون عن الراحة.. وشركات التأمين تسعى لخفض الفاتورة

بالنسبة للمرضى، الميزة واضحة؛ فوجود أماكن الرعاية بالقرب من أماكن السكن والعمل يعني تقليل وقت التنقل وتسهيل الوصول للاستشارات الطبية والتشخيص والمتابعة ورعاية الأمراض المزمنة، فضلا عن تقليص حالات المبيت غير الضرورية في المستشفيات، بحسب حبيب.

في المقابل، فإن شركات التأمين لديها حافز أوضح، إذ أن العلاج في نفس اليوم يوفر التكاليف الإضافية المتعلقة بالأسرة والتمريض والموارد الأخرى للمستشفى، وفقا لجوزيف. ويشير حبيب إلى أن سياسات شركات التأمين في الإمارات لها بالفعل "تأثير كبير" على مسارات إحالة المرضى، ومتطلبات الموافقات المسبقة على العلاج، وتحديد الأماكن المسموح بتلقي العلاج فيها.

وأصبح من الصعب على مقدمي الرعاية الصحية تجاهل الضغوط المتزايدة التي تقلص ما يحصلون عليه مقابل خدماتهم. فقد بدأ نظام الرعاية الصحية في أبوظبي تشديد آليات تدفق الأموال في القطاع. وتراجعت إيرادات خدمات الرعاية لشركة بيور هيلث داخل الإمارات بنسبة 13% على أساس سنوي في الربع الأول، إثر تطبيق برنامج الشراء الموحد الذي يعمل على مركزية شراء الأدوية وتوحيد آليات سداد المطالبات عبر برامج التأمين المدعومة حكوميا، رغم استمرار ارتفاع أعداد المرضى في العيادات الخارجية والداخلية. وتناولنا هذا بالتفصيل من قبل.

وتلعب بيور هيلث دورا مزدوجا في هذه المعادلة؛ إذ تضم شبكتها للرعاية "عيادات صحة" بعد تغيير علامتها التجارية، بينما تغطي ذراعها التأمينية، المتمثلة في شركة ضمان، أكثر من 3 ملايين مشترك. وجاءت توسعات شركة ضمان في العام الماضي بالتزامن مع استمرار بيور هيلث في دمج شبكة رعايتها الخارجية ضمن "عيادات صحة". وهذا لا يعني أن شركة التأمين تفرض مكانا محددا لعلاج المرضى، لكنه يعكس مدى التداخل الوثيق بين تقديم خدمات الرعاية وحسابات الجهات التي تتحمل تكلفتها.

وتتحقق الاستفادة القصوى عندما تتلاقى جميع هذه المصالح. يؤكد حبيب أن "النموذج الأقوى ليس ذلك الذي يسعى فيه المريض ومقدم الخدمة وشركة التأمين لتحقيق أهداف مختلفة، بل هو النموذج الذي يحسن النتائج الطبية ويسهل حصول المريض على الرعاية، مع تجنب الاستخدام غير الضروري للبنية التحتية عالية التكلفة للمستشفيات".

تحول هيكلي في تخصيص رأس المال.. وليس في حجم الطلب

إذن، هل يشهد القطاع حقا تحولا هيكليا؟ نعم، لكن هذا التحول يتجلى بوضوح أكبر في وجهة تخصيص رأس المال، ولا يعني تراجع الطلب على المستشفيات. فجميع مقدمي الخدمات الذين أشرنا إليهم لم يتوقفوا عن بناء المستشفيات؛ إذ ارتفعت أعداد المرضى الذين استقبلتهم مستشفيات بيور هيلث في الإمارات بنسبة 10% على أساس سنوي خلال النصف الأول، وبلغت نسبة إشغال الأسرَّة 75%. كما تخطط برجيل لإضافة 4 مراكز لجراحات اليوم الواحد و6 مراكز طبية في الإمارات بحلول عام 2028، لكنها تعتزم أيضا بناء مستشفيين جديدين.

وينطبق الأمر ذاته على "إم 42"، التي تشمل خططها التوسعية خدمات العيادات الخارجية ورعاية الأمراض المزمنة، إلى جانب المستشفيات ذات التخصصات الدقيقة وخدمات التشخيص وإعادة التأهيل وصحة السكان. وقد عزز تعديل هيكلها التشغيلي في 2025 دور خدمات العيادات الخارجية في أعمالها، مع الحفاظ على المنشآت المخصصة لعلاج الحالات الأكثر تعقيدا.

ما يتغير فعليا هو طبيعة الاستجابة لزيادة الطلب؛ فزيادة الكثافة السكانية في منطقة معينة لم تعد تعني تلقائيا الحاجة إلى بناء مستشفى كبير جديد. لذا تدرس "إن إم سي" التركيبة السكانية والتغطية التأمينية والخدمات الطبية المتاحة والتخصصات التي تعاني نقصا، إلى جانب سهولة تنقل المرضى وتوافر الأطباء، ومدى لجوء السكان للحصول على العلاج من خارج المنطقة، قبل اتخاذ قرار بشأن احتياج أي سوق إلى مستشفى أم مركز متخصص أم عيادة أصغر. ويحذر حبيب من أن إضافة أي سعة جديدة دون دراسة هذه العوامل قد يؤدي إلى توزيع المرضى على عدد أكبر من المنشآت، لتتراجع بذلك معدلات التشغيل إلى مستويات لا تضمن استدامة أعمالها.

وتتزايد هذه المخاطر مع توجه الجميع إلى تطبيق النموذج نفسه؛ إذ تقول "إن إم سي" إن إنشاء العيادات المتخصصة أسهل نسبيا مقارنة بالمستشفيات، مما يتيح للمشغلين المتخصصين التركيز على خدمات معينة دون الحاجة إلى منافسة المستشفيات بكامل إمكاناتها. ويثير هذا التوجه احتمالات الوصول إلى فائض في السعة بالمناطق المكتفية بالخدمات إذا جرى افتتاح مراكز جديدة بناء على افتراضات النمو السكاني وحدها دون النظر إلى الفجوات الفعلية في خدمات الرعاية.

الخلاصة أن العيادات ومراكز اليوم الواحد تستقطب مزيدا من الاستثمارات حاليا، فيما تظل المستشفيات جزءا أساسيا من خطط التوسع. وستكون الاستفادة الأكبر من نصيب شبكات الرعاية التي تنجح في تقديم الخدمات الروتينية وحالات اليوم الواحد في منشآت أقل تكلفة، مع ضمان استمرارية رعاية المريض وتخصيص تجهيزاتها الأعلى تكلفة للحالات التي تحتاج إليها فعلا. ويختتم حبيب حديثه قائلا إن "مستقبل الرعاية الصحية لا يعني إحلال المستشفيات محل العيادات أو العكس، بل يتمثل في بناء مسارات رعاية متكاملة".