إطار تنظيمي حاضر وسوق غائبة: بعد مرور نحو خمس سنوات على طرح الحكومة أول سندات خضراء سيادية في المنطقة بقيمة 750 مليون دولار، وثلاث سنوات على إصدار لاحق موعود بقيمة 500 مليون دولار لم يتحقق، استقر إجمالي الإصدارات الخضراء والمرتبطة بالاستدامة في مصر عند 1.45 مليار دولار فقط. وكما أشرنا الأسبوع الماضي، فإن مصر تمتلك الإطار التنظيمي لسوق أدوات الدين الخضراء، لكن السوق ذاتها لم تتشكل فعليا بعد. وقد أجمع المصرفيون وخبراء الاستدامة الذين تحدثنا إليهم على أسباب ذلك.
أفادت مصادر لإنتربرايز بأن المشكلة لم تكن في القواعد التنظيمية على الإطلاق. لكن السبب الحقيقي في ركود السوق هو تكاليف الاقتراض الباهظة، وتذبذب العملة الذي صعّب الجدوى الاقتصادية لأي إصدار مقوم بالدولار، وندرة المشاريع الجاذبة للتمويل وطرحها في السوق، وهي عوامل أعادت تشكيل أولويات جهات الإصدار بوقت طويل قبل أن يطال تأثيرها أدوات الدين الخضراء تحديدا.
تذكر: شهدت السوق ثلاث صفقات كبرى منذ طرح أول سندات خضراء سيادية في عام 2020؛ السندات الخضراء للبنك التجاريالدولي بقيمة 100 مليون دولار في نوفمبر 2021، والتي اكتتبت فيها مؤسسة التمويل الدولية بالكامل؛ وسندات الاستدامة للبنك العربي الأفريقي الدولي بقيمة 500 مليون دولار، وشاركت فيها مؤسسة التمويل الدولية بقيمة 300 مليون دولار واستثمر كل من البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية والمؤسسة البريطانية للاستثمار الدولي نحو 100 مليون دولار لكل منهما؛ والقرض المرتبط بالاستدامةلبنكمصر بقيمة 100 مليون دولار في يوليو 2024 بترتيب من البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية وربط شروطه بتحقيق أهداف مجتمعية محددة. واحتاجت كل صفقة من الصفقات الثلاث إلى دعم مؤسسة تمويل تنموي حتى تطرح في السوق.
ولم يُنفذ الإصدار الإضافي الموعود للسندات الخضراء بقيمة 500 مليون دولار لعام 2023. ولا تزال وزارة المالية تنتظر ضمانة من البنك الأفريقي للتنمية لتفعيل إطار جديد وإصدار سندات ساموراي خضراء بقيمة 500 مليون دولار، وفقا لما صرح به مسؤول حكومي رفيع لنشرة إنتربرايز في نوفمبر الماضي. ومنذ ذلك الحين، اقترضت مصر من الخارج ثلاث مرات، لكن لم يكن أيا منها إصدارا أخضر.
المشهد الكلي: انخفضت إصدارات أدوات الدين غير المرتبطة بالأسهم (سندات الشركات والتوريق) بنسبة 36.2% خلال عام 2024، وفقا لبيانات صادرة عن الهيئة العامة للرقابة المالية، تزامنا مع قفزة أسعار الفائدة المرجعية للبنك المركزي المصري من 9.75% في مارس 2022 إلى 27.75% في مارس 2024. والمشكلة ليست مقتصرة على السوق الخضراء تحديدا، فهذا ما يحدث لإصدارات الديون بجميع أنواعها عندما تتضاعف تكاليف الاقتراض نحو ثلاث مرات خلال عامين. وقال مصطفى مراد، خبير البيئة والطاقة لإنتربرايز: "عندما بلغت أسعار الفائدة نحو 27%، لم تكن أي جهة إصدار مستعدة لطرح سندات لأجل 10 سنوات بالجنيه. وفي الوقت ذاته، أصبح الإصدار بالدولار محفوفا بمخاطر أكبر بكثير بسبب تقلبات أسعار الصرف".
الإطار التنظيمي ليس هو العائق. قال المحلل المالي محمد عبد المنعم لإنتربرايز: "الإطار التنظيمي موجود بالفعل، لكن التحديات تتعلق بالتسعير وارتفاع تكلفة التمويل"، مشيرا إلى إطار عمل سوق الكربون والتمويل المستدام التابع لهيئة الرقابة المالية، الذي أُصدر لأول مرة مع ضوابط إصدار السندات الخضراء في 2018 وجرى توسيعه منذ ذلك الحين، إلى جانب إطار التمويل السيادي المستدام لوزارة المالية الصادر في 2022. ولفت عبد المنعم إلى خمسة عوامل متداخلة: ارتفاع أسعار الفائدة، وإرجاء الشركات للتمويل طويل الأجل، وندرة المشاريع الجاهزة للإصدار، وتكلفة إعداد أطر العمل الخضراء، والحصول على تقييمات خارجية مستقلة.
ناهيك عن عبء آلية تعديل حدود الكربون التابعة للاتحاد الأوروبي: أضاف هشام عيسى، محلل علوم البيئة وتغير المناخ وعضو مجلس إدارة شركة " دي كاربون جلوبال ": "ساهمت حالة عدم اليقين المحيطة بآلية تعديل حدود الكربون التابعة للاتحاد الأوروبي أيضا في تباطؤ الإصدارات، لا سيما بالنسبة للمصدرين الذين ما زالوا يقيّمون تداعياتها طويلة الأجل".
في غضون ذلك، تسد القروض المرتبطة بالاستدامة الفجوة. قال عبد المنعم: "أصبحت القروض المرتبطة بالاستدامة أكثر جاذبية لأنها أبسط، وأقل تكلفة، وأكثر مرونة، ولا تتطلب تخصيص العائدات لمشاريع خضراء محددة". بينما أشارت شيماء وجيه، أستاذة الاقتصاد بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، إلى أن البنوك تميل بشكل متزايد إلى القروض المرتبطة بالاستدامة لحين تحسن ظروف الإصدارات، لكونها أسرع في التنفيذ، ومرتبطة بمؤشرات أداء قابلة للقياس، وأرخص من أدوات الدين العام.
وتتفق المصادر الأربعة التي تحدثنا إليها على أكبر نقطة ضعف هيكلية في السوق: قلة المشاريع الجاهزة للتمويل عبر أسواق المال. وقال عبد المنعم في هذا الشأن: "هناك مشاريع جيدة، لكن ليست جميعها جاهزة للتمويل عبر سوق المال. نحتاج إلى تطوير قاعدة أكبر من المشاريع الخضراء، لا سيما في مجالات الطاقة المتجددة، والنقل النظيف، وتحلية المياه، وإدارة المخلفات، والمباني الخضراء". ولا يمثل التمويل في حد ذاته العائق، وفقا لعضو مجلس إدارة البنك المصري الخليجي والمصرفي المخضرم محمد عبد العال، بل إن السوق تفتقر إلى المشاريع التي تلبي المعايير البيئية والفنية والمالية التي تتطلبها الإصدارات. وأضاف عيسى أن مصر تحتاج إلى مزيد من الخبرات الفنية لهيكلة مشاريع خضراء مؤهلة للتمويل، خاصة في قطاع المباني الخضراء.
وتستلزم السندات الخضراء تكاليف إضافية لا تتطلبها أدوات الدين التقليدية. فالتقييمات المستقلة، والتدقيق الخارجي، والتقارير المستمرة تمثل تكلفة إضافية تكفي وحدها لدفع جهات الإصدار القادرة على الاقتراض التقليدي إلى سلك هذا المسار، بحسب ما أشار إليه مراد. وفي سوق تضاعفت فيها التكلفة الأساسية لرأس المال ثلاث مرات بالفعل، فإن تحمل علاوة إضافية على أدوات الدين الخضراء يجعل التمويل أكثر كلفة.
لا تزال مؤسسات التمويل التنموية هي المحرك الأساسي للسوق. وقال عبد المنعم: "هناك اهتمام متزايد بهذا النوع من التمويل، لكنه يظل محدودا مقارنة بمؤسسات التمويل الدولية، التي ما زالت تمثل الشريحة الأكبر من المستثمرين". ويذكر مرات هذه المؤسسات تحديدا: مؤسسة التمويل الدولية، والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، والبنك الأفريقي للتنمية. ويرى مراد أن أحد أسباب ضعف الطلب المحلي هو غياب الحوافز أو المتطلبات الإلزامية التي تدفع المستثمرين المؤسسيين المحليين لتخصيص جزء من محافظهم لأدوات الدين المستدامة. وترى وجيه أن صناديق الاستثمار، وشركات التأمين، وصناديق المعاشات التقاعدية سيتعين عليها لعب دور أكبر بكثير إذا ما أردنا توسيع نطاق السوق.
قد يعيد أي إصدار سيادي جديد ضبط معايير التسعير، لكنه لن يكون كافيا وحده. إذ يوضح مراد أن "ذلك من شأنه أن يضع سعرا معياريا لإصدارات الشركات، ويستعيد ثقة المستثمرين الأجانب، ويساعد في تنشيط السوق المحلية". وتتفق وجيه مع هذا الرأي لكنها تضيف جانبا آخر: الإصدار السيادي وحده لا يصلح سوقا تعاني من خلل هيكلي. وتضيف: "السوق المستدامة تتطلب أيضا قاعدة أقوى من المشاريع الجاذبة للتمويل، ومشاركة أكبر من القطاع الخاص، وقاعدة مستثمرين أوسع، وحوافز تشجع جهات الإصدار على دخول السوق".
ويقدم عبد العال القراءة الأكثر تفاؤلا لحالة السوق، قائلا: "لا تواجه سوق أدوات الدين المستدامة أزمة، بل تشهد تحولا استراتيجيا استجابة للظروف الاقتصادية العالمية والمحلية المتغيرة". إلا أن رؤيته الختامية تعكس تشخيصا أعمق مما يوحي به هذا التصريح، إذ يقول: "لا يعتمد سوق الدين المستدام في مصر على طرح إصدار منفرد جديدة بقدر ما يعتمد على الانتقال من نهج الصفقات الفردية المنعزلة إلى بناء منظومة سوق متكاملة ومستدامة".
رأينا: الإجماع لافت للانتباه، فالإطار التنظيمي يعمل بفعالية، لكن المشهد الكلي غير مواتٍ، ومحفظة المشاريع غير جاهزة. لقد أتمت مصر ثلاث صفقات تمويل مستدام ضخمة منذ إصدارها السيادي الأول في عام 2020، واعتمدت كل منها على مؤسسة تمويل تنموي لترى النور. والنمط الذي نلاحظه يعكس مشكلة في التوقيت أكثر من كونها غياب للشهية. لم يتحقق بعد الإصدار الإضافي الموعود للسندات الخضراء بقيمة 500 مليون دولار، وأي إصدار سيادي أخضر آخر قد يعيد ضبط معايير التسعير بالسوق. ولكن حتى تتراجع تكلفة رأس المال، ستظل الصفقات الفردية هي القاعدة في السوق، وليست الاستثناء.