تتحمل شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية فاتورة إنشاء خط مياه النيل المغذي للعاصمة الجديدة، والذي قفزت تكلفته إلى أكثر من الضعف لتصل إلى نحو 40 مليار جنيه. ولتعويض هذه الزيادة، اقترحت الشركة على الحكومة أن تحدد بنفسها تعريفة المياه، إلا أن الرد جاء برفض الطلب لعدم إمكانيته، وفقا لما قاله مدير عام إدارة المرافق بالشركة ناجح إبراهيم في تعليقات لنشرة إنتربرايز الصباحية.
تسير أعمال تنفيذ الخط بوتيرة تسبق الجدول الزمني المحدد؛ إذ من المقرر بدء التشغيل التجريبي في 30 أبريل 2027، أي قبل شهرين من موعد التسليم المتعاقد عليه في 30 يونيو 2027، حسبما قال أحمد هاني، مدير مشروع نقل مياه النيل لدى شركة حسن علام للإنشاءات، في مقابلة مع رانيا الشامي ببرنامج تعمير المذاع على قناة أون (شاهد، من 00:20 إلى 04:05 دقيقة). يضم تحالف المقاولين المنفذين للمشروع كلا من حسن علام للإنشاءات وأوراسكوم كونستراكشون والمقاولون العرب، إلى جانب شركة رابعة لم يُكشف عن اسمها، وفقا لما صرح به هاني لنشرة إنتربرايز. وبمجرد تشغيله، سينقل الخط المياه العكرة من مأخذ رئيسي على نهر النيل إلى محطة التنقية بالعاصمة.
من يدفع الفاتورة؟
فيما يخص التسعير، اعتقدت شركة العاصمة الإدارية أن لديها حجة قوية لإقناع الحكومة بالسماح لها بتحديد تعريفة المياه. فعادة ما تتحمل موازنة الدولة تكلفة مشاريع المياه في المدن والمحافظات وتترك إدارتها للشركات، بحسب ما أوضحه إبراهيم لإنتربرايز. لكن الوضع هنا مختلف، إذ تتولى شركة العاصمة الإدارية كل شيء؛ فقد تحملت تكلفة إنشاء الخط، وتمتلكه، وتتولى تشغيله. وأشار إبراهيم إلى أن التكلفة التقديرية الأولية تراوحت بين 15 و19 مليار جنيه، لكن التغيرات في سعر الصرف وحدها رفعت التكلفة إلى نحو 40 مليار جنيه، موضحا أن الشركة المطورة كانت تخطط لاسترداد هذا الفارق من خلال تسعيرة المياه.
لكن المشكلة تكمن في أن مجلس الوزراء هو الجهة الوحيدة المخولة بتحديد تعريفة المياه، وذلك بناء على دراسات جهاز تنظيم مياه الشرب وقرارات وزارة الإسكان. وتلزم هذه القرارات جميع المطورين في المدن الجديدة بتركيب عدادات للعملاء وتحصيل الرسوم وفقا للتعريفة الرسمية دون استثناء. وفي هذا السياق، قفزت مخصصات الدعم لشركات المياه الحكومية إلى 5 مليارات جنيه في موازنة العام المالي 2026-2027، مقارنة بنحو ملياري جنيه في البيان المالي لوزارة المالية للعام 2025-2026 (بي دي إف).
لذا، تمتلك شركة العاصمة الخط لكنها لا تملك تحديد سعر الخدمة. ويقول إبراهيم عن ذلك: "حاولنا تحديد تعريفة خاصة بنا، لكن الحكومة أبلغتنا بعدم إمكانية ذلك". ولم يغير قانون تنظيم مرافق المياه الجديد هذه القواعد أيضا. وأضاف إبراهيم أن الطريقة الوحيدة التي قد تمكن الشركة مستقبلا من تمرير تكاليفها الرأسمالية إلى فواتير المستهلكين هي أن تتخلى الحكومة عن التعريفة تماما وتحرر أسعار المياه.
كيف يُنفذ الخط؟
ستنقل 3 خطوط أنابيب متوازية مياه النيل لمسافة 49 كيلومترا من المأخذ، لتمر بخمس محطات رفع، ثم تصل إلى محطة التنقية. ويبلغ قطر كل خط 2,200 مم، وفقا لما أوضحه هاني لنشرة إنتربرايز. وستُضخ السعة الإجمالية البالغة 1.5 مليون متر مكعب يوميا على مراحل؛ إذ تُنفذ محطة المأخذ ومحطة الرفع الأولى لتعملا بكامل طاقتهما الاستيعابية، بينما ستبدأ المحطات الأربع الأخرى بطاقة 800 ألف متر مكعب يوميا، وهو ما يعادل نصف السعة الإجمالية تقريبا. أما محطة التنقية فتُنفذ بالنهج ذاته على 4 مراحل؛ وستعالج المرحلة الأولى الجاري تنفيذها حاليا 400 ألف متر مكعب يوميا من إجمالي سعتها المستقبلية، البالغة 1.5 مليون متر مكعب يوميا، وذلك باستخدام المرشحات الرملية الديناميكية.
وبالنسبة للمقاولين المنفذين للخط، كانت طبيعة التربة هي التحدي الأكبر. فبالقرب من النيل حيث يقع المأخذ يرتفع منسوب المياه الجوفية، مما دفع عمال البناء لإنشاء حوائط لوحية خرسانية بعمق 41 مترا تحت الأرض للسيطرة عليها، حسبما أوضح هاني. ويواجه مسار الخط تحديات أيضا، إذ يمر عبر جبال ويمتد لأعماق تصل إلى 30 مترا، ويقطع مخرات سيول ووديان استلزم ردمها بارتفاع 30-40 مترا، بحسب قوله.
كما يمر مسار الأنابيب عبر أراض زراعية، مما تطلب نزع ملكيات عقارات ونقل مقابر. وقد مهد مجلس الوزراء لذلك قانونيا بقرار في نوفمبر 2020 اعتبر المشروع من أعمال المنفعة العامة، مما أتاح للدولة الاستيلاء مباشرة على الأراضي المطلوبة. ولم تعرقل سلاسل الإمداد سير العمل على الإطلاق، إذ يوضح إبراهيم أن "الأنابيب والمعدات جرى تأمينها في مرحلة مبكرة"، رغم أن تقلبات سعر الصرف أدت إلى تضخم التكلفة.
خلفية: أُسند عقد المشروع في عام 2019، أي قبل عام من صدور قرار مجلس الوزراء. وفي ذلك الوقت، كانت العاصمة الإدارية تحصل على احتياجاتها من المياه عبر خطوط من مدينتي العاشر من رمضان والقاهرة الجديدة، وفقا للبيان ذاته الصادر عن مجلس الوزراء.
من الخطوط المؤقتة إلى مياه النيل
لا تزال العاصمة تعتمد على الخطوط القادمة من العاشر من رمضان والقاهرة الجديدة. فهناك أنبوبان بقطر 1,000 مم، يمتد أحدهما بطول 34 كيلومترا من محطة العاشر من رمضان، والآخر بطول 33 كيلومترا من محطة القاهرة الجديدة، ويتمتعان "بطاقة استيعابية إجمالية تبلغ نحو 225 ألف متر مكعب يوميا"، بحسب إبراهيم. وكاد ينتهي العمل على تطوير خط ثالث يمتد إلى العاصمة من العاشر من رمضان، ليضيف 100 ألف متر مكعب أخرى، ما سيرفع السعة الإجمالية إلى نحو 300 ألف متر مكعب، وهي كمية تكفي لمدة 5 سنوات.
لكن العاصمة الجديدة لن تحتاج لهذه الخطوط المؤقتة كل تلك المدة، إذ سيصبح خط النيل المصدر الدائم والرئيسي للمياه في العاصمة، وفقا للشركة المصرية للخرسانة سابقة الإجهاد الموردة للأنابيب. وستبقى الخطوط القديمة كبديل احتياطي. وعند عمل خط النيل بكامل طاقته البالغة 1.5 مليون متر مكعب يوميا، سيغذي الخط مساحة 87 ألف فدان، وهي المساحة الإجمالية للمرحلتين الأولى والثانية من العاصمة الإدارية.
يبلغ عدد سكان العاصمة حاليا 10 آلاف نسمة. وتستهدف شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية الوصول إلى 50 ألف نسمة بحلول نهاية عام 2026، وهو جزء ضئيل من إجمالي عدد السكان الذي صُممت المدينة لاستيعابه، والذي يصل إلى 6.5 مليون نسمة، وفقا لبيان صادر عن مجلس الوزراء في نوفمبر 2019. وحتى مع بلوغ هذا العدد، ستستهلك المدينة نحو 10 آلاف متر مكعب من المياه يوميا، أي أقل من 1% من السعة التصميمية لخط النيل الجديد.
البديل هو خفض تكاليف التشغيل
في ظل عدم امتلاكها لخيار فرض تعريفتها الخاصة، تركز شركة العاصمة على خفض التكاليف. ولذا يعتمد الخط بالكامل على تكنولوجيا حديثة لتقليل تكاليف التشغيل؛ إذ يُدار من خلال نظام للمراقبة والتحكم وجمع البيانات، يقلل الهدر ويراقب جودة المياه ونسب العكارة ومستويات الكلور على مدار الساعة، حسبما صرح أحمد الزيات، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة إدارة الأنظمة الهندسية، في تعليقاته لنشرة إنتربرايز. ويغطي هذا النظام جميع المراحل من المأخذ إلى نقاط التوزيع، بالإضافة إلى نظام منفصل للتحكم في التسربات "يراقب جميع الخطوط الناقلة البالغ طولها 49 كيلومترا مراقبة لحظية"، بحسب هاني. ويرتبط كلا النظامين بمركز إدارة الأزمات في العاصمة.
لا تُهدر المياه تماما في المدن الجديدة مثل القاهرة الجديدة، حيث تتميز المحطات بالتطور وتعتمد على العدادات قبل عملية الضخ وبعدها، كما يقول الزيات. إلا أن الشبكات القديمة تعد أكثر تعقيدا، و"لا يمكن للتكنولوجيا وقف التسربات في الأنابيب المتهالكة بالمحافظات القديمة"، بل يقتصر دورها على رصدها لحظيا، لتقلص زمن الإصلاح من 5 ساعات إلى بضع دقائق فقط.
وفي الشبكات القديمة، تتولى العدادات الذكية الدور الأكبر؛ إذ تكتشف التسربات مبكرا وتوفر للمشغلين البيانات اللازمة لتسعير المياه وتحسين مستوى الخدمة، حسبما صرح مصطفى عاشور، العضو المنتدب لأفريقيا وآسيا في شركة إسكرا إمكو، ذراع إدارة المياه والطاقة التابعة للسويدي إليكتريك، في تعليقات لنشرة إنتربرايز الصباحية. وبالنسبة للمحطات، يعني هذا تقليل تكاليف التشغيل. وأوضح عاشور في تصريحات سابقة لإنتربرايز أن تكنولوجيا إسكرا إمكو تسهم في خفض الفاقد بالشبكات الحالية بنسبة تتراوح بين 20% و 30% خلال عام واحد.
أما بالنسبة للمرحلتين الثالثة والرابعة من العاصمة، فربما تتجه الشركة لاحقا نحو الاعتماد على تحلية المياه. وتتوقع الشركة المطورة أنه بحلول موعد انطلاق هاتين المرحلتين، ستكون تقنيات استخلاص الأملاح من المياه المرتجعة من عمليات التحلية قابلة للاستخدام، مما سيجنب المحطات الواقعة على خليج السويس الآثار السلبية لارتفاع الملوحة. وحتى الآن، تلعب التحلية دورا هامشيا؛ إذ توفر نحو 1% فقط من احتياجات مصر المائية، وفقا للأرقام التي كشف عنها وزير الموارد المائية والري هاني سويلم. ويؤكد إبراهيم من جانبه أن مياه النيل "ستكفي احتياجات الشاغلين لأكثر من 20 عاما".