أهلا بكم قراءنا الأعزاء في العدد الثالث من نشرة طاقات، سلسلتنا الخاصة الجديدة.
ركزت السلسلة حتى الآن على الداخل المصري في معظمها، بدءا من الغاز الذي أبقى الأنوار مضاءة في منازلكم هذا الصيف، ووصولا إلى المحطات والتمويلات والمصانع التي تقف وراء التحول في قطاع الطاقة. أما في هذا العدد، فنوسع الصورة لننظر إلى خريطة المنطقة؛ إذ تقع مصر بين مراكز الطاقة في الخليج وحقوق غاز شرق المتوسط ودول أوروبا التي يزداد فيها الطلب، وقد أمضت سنوات في بناء المحطات وخطوط الأنابيب والكابلات التي تربط بين كل هذه المناطق.
نبحث في هذا العدد ما تحتاجه مصر لتصبح مركزا إقليميا للطاقة؛ أن تستقبل الإمدادات من مختلف الاتجاهات، وأن تمتلك شبكة قومية مرنة بما يكفي لنقل الكهرباء، وبنية تحتية تواصل العمل عند انغلاق أحد المسارات. نبدأ بوضع مصر حاليا كمركز للطاقة، ثم نسأل باكينام كفافي، الرئيسة التنفيذية لشركة طاقة عربية، عن دور القطاع الخاص إلى جانب الدولة مع توسع الشبكة. ونبحث أيضا ما إذا كانت الموانئ والمخازن ومستودعات الوقود تُبنى لمواجهة الاضطرابات المحتملة، ونتناول خطوط الربط الكهربائي مع السعودية وليبيا واليونان. ونختتم بالشبكة التي يتعين عليها تحمل كل تلك الأعباء.
وفي عددنا القادم والأخير من السلسلة، نعود إلى الداخل لنتحدث عن فاتورة الكهرباء في منازلكم، وإمكانات أسطح بيوتكم، وسياراتكم.
نتابع هذا الأسبوع
1#- فجوة الطاقة تتسع
زاد العجز التجاري البترولي لمصر بنسبة 31.5% ليصل إلى 18.3 مليار دولار في العام المالي 2025-2026. إذ ارتفعت الواردات بنسبة 27.6% لتصل إلى 24.9 مليار دولار خلال تلك الفترة، مدفوعة بالأساس بالغاز الطبيعي (بزيادة 4.7 مليار دولار) والنفط الخام (بزيادة 1.9 مليار دولار). في حين ارتفعت الصادرات بنسبة 18.1% لتصل إلى 6.6 مليار دولار، وجاءت الزيادة بالكامل تقريبا في الربع الأخير من العام.
2#- دراسة لزيادة قدرات الربط مع الأردن 4 مرات
تبدأ مصر والأردن الشهر المقبل دراسات الجدوى لرفع قدرة خط الربط الكهربائي بينهما من 500 ميجاوات إلى 2 جيجاوات، حسبما أفاد مصدر حكومي بقطاع الكهرباء لنشرة إنتربرايز الصباحية. وستتيح هذه التوسعة للشبكتين مشاركة المزيد من الكهرباء، ودعم كل منهما الأخرى عند نقص الإمدادات. وتستعد شركات المقاولات المصرية بالفعل للمنافسة على الأعمال المطلوبة في شبكة الكهرباء الأردنية.
3#- غاز قبرص في طريقه إلينا
ستخصص شركتا إيني وتوتال إنرجيز ما بين 100 و120 مليون دولار لإنشاءخط أنابيب بطول نحو 40 كيلومترامن منشآت معالجة حقل ظهر في بورسعيد إلى دمياط، لاستكمال الجزء المصري من مسار تصدير غاز حقل كرونوس القبرصي. وتبدأ أعمال الإنشاء في أوائل عام 2027، على أن تصل أولى إمدادات الغاز إلى مصر في الربع الأول من عام 2028 بمعدل يبلغ حوالي 500 مليون قدم مكعبة يوميا. وفي سياق منفصل، وقعت وزارة البترول وشركة شيفرون اتفاقية مالية مبدئية لتطوير حقل أفروديت القبرصي، على أن تتولى مصر استقبال الغاز ومعالجته وإسالته. ويعد كرونوس وأفروديت اثنين من 4 مشروعات قبرصية وافقت مصر على نقل غازها عبر بنيتها التحتية، في إطار سعيها لاستئناف تصدير الغاز.
4#- المزيد من طموحات الاستكشاف والإنتاج
تستهدف وزارة البترول حفر 14 بئرا استكشافية في البحر المتوسط بحلول نهاية العام المالي الحالي، وتصل الاحتياطيات المحتملة إلى 12 تريليون قدم مكعبة من الغاز، وفق ما صرح به مسؤولان حكوميان لنشرة إنتربرايز الصباحية. وتأتي هذه الآبار ضمن حملة أوسع تستهدف حفر 101 بئر، وتتزامن مع بدء المرحلة الأولى من مسح سيزمي بحري جديد في نوفمبر.
ما الذي تحتاجه مصر لتصبح مركزا إقليميا للطاقة؟ أمضت مصر سنوات في إنشاء البنية التحتية اللازمة لنقل نفط وغاز الدول الأخرى وتخزينهما ومعالجتهما، لكن السؤال المطروح هو ما إذا كان ذلك يجعلها مركزا للطاقة أم مجرد ممر شديد الازدحام. وقد تناولنا في العددين الأولين من نشرة طاقات كيف تلبي مصر احتياجاتها من الطاقة، والتغيرات الحالية في منظومتها. أما في هذا العدد فنركز على طموحاتها الخارجية ونسأل: هل يمكن للبنية التحتية التي تدعم الاقتصاد المصري أن تتيح للدولة تقديم خدمات لا غنى عنه للاقتصادات المحيطة؟
المقصود بمراكز الطاقة هو تلك المناطق التي تلتقي فيها الإمدادات والبنية التحتية والعملاء، بما يتيح لها نقل الطاقة أو تخزينها أو معالجتها أو تداولها. ويساعد في ذلك أن تكون الدولة نفسها قادرة على إنتاج كميات وفيرة من الطاقة، لكن السؤال الأهم يتعلق بالأسباب التي قد تدفع الأطراف الأخرى للاعتماد على منظومتها. وعن ذلك يقول سيريل ويدرشوفن، كبير المستشارين في شركة بلو ووتر ستراتيجي، إن "الجغرافيا تتيح الفرصة، لكن القدرة على التنفيذ على نحو موثوق هي ما يحول هذه الفرصة إلى نشاط تجاري".
لكن مفهوم مراكز الطاقة تندرج تحته ثلاثة أنشطة مختلفة كثيرا ما يجري الخلط بينها: نقل الطاقة بين الأسواق، وتوفير البنية التحتية لتقديم خدمات إضافية مثل التخزين والمعالجة والربط بالموردين أو الوجهات المختلفة، والتداول عن طريق توفير سوق يتعامل فيها البائعون والمشترون بانتظام، وتشهد نشاط كافيا لتعزيز شفافية التسعير، وتتضمن أدوات لإدارة مخاطر الأسعار.
وتتداخل هذه الأنشطة عبر مختلف السلع؛ إذ يجني مشغلو البنية التحتية رسوم الخدمات، بينما تجني مصافي التكرير هوامش الفرق بين تكاليف مستلزمات الإنتاج وقيمة المنتجات النهائية، أما التجار فيمتلكون الشحنات ويسعون لتحقيق العوائد من الأسواق وفترات التسليم المختلفة، حسبما أوضح لنا بيتر ستيفنسون، محرر شؤون شرق المتوسط في نشرة ميدل إيست إيكونوميك سيرفي. ولا توجد قاعدة ثابتة تقضي بأن تقتصر العوائد بقطاع الغاز على رسوم العبور بينما تقتصر العوائد بقطاع النفط والمنتجات البترولية على هوامش التداول؛ وإنما يمكن لكل سلعة أن تدعم عدة أنشطة تجارية في الوقت ذاته.
تحصيل رسوم العبور
جني الأرباح من نقل نفط المنتجين الآخرين: يقول ستيفنسون إن خط سوميد وفر منذ فترة طويلة مسارا لوصول النفط الخام الخليجي إلى أسواق البحر المتوسط، وهو بالتالي نموذج لبنية تحتية تحقق أرباحا من سلعة لا يملكها مشغل تلك البنية. ويمكن لخط سوميد نقل 2.5 مليون برميل يوميا بين العين السخنة وسيدي كرير، في حين بلغت صادرات النفط الخام من سيدي كرير نحو 2.3 مليون برميل يوميا في أغسطس الماضي، ارتفاعا من نحو مليون برميل يوميا في يوليو، وشكل النفط السعودي معظم هذه الزيادة.
ويمكن للشركات تحصيل رسوم من العملاء مقابل تخزين النفط الخام أو تداول المنتجات البترولية أو معالجة الغاز أو إسالته لشحنه، لتحقق بذلك دخلا يمكن توقعه نسبيا، دون أن يتعرض المشغل بالضرورة لتقلبات الأسعار العالمية، وفقا لستيفنسون. وتمثل هنا السعة التعاقدية عامل الجذب بالنسبة للمستثمرين في البنية التحتية، إذ تسهل تلك العوائد المتوقعة تمويل الأصول دون أن يضطر مشغلوها لشراء الشحنات، وفق ما قاله استشاري الطاقة والخدمات اللوجستية حمدي فراج في تعليقاته لنشرة إنتربرايز.
من يجني الأرباح؟ أحيانا يكون مشغل البنية التحتية، ومالك الشحنة، والشركة المسؤولة عن تسويق المنتج النهائي كيانات منفصلة. ولذلك، فإن العائد الذي تحققه مصر يتوقف على طبيعة الخدمات المقدمة والحصص التي تملكها في الأصول، وليس على القيمة الإجمالية للشحنات التي تصدرها المحطات المصرية.
وامتلاك الشحنات ليس بالضرورة أفضل نموذج للأعمال؛ إذ يمكن لمصر تحصيل رسوم البنية التحتية دون تمويل شراء كل شحنة تمر عبر منشآتها. وفي ظل القيود على النقد الأجنبي والضغوط المالية على شركات الطاقة الحكومية، يحذر ستيفنسون من افتراض أن امتلاك الشحنات أفضل بالضرورة من الدخل المستقر المحقق من الخدمات، قائلا إنه "لا يوجد ما يمنع أن تكون مصر مركزا للمعالجة والخدمات اللوجستية فقط. فهذا نشاط تجاري جذاب في حد ذاته، دون أن تضطر مصر بالضرورة إلى التحول إلى تاجر دولي ضخم للسلع".
القيمة المضافة
التسييل خدمة يصعب على المنتجين الإقليميين توفيرها: يقول ستيفنسون إن محطتي إدكو ودمياط توفران بنية تحتية قائمة لتسييل الغاز بالقرب من اكتشافات شرق المتوسط، ما قد يتيح للمنتجين الوصول إلى الأسواق العالمية بسرعة وبتكلفة أقل مقارنة بإنشاء سلاسل تصدير جديدة من الصفر. وتبلغ الطاقة الاسمية للمحطتين معا ما يعادل 16.7 مليار متر مكعب سنويا، في حين قد يستغرق بناء محطة مماثلة لمحطة إدكو ما بين 7 و10 سنوات وسيتطلب مليارات الدولارات.
لكن يوضح ستيفنسون أن "الأقدام المكعبة الواردة إلى مصر لا تتاح كلها للتصدير". فبعض الكميات تحل محل واردات الغاز الطبيعي المسال مرتفعة التكلفة، بينما يحقق بعضها الآخر عائدات من رسوم معالجة صادرات المنتجين الآخرين، ولكلا الفئتين قيمة اقتصادية. ويندرج الغاز الإسرائيلي في الغالب ضمن النوع الأول، إذ يلبي معظمه الطلب المحلي، فعادة ما تكون الواردات عبر خطوط الأنابيب أرخص من الكميات المعادلة من الغاز الطبيعي المسال، ومن ثم، تتمثل القيمة الاقتصادية الأساسية لهذه الإمدادات في تجنب التكلفة الأعلى للواردات البديلة. أما الغاز القبرصي فيمثل النوع الثاني، إذ تصدر قبرص الغاز المستخرج من حقلي أفروديت وكرونوس في صورة غاز طبيعي مسال عبر محطة دمياط، وتتولى الشركات الشريكة في الحقول تسويق الشحنات. وفي المقابل، تستفيد مصر من المشاركة بجزء من مسار التصدير، إلى جانب حصص شركاتها الحكومية في ملكية المحطة.
بهذا يمكن لمصر الجمع بين الاستيراد والتصدير، بشرط وضوح الترتيبات التعاقدية. فيقول ويدرشوفن إن المنتج الذي يبيع الغاز لمصر يحتاج إلى ضمانات بأنه سيحصل على مستحقاته، بينما تحتاج الشركة التي تصدر عبر مصر إلى التأكد من وصول الغاز إلى المشتري المتفق عليه. ويقتضي ذلك حسم حقوق شراء الغاز للاستهلاك المحلي، والتزامات التصدير، وآليات التسعير، وإجراءات التعامل مع انقطاع الإمدادات قبل أن تختبر أوقات الشح مرونة هذه الاتفاقات. فعندما يحتاج المشتري إلى الغاز بصورة عاجلة، تتراجع قدرته على التفاوض. ويوضح ويدرشوفن أنه عندما تكون هناك حاجة ماسة إلى الغاز في عمليات التصنيع وتوليد الكهرباء، تقل قدرة الدولة على الانتظار أو رفض العروض باهظة التكلفة أو ضمان المرونة. ورغم ذلك، لدى المنتجين الإقليميين أسباب تدفعهم للتعاون، لأن مصر توفر قاعدة عملاء ضخمة وبنية تحتية تجنبهم التكلفة الباهظة لبناء مرافق تصدير مستقلة.
وينطبق الوضع ذاته على عمليات تكرير المنتجات البترولية. فيقول ستيفنسون إن شركة ميدور تنتج الوقود بالفعل للاستخدام المحلي والتصدير، بما في ذلك وقود الطائرات، وقد يتيح ربطها بميناء الحمراء البترولي الجمع بين عمليات التكرير والتخزين الساحلي والتسليم اللاحق. ويقوم خط الأنابيب المقترح بين طبرق والإسكندرية على الفكرة ذاتها، لكن باستخدام النفط الخام الليبي. ويمكن لتلك المشروعات أن تخدم مشتري السولار ووقود الطائرات في أوروبا والأسواق المعتمدة على الاستيراد في منطقة البحر المتوسط وشمال أفريقيا، لكن قرار هؤلاء سيتوقف على التكلفة الإجمالية للشحن والتخزين والتكرير والتسليم.
ومن منظور أوسع، فإن زيادة الصادرات وحدها لا تكفي لحسم الجدوى الاقتصادية لتلك المشروعات. إذ يشير ستيفنسون إلى أن السوق المحلية تستهلك تلك المنتجات كذلك، ونقص الإمدادات بها قد يجعلها تستحوذ على كميات ربما كانت لتُصدر لولا ذلك. ويضيف ويدرشوفن أن تصدير الوقود لن يعزز بالضرورة مكانة مصر في قطاع التكرير إذا اضطرت بعد ذلك لاستيراد كميات بديلة بتكلفة أعلى عند التسليم.
بناء السوق
الاختبار الأصعب هو ما إذا كانت الشركات ستختار مصر مكانا لإبرام صفقاتها التجارية، وليس مجرد محطة لتمرير شحناتها. إذ يصف ستيفنسون مصر بأنها تمتلك "بنية تحتية كبيرة ضخمة للطاقة، لكنها ليست مركز تداول ناضج". فأي سوق ناضجة تحتاج إلى نشاط تجاري مستدام، وإلى جذب عدد كبير من البائعين والمشترين بفضل جدواها الاقتصادية. كما أن مثل هذه السوق تكون لديها آليات لإدارة التوقيت والمخاطر، وتقدم قيمة مضافة تتجاوز نقل الشحنات، تتمثل في إدارة المخزون والوجهات وتوفير الائتمان والحماية من تقلبات الأسعار، وفقا لويدرشوفن، وهو ما يتطلب الشفافية في إتاحة البنية التحتية، وإمكانية توقع الرسوم، والقدرة على تنفيذ العقود وضمان التسويات، إلى جانب وجود عدد كاف من المشاركين.
يعد مشروع الفجيرة العلمين بمثابة اختبار حقيقي لذلك النموذج، فيرى ستيفنسون أن هذه الشراكة ستضيف إلى مشروع ميناء الحمراء الخبرات اللازمة لتشغيل المراكز الدولية لتخزين النفط وتداوله. غير أن تأسيس المشروع وتطوير المنشآت ليس سوى البداية، فالدليل الأقوى سيكون استمرار المعاملات مع الأطراف الأخرى، بدلا من أن يصبح المشروع مجرد بنية تحتية تخدم في الأساس احتياجات الإمدادات المصرية.
والفوائد ينبغي أن تكون قابلة للقياس: يقول ويدرشوفن إن إثبات القيمة التجارية لتلك المشاريع يعتمد على خفض تكاليف المناولة، والربط بين المحطات والمصافي، وتكرار المعاملات مع العملاء، مع توفر شروط أساسية تشمل تنوع الإمدادات ووجود سعة احتياطية، وإمكانية تلبية الطلب قصير الأجل عبر ترتيبات موثوقة. ويحذر ويدرشوفن من اعتبار السعة المخصصة للإمدادات المحلية أو الاحتياجات الاستراتيجية متاحة تلقائيا للتجار الدوليين. كما يفضل فراج تخصيص السعة عبر المزادات، ما يقلل الاعتماد على المفاوضات الفردية.
أما الأسعار المرجعية فتنتج عن نشاط التداول، وليس العكس. إذ يرى ويدرشوفن أن المؤشرات المرجعية للتسعير تظهر بعد أن يحظى السوق بثقة العملاء وتصير هناك منافسة على التداول فيه، وليس بالإعلان عن إنشاء بورصة. ويمكن تحقيق عوائد مستدامة من خدمات المعالجة والإسالة والتخزين، إلى جانب إتاحة خدمات التداول على نحو انتقائي، وذلك دون أن تتحمل الدولة المخاطر المالية ومخاطر الإمدادات المرتبطة بعمليات التداول واسعة النطاق.
الخلاصة
إذن ما نوع مركز الطاقة الذي تمثله مصر؟ تعد مصر مركزا لتحصيل رسوم العبور ومركزا للمعالجة ولخدمات البنية التحتية، في حين لا يزال عليها إثبات جدارتها فيما يتعلق بأنشطة التداول. والفارق هنا هو بين أن تكون ممرا لعبور الطاقة، وأن تكون سوقا تختاره الشركات لممارسة أعمالها.
وبالتالي فإن المؤشرات التي ينبغي متابعتها تتمثل في العقود المبرمة، وما إذا كان العملاء سيجددونها حين تتوفر أمامهم خيارات أكثر. ويرى ويدرشوفن أن الالتزامات طويلة الأجل وتكرار التعاقدات وتجديدها في ظل ظروف السوق الطبيعية تمثل دليلا أقوى على القدرة التنافسية المستدامة لمصر في مجال الطاقة، مضيفا أن "الاضطرابات الإقليمية قد تؤدي إلى توجيه الأعمال نحو البنية التحتية المصرية، لكن الأداء التجاري الموثوق هو ما سيضمن بقاءها هنا".
تعتمد مساعي مصر للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة على تطوير شبكة الكهرباء القومية، إلى جانب تعزيز مساهمة القطاع الخاص لدعم توسع الشبكة وزيادة قدرتها الاستيعابية. وقد أجرينا حوارا حول هذه المساعي مع باكينام كفافي (لينكد إن)، الرئيسة التنفيذية لشركة طاقة عربية، ننشره على جزأين. تحدثنا كفافي في الجزء الأول عن توسع الشبكة لتلبية الطلب الجديد، والدور الذي يمكن أن يلعبه القطاع الخاص إلى جانب الدولة، وكيف تخطط طاقة عربية لأعمالها في قطاع الغاز في ظل تغير مزيج الإمدادات في مصر. أما الجزء الثاني، الذي ننشره الأسبوع المقبل، فيتناول خطط التوسع لدى طاقة عربية داخل مصر وخارجها.
إنتربرايز: أين تكمن أوجه القصور الفعلية في الشبكة؟ ومن واقع خبرتكم في تشغيل شبكات التوزيع وتطوير مشروعات التوليد، أين تتركز أبرز التحديات اليوم؟
باكينام كفافي: تتكون البنية التحتية للكهرباء من 3 عناصر، هي التوليد وشبكة النقل والتوزيع. ومن المفترض أن تتوسع هذه العناصر الثلاثة بالوتيرة نفسها، لكن تظهر مشكلات حين يسبق أحدها العناصر الأخرى. وتستهدف مصر رفع حصة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة إلى 42% بحلول عام 2030، وأكثر من 60% بحلول عام 2040. لكن رغم تدفق الاستثمارات إلى قطاعات توليد الكهرباء ونقلها وتوزيعها، يظل التطور متفاوتا بينها. والأولوية الآن هي تسريع تطوير الشبكة، وتوسيع قدراتها حيث يتزايد الطلب، وإنشاء ممر أخضر قادر على استيعاب مشروعات الهيدروجين الأخضر والطلب المستقبلي. ويدعم البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية وشركاء دوليون آخرون مشروعات كبرى في مصر مرتبطة بالطاقة والشبكة، بحزم تمويلية تبلغ قيمتها مئات الملايين من الدولارات.
إنتربرايز: تستثمر شركة طاقة عربية بالفعل في البنية التحتية لتوزيع الكهرباء وتشغلها في مصر. فإلى أي مدى يمكن توسيع هذا النموذج في أنحاء الدولة؟ وما الدور الذي ينبغي أن يؤديه القطاع الخاص في الشبكة؟
كفافي: يجب أن تظل الشبكة القومية للكهرباء مملوكة للدولة وخاضعة لتنظيمها، بينما يمكن للقطاع الخاص أن يسهم في تحديث الشبكة ورفع كفاءتها، عبر تحسين متابعة الأحمال ورصد الأعطال، إلى جانب المشاركة في أعمال الإنشاء والتشغيل والصيانة عبر نماذج عمل مثل نموذج البناء والتشغيل ونقل الملكية. أما مجالي التوليد والتوزيع فيمكن للقطاع الخاص تولي إدارتهما وتشغيلهما. كما ينبغي إعادة هيكلة شركات التوزيع التابعة للقطاع العام تمهيدا لخصخصتها مستقبلا. ونحن من أوائل الشركات الخاصة التي حصلت على ترخيص لتوزيع الكهرباء، ونواصل حاليا توسيع شبكتنا. ومع تزايد الطلب مدفوعا بمراكز البيانات والتقنيات الجديدة والسيارات الكهربائية، ينبغي أن تتطور شبكات التوزيع تطورا كبيرا لاستيعاب هذا النمو.
إنتربرايز: إلى أي مدى اقتربنا من إنشاء سوق للبيع المباشر للكهرباء؟
كفافي: تتخذ الحكومة خطوات في هذا الاتجاه. وهي تطبق بالفعل رسوما على نقل الكهرباء عبر الشبكة، لكنها لا تزال تقتصر حتى الآن على التعاملات بين شركات التوزيع وشركة نقل الكهرباء. ويجري حاليا دراسة نظام للتعامل بين كيانات القطاع الخاص، بحيث يمكن على سبيل المثال إنشاء محطة طاقة شمسية أو محطة رياح أو أي مشروع آخر لتوليد الكهرباء وربطه بالشبكة، ثم توصيل الكهرباء مباشرة للعميل وتحمل رسوم النقل، وإتمام عملية البيع مباشرة بين الطرفين. ولم يبدأ تطبيق هذا النظام بعد، لكنه قيد الدراسة وهناك خطة لتطبيقه. أما النظام المطبق حاليا فيتضمن تحديد سعر لنقل الكهرباء، أي تعريفة لنقل الطاقة عبر الشبكة بين الجهات الحكومية.
إنتربرايز: يتزايد الحديث عن إنشاء مراكز البيانات في مصر. فهل تستطيع طاقة عربية إمداد مركز بيانات بالطاقة على مدار الساعة؟
كفافي: مصر أمامها فرصة قوية لتصبح مركزا إقليميا لمراكز البيانات، بفضل موقعها الجغرافي وبنيتها التحتية القابلة للتوسع. وتمثل الكهرباء والتبريد نحو 65% من احتياجات مركز البيانات، ما يجعل توافر إمدادات الطاقة المستقرة بأسعار مناسبة ضرورة أساسية للحفاظ على تنافسية مراكز البيانات. ويمكن للطاقة المتجددة أن تساعد في خفض التكاليف، كما يساعد نموذج البيع المباشر بين كيانات القطاع الخاص على تلبية الاحتياجات الهائلة لمراكز البيانات من الكهرباء، وهو نهج ندرسه حاليا.
إنتربرايز: كيف تخططون لأعمال توزيع الغاز وسط حالة عدم اليقين بشأن الإمدادات؟ وما أثر التغيرات في توفير الغاز محليا على عملائكم من المصانع وعلى قراراتكم الاستثمارية؟
كفافي: يمثل عدم اليقين بشأن إمدادات الغاز تحديا عالميا، لكن مصر تستفيد من 3 مصادر، وهي الإنتاج المحلي وواردات الغاز الطبيعي المسال والواردات عبر خطوط الأنابيب من الدول المجاورة، وهي أقل تأثرا باضطرابات الشحن البحرية. ويُستهلك نحو 60-65% من الغاز في توليد الكهرباء، لذا فإن رفع حصة الطاقة المتجددة إلى 42% من مزيج الكهرباء بحلول الفترة 2028-2030 سيوفر الغاز للصناعة والزراعة وغيرها من الأنشطة الأعلى قيمة، مما يقلل الاعتماد على الواردات. ومع تراجع إنتاج الحقول المحلية بمرور الوقت، شجع سداد المستحقات المتأخرة لشركات النفط العالمية على استئناف أنشطة الاستكشاف. وحتى الاكتشافات الأصغر حجما يمكن أن تساعد في تعويض تراجع الإنتاج.
وبالنسبة لعملائنا، فهذا يعني أننا لا نعتمد على الغاز وحده. إذ نقدم مزيجا متكاملا من الغاز والطاقة المتجددة والديزل والحلول المرتبطة بالشبكة أو المستقلة عنها، كما ندرس استخدام الغاز الحيوي. ونفذنا أيضا أول مشروع تجريبي لنا مع الهيئة المصرية العامة للبترول لالتقاط غاز الشعلة وتحويله إلى كهرباء. وهذه التقنيات الجديدة ربما تكون مكلفة، كما أن السعر يظل عاملا مهما للعملاء، لذا نركز على المزج بين المصادر واستخدام الأنظمة الهجينة لخفض التكلفة الإجمالية.
إنتربرايز: هل يهدف استثماركم البالغ 1.4 مليار جنيه في مستودع للوقود بالقاهرة الكبرى إلى تأمين الإمدادات لمحطاتكم وخفض تكاليف النقل، أم تخططون أيضا لتقديم خدمات التخزين لأطراف أخرى؟
كفافي: كل ما سبق. فهناك طلب قوي على المستودعات الحديثة التي تُقام وفق أعلى معايير الكفاءة. وتتمثل خطتنا الخمسية في إنشاء شبكة من المستودعات تؤمن الإمدادات لمحطاتنا، وفي الوقت نفسه تخدم جهات أخرى. ونختار مواقعها بالقرب من الموانئ والمراكز اللوجستية، مما يسهل النقل ويمنحنا القدرة على الاستيراد إذا سمحت قواعد السوق بذلك. استحوذنا على مستودعنا الأول في السويس وطورناه لتغطية منطقة البحر الأحمر، ثم طورنا مستودع العامرية الذي يغطي الإسكندرية والدلتا. ويعد مستودع القاهرة الكبرى مستودعنا الثالث، إذ حصلنا على موافقة مجلس الإدارة وخُصصت الأرض وتجري دراسة المشروع حاليا. أما المستودع الرابع فسيكون في أسيوط على نهر النيل، حتى نتمكن من نقل الوقود عبر الصنادل النهرية بدلا من الاعتماد الكامل على الشاحنات. وبهذا نتوسع تدريجيا، مستودعا تلو الآخر، ونُشغِّل كل مستودع لمدة عام أو عامين حتى تستقر عملياته قبل الانتقال إلى المشروع التالي.
قد يكون المشروع جاهزا للتشغيل لكنه لا يزال بعيدا عن أقرب شبكة أو محطة طاقة. غالبا ما تتواجد المواقع الصناعية الجديدة، والمقاصد السياحية، والمشروعات الزراعية خارج النطاق الجغرافي لخطوط أنابيب الغاز أو البنية التحتية لشبكات الكهرباء. وقد يتسبب التأخر في ربط المشروعات بخطوط التغذية الرئيسية في تعطيل تشغيلها رغم اكتمالها.
هنا يأتي الخيار الأول بنقل الغاز برا إلى موقع المشروع. تنقل طاقة عربية، عبر شركتيها طاقة غاز وماستر جاس، الغاز الطبيعي المضغوط للعملاء الذين تقع مشروعاتهم خارج نطاق الشبكات التقليدية. وقد أطلقت نموذج خط الأنابيب الافتراضي لأول مرة لتزويد المنشآت السياحية والصناعية البعيدة عن الشبكة باحتياجاتها، قبل التوسع لتغطية مدينة الخارجة بالكامل في الوادي الجديد وخدمة أكثر من 14 ألف عميل، مع تكرار تطبيق نفس النموذج لاحقا في السعودية وقطر وتنزانيا وموزمبيق.
عندما يحتاج العملاء إلى كميات أكبر من الطاقة أو إمدادات متواصلة، يعد الغاز الطبيعي المسال بديلا عمليا. تقدم طاقة عربية، عبر ذراعها روزيتا، المتخصصة في الغاز الطبيعي المسال والمستحوذ عليها عام 2022، خدمات إسالة ونقل وإعادة التغييز على نطاقات صغيرة ومتوسطة، لا سيما في الأسواق الناشئة. ويتيح خط الأنابيب الافتراضي التابع لها نقل الغاز الطبيعي المسال إلى العملاء في القطاعات الصناعية والتجارية والسكنية خارج نطاق الشبكات الحالية.
في حالة نقص إمدادات الكهرباء، يصبح الاعتماد على الطاقة المتجددة في مواقع الاستهلاك حلا فاعلا. تتولى شركة طاقة بي في تطوير مشروعات الطاقة الشمسية ذاتية الاستهلاك والمستقلة عن الشبكة لإنتاج الكهرباء مباشرة داخل المواقع التشغيلية، مما يقلل الحاجة إلى توسيع البنية التحتية للشبكة.
يرتبط اختيار الحل الملائم بموقع المشروع، وحجم استهلاكه، ومدى انتظام تشغيله واحتياجه للطاقة. ومن هنا، تتحدد الطريقة الأنسب للتشغيل؛ سواء عبر الغاز الطبيعي المضغوط المنقول، أو الغاز الطبيعي المسال، أو الطاقة المتجددة، أو مزيج منها. ويمكن لكل منها أن يضمن استمرار الإمدادات لحين استكمال شبكات التغذية الرئيسية للموقع.
تقدم طاقة عربية نفس الحلول لقطاع النقل. فهي تشغل محطات وقود تقليدية تحت علامتها التجارية طاقة، ومحطات غاز طبيعي مضغوط عبر ماستر جاس، في حين تواصل طاقة فولت تطوير وتشغيل محطات شحن المركبات الكهربائية مع نمو منظومة التنقل الكهربائي.
تعكس هذه الأنشطة تكامل نموذج أعمال طاقة عربية الذي يجمع بين حلول الطاقة التقليدية والنظيفة، وذلك بالتوازي مع التوسع بتواجدها الجغرافي.
لمعرفة المزيد عن طاقة عربية، شريكك الموثوق في قطاع الطاقة والمرافق،اضغط هنا.
يحتاج أي مركز لوجستي إلى بنية تحتية قادرة على الصمود في أسوأ الظروف، وهو المعيار الذي باتت الموانئ والمستودعات وشبكات التوزيع في مصر تخضع له الآن. فعلى مدى سنوات، كانت جودة الموانئ تُقاس بنقلها للبضائع بسرعة، وجودة المستودعات تعتمد على تفريغها. أما الاختبار اليوم فصار قدرة الموانئ والمستودعات على الاستمرار في نقل الوقود والبضائع حين تُغلق الطرق وترتفع التكاليف. وعن ذلك يقول وولفجانج ليماخر، الرئيس السابق لقطاع سلاسل التوريد والنقل في المنتدى الاقتصادي العالمي، إن ما تحقق حتى الآن هو "طبقة مكلفة من الخدمات اللوجستية الاحتياطية، وليس إعادة تصميم هيكلية للتجارة العالمية".
يبدأ التحول من أسس المنافسة بين الموانئ؛ إذ يقول ليماخر إن "سرعة العمليات لا تزال مهمة، لكن الموانئ التي تركز على المرونة تنافس أيضا بناء على قدرتها على استيعاب المخاطر". ويعني ذلك توفير ساحات تخزين واسعة ومستودعات جمركية، والارتباط بالسكك الحديدية والطرق، حتى لا يؤدي تعطل السفن إلى شل سلاسل التوريد الداخلية.
خضعت شبكة الطاقة في مصر لهذا الاختبار بالفعل؛ فعندما استهدفت مسيرة سفينة إنرجوس وينتر في دمياط في يوليو الماضي، توقفت إحدى المحطات الأربع لإعادة التغويز عن العمل في وقت ذروة الاستهلاك. ولأن المحطات الأربع موزعة بين البحرين المتوسط والأحمر، جرى تحويل الشحنات إلى ميناء العقبة الأردني، ورفعت مصر تدفقات الغاز الإسرائيلي الواردة إليها عبر خطوط الأنابيب إلى حدها الأقصى، فيما غطت بقية الاحتياجات عبر شحنات زيت الوقود الفورية. ورغم أن توزيع المحطات جغرافيا بهذا الشكل يكلف الدولة أكثر من تجميعها في مكان واحد، فإنه حافظ على استمرار الإمدادات حين تعطلت إحداها.
ويمتد المنطق نفسه إلى عمليات التخزين؛ إذ وافق مجلس إدارة شركة طاقة عربية على إنشاء مستودع للمنتجات البترولية في القاهرة الكبرى باستثمار يبلغ 1.4 مليار جنيه، ليضاف إلى محطتي الشركة في السويس (بسعة 18 مليون لتر) والإسكندرية (بسعة 25 مليون لتر).
وتسير الموانئ على النهج ذاته فيما يخص الحاويات؛ إذ افتتحت شركة موانئ دبي العالمية في يوليو الماضي ما تصفه بأنه أول مركز توزيع لوجستي متكامل في مصر، داخل منطقة السخنة اللوجستية التابعة لها والممتدة على مساحة 300 ألف متر مربع، ويستهدف ذلك المركز الشركات الراغبة في الاحتفاظ بمخزونها داخل مصر. كما استثمرت شركة إيجيترانس 310 مليون جنيه في سلسلة خدماتها الممتدة من الموانئ إلى المستودعات خلال النصف الثاني من العام، وشملت تلك الاستثمارات ساحة للشاحنات في بورسعيد على مساحة 114 ألف متر مربع، ومستودع في العين السخنة على مساحة 17 ألف متر مربع.
لكن حسابات شركات الشحن مختلفة؛ إذ بدأت شركة يانج مينج ومعها بقية أعضاء تحالف بريمير ألاينس في العودة إلى قناة السويس بسبب تكاليف الوقود وليس تحسن الأوضاع الأمنية، وفقا لأحمد مصيلحي، مدير تطوير الأعمال في شركة فينمار. وأضاف لنا أن "القفزة في أسعار وقود السفن جعلت المسار الأطول يضغط على الحسابات الاقتصادية للعمليات، وبات هذا الاعتبار الآن يحظى بالأولوية على المخاوف الأمنية".
ولا يعني طول فترات بقاء الحاويات أن الشركات قررت الاحتفاظ بمخزون أكبر؛ ففي مستودعي شركة أركاس مصر لخدمات المستودعات في الإسكندرية، ارتفعت فترات بقاء الحاويات جزئيا لأن شركات الشحن تولي الأولوية للحاويات التي ستسلك المسارات الأطول ذات أسعار الشحن الأعلى، وفقا لمصيلحي. أما في السخنة، فقد ارتفعت هذه الفترات خلال الصيف، ثم عادت إلى مستوياتها الطبيعية بعد أن بدأت شركات الشحن في إعادة الحاويات الفارغة إلى آسيا.
وتكتسب هذه المسألة أهميتها لأن المرونة لها تكاليف مستمرة حتى في غير حالات الطوارئ، إذ تخصص الشركات أموالا "لرأس المال العامل المحبوس في المخزونات الاحتياطية، والذي يسدد كذلك التكاليف الأعلى للاحتفاظ بالشحنات، والرسوم الإضافية التي تفرضها شركات الشحن"، وفقا لليماخر، الذي أضاف أن الحل يكمن في الاتفاق مسبقا على الرحلات البديلة وأسعار المناولة والنقل البري، فدون الاتفاق المسبق على تقاسم التكاليف "تتحول المسارات البديلة إلى خلافات تجارية لا تنتهي خلال الأزمات".
الخلاصة هي أن الاستثمارات تتجه حاليا إلى شبكات النقل الداخلية، نحو "الممرات متعددة الوسائط والموانئ الجافة الداخلية والمراكز القريبة من نقاط الاختناق الرئيسية"، وفقا لليماخر، وأضاف أن المستثمرين وبنوك التنمية يفضلون "التخزين الجمركي وتطوير الروابط الداخلية المؤتمتة على مشروعات توسعة الأرصفة". ومع سعي شركات الشحن لتوفير الوقود واستمرار الشاحنين في الارتجال، فإن وتيرة تطوير البنية التحتية تحاول أن تسبق التغيرات الفعلية في نقل البضائع، وهذا هو ما سيحدد ما إن كانت هذه النفقات تمثل تكلفة باهظة أم خطوة استباقية حكيمة.
كل من قام بتشطيب شقة في مصر، يعرف تفاصيل هذه التجربة عن ظهر قلب؛ تبدأ باستلام المفاتيح، ثم تركيب المطبخ وخزائن الملابس والأبواب. وفي هذه الأثناء، يفاضل الناس بين أنواع التشطيبات والمقابض والأسعار، لكن القليلين فقط يتساءلون عن المادة التي صنعت منها الألواح الخشبية المستخدمة أو عن مصدرها.
لا يقتصر هذا التساؤل على المطابخ فحسب؛ فالألواح التي تصنع منها معظم المطابخ والخزائن والأبواب هي ألواح الفايبر بورد متوسطة الكثافة (MDF)، وهي عبارة عن ألياف خشبية مضغوطة. على مدار سنوات، اعتمدت مصر على استيراد كميات كبيرة منها، مما جعلها عرضة لتحديات الشحن وتقلبات أسعار الصرف باعتبارها مادة بناء أولية.
ومن هنا جاء تأسيسشركة نايل وودلبناء قدرات تصنيع محلية لألواح MDF على نطاق واسع. أنتج مصنعنا في مدينة السادات أول لوح من هذا النوع في يونيو 2025، وبدأ التشغيل التجاري في أواخر العام الماضي، بطاقة إنتاجية تبلغ نحو 655 مترا مكعبا يوميا. يقع المصنع على بعد 1 كيلومتر تقريبا من غابة مدينة السادات، حيث استصلحت المجموعة وزرعت 2,652 فدانا بأشجار الكافور والكازوارينا والسيسبان، تعتمد في ريها على مياه الصرف الصحي المعالجة للمدينة.
يتطلب تصنيع ألواح MDF كميات كبيرة من الطاقة؛ إذ يجب تجفيف الألياف وضغط الألواح عند درجات حرارة مرتفعة، مما يجعل الطاقة ركيزة أساسية في عملية الإنتاج. تعتمد نايل وود على حلول VYNCKE للطاقة عبر استغلال الكتل الحيوية، بما في ذلك مخلفات تشذيب أشجار المانجو والموالح، للحصول على عملية التسخين المكثفة المطلوبة في إنتاج الألواح.
يغير أيضا الإنتاج المحلي طبيعة العلاقة بين المصنع والعملاء من الورش ومصنعي الأثاث الذين يحولون هذه الألواح إلى المساحات التي نعيش فيها. فهو يتيح لهم التواصل المباشر مع المصنع حول المواصفات والجودة ومتطلبات التوريد؛ فيما يضمن وجود مورد محلي سرعة الاستجابة واستقرارا في الإمدادات مقارنة بالاعتماد الكلي على الاستيراد.
غير أن التشغيل التجاري ليس سوى البداية. فتركيزنا ينصب حاليا على زيادة الإنتاج، وتحسين كفاءة العمليات، وبناء قاعدة عملاء قوية في مصر، بالتوازي مع استكشاف فرص النمو والتوسع خارجها.
أنشأت ڤالمور شركة نايل وود في عام 2017، قبل أعوام طويلة من إنتاج أول لوح MDF. إن تأسيس منشأة صناعية بهذا الحجم مع إرساء منظومة التوريد الخاصة بها لم يكن ليتحقق دون التزام استثماري طويل الأجل؛ وهو التطبيق العملي لرؤيتنا المرتكزة على الاستثمار بما يتجاوز حدود رأس المال: بناء القدرات، والبنية التحتية، وأنظمة التوريد التي تمكن المشروعات من النمو على المدى البعيد.
لذا، نعم، اسأل نجارك عن مصدر الألواح الخشبية. لكن الأهم هو ما تعنيه هذه الإجابة عندما تكون "صنع في مصر": فهي تعني وجود قدرات تصنيع محلية، وسلاسل توريد أقصر، ومنصة صناعية أُنشئت لتلبية احتياجات سوق طالما اعتمد بشكل كبير على الاستيراد.
قد يوفر الربط الكهربائي بين مصر والسعودية للبلدين نحو 600 مليون دولار سنويا، وربما ضعف هذا المبلغ إذا أُخذت في الحسبان تكاليف الوقود وأسعار الطاقة العالمية، وفقا لما قاله مصدر حكومي لنشرة إنتربرايز. وأوضح المصدر أن خفض استهلاك الوقود هو جوهر هذه الوفورات، إذ إن كل ميجاوات مستورد تقل تكلفته عن تكلفة توليد الكهرباء من المحطة المصرية التالية في الترتيب يوفر استهلاك تلك المحطة من الوقود.
أهمية الربط: غالبا ما تُستخدم الكابلات بين مصر وجيرانها لتصدير الكهرباء. لكن مشروع الربط مع السعودية سيتيح لمصر مصدرا ضخما للكهرباء يمكنها اللجوء إليه متى كانت تكلفته أقل من استهلاك الغاز محليا.
💡 تلجأ الشبكات لمحطات توليد الكهرباء وفقا لنظام للجدارة الاقتصادية، فتبدأ بأرخصها أولا، ثم تلجأ للمحطات الأعلى تكلفة مع ارتفاع الطلب. وتدمج تلك المنظومة الكهرباء المستوردة لتحتل مكانها في الترتيب.
الأسعار تحدد اتجاه التدفقات
يعتمد تبادل الكهرباء على اختلاف التوقيت؛ إذ يبلغ الطلب السعودي ذروته خلال النهار مع ارتفاع أحمال التبريد بفعل الشمس، في حين تأتي ذروة الطلب في مصر بعد حلول الظلام. ويمتد خط الربط البالغة تكلفته 1.8 مليار دولار لمسافة نحو 1,300 كيلومتر من الخطوط الهوائية والكابلات البحرية، من محطة محولات مدينة بدر في مصر إلى تبوك وشرق المدينة المنورة، وسينقل ما يصل إلى 3 جيجاوات من الكهرباء في الاتجاهين. وقال مصدران حكوميان لإنتربرايز إن الاختبارات الفنية في محطة بدر انتهت، ومن المتوقع بدء التشغيل التجاري قبل نهاية العام الجاري، فيما يتوقع أحدهما أن يعمل الخط بكفاءة اعتبارا من الربع الأول من عام 2027.
وتشير النماذج إلى أن التدفقات ستتبع الأسعار أكثر من أوقات الذروة. إذ تتوقع دراسة أعدها مركز الملك عبد الله للدراسات والبحوث البترولية (بي دي إف) بالرياض عام 2024 حول تجارة الكهرباء في 2030 أن تصدر السعودية إلى مصر 6.0 تيراوات ساعة سنويا بحلول عام 2030، معظمها خلال النهار حين تكون الطاقة الشمسية السعودية أرخص من الأسعار المصرية. في المقابل، ستصدر مصر إلى السعودية 2.8 تيراوات ساعة، معظمها في ليالي الصيف، حين تضطر السعودية إلى تشغيل التوربينات البخارية العاملة بالغاز بتكلفة 77.5 دولار لكل ميجاوات ساعة، مقابل 56.5 دولار لكل ميجاوات ساعة في محطات الدورة المركبة بمصر. وتفترض الدراسة وصول قدرات الطاقة الشمسية في السعودية إلى 90 جيجاوات بحلول عام 2030، وشراء البلدين للغاز بالأسعار العالمية.
لكن صياغة العقود ستحدد القيمة الاقتصادية للمشروع. إذ تخلص الدراسة إلى أن التداول بالساعة سيرفع قيمة مشروع الربط إلى ما يصل إلى 210 ملايين دولار سنويا من وفورات الوقود وتكاليف التشغيل، أما تثبيت الكميات على مدار اليوم فلن يحقق سوى ما بين 26 و33 مليون دولار من هذه القيمة، في حين تصل القيمة في حالة العقود ذات الأنماط اليومية إلى ما بين 112 و122 مليون دولار.
التصدير لا يزال يتصدر المشهد في مشاريع الربط الأخرى
ليبيا هي النموذج الأقدم، وهناك خطط للتوسع: تصدر مصر إلى ليبيا حاليا نحو 150 ميجاوات. واستُؤنفت المحادثات في يناير الماضي بشأن رفع القدرة إلى 2 جيجاوات بتكلفة مقترحة تبلغ 10 مليارات جنيه، وفقا لمصدر في الشركة المصرية لنقل الكهرباء، منها ملياري جنيه للمحطة الفرعية في مرسى مطروح المعروضة حاليا في مناقصة عالمية، و8 مليارات جنيه لخط جديد. وتمتلك مصر نحو 60 جيجاوات من القدرات المركبة مقابل ذروة أحمال بلغت 40.2 جيجاوات في أغسطس الماضي، غير أن حجم ما يمكن تصديره من هذا الفارق يتوقف على الطلب المحلي ومدى جاهزية المحطات.
أما اليونان فهي الرهان طويل الأجل؛ إذ سيصدر مشروع جريجي 3 جيجاوات إلى اليونان عبر نحو 950 كيلومترا من الكابلات البحرية من سيدي براني إلى إقليم أتيكا، من خلال قدرات لطاقة الرياح والطاقة الشمسية تصل إلى نحو 9.5 جيجاوات، تعتزم مجموعة كوبيلوزوس تطويرها في مصر لهذا الغرض. وهذا المشروع البالغة تكلفته 3.5 مليار يورو مدرج على قائمة مشروعات البنية التحتية ذات الأولوية في الاتحاد الأوروبي، وحصل في يناير الماضي على منحة من المفوضية الأوروبية بقيمة 9.56 مليون يورو لإجراء دراسات قاع البحر. ولا يزال المشروع في مرحلة الدراسات وجمع التمويل، ويستهدف بدء التشغيل التجاري في عام 2030.
حدود الشبكة هي العامل الأهم
جميع جوانب طموحات مصر للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة تتقاطع عند الشبكة القومية. فالغاز الذي ستوفره الدولة مع تنمية قدرات الطاقة المتجددة، وقدرات الموانئ والتخزين التي تبنيها لتعزيز المرونة، ورأس المال الخاص الذي سيشارك إلى جانب الدولة، والكابلات الممتدة نحو السعودية وليبيا واليونان، كلها تعتمد على قدرة الشبكة على نقل الكهرباء إلى الوجهة ذات القيمة الأعلى وفي التوقيت المناسب. وستخضع الشبكة لأول اختبار في هذا الصدد قبل نهاية العام الجاري، حين يبدأ تداول الكهرباء عبر مشروع الربط مع السعودية، إذ ستكشف الأشهر الأولى لتشغيل المشروع بالأرقام الفعلية عن قيمة تلك الطموحات.
فالمكسب الأكبر من مشروعات تجارة الكهرباء على مستوى المنطقة ليس في تصديرها، وإنما في توفير إمدادات موثوقة أرخص للدولة. وستخضع مصر في هذا الصدد لاختبارين عمليين: مدى قدرة شبكتها المحلية على استيعاب هذه التدفقات، ومدى جدوى اتفاقات تداول الكهرباء من الناحية الاقتصادية.
يتطلب نقل الكهرباء عبر حدود مصر نقلها أولا داخل البلاد. فبوسع محطات الغاز ومشروعات الطاقة المتجددة توفير الكهرباء، وقريبا ستفعل ذلك أيضا المفاعلات النووية. غير أن تحويل هذه الإمدادات إلى تجارة إقليمية يتطلب شبكة محلية قادرة على نقلها بين المحطات وإلى المستهلكين المصريين وعبر الحدود، حتى خلال أوقات الضغط.
وتعتمد كل الصفقات على هذه الشبكة؛ إذ يحتاج التصدير إلى قدرات توليد وإلى مسار يصل إلى الحدود، فيما يحتاج الاستيراد إلى مسار ينقل الكهرباء من الحدود إلى المستهلكين الذين يحتاجونها. أما نقل الكهرباء عبر مصر من سوق إلى آخر فيتطلب الأمرين معا.
💡 المسألة تتعلق بثلاثة أنواع من القدرات في الوقت ذاته. تقيس قدرات التوليد ما يمكن لمحطات الكهرباء إنتاجه، فيما تحدد قدرات النقل كمية الكهرباء التي تستطيع الشبكة نقلها بأمان. أما قدرات الربط الكهربائي فتضع الحد الأقصى الفعلي لمشاركة الكهرباء مع دولة أخرى، لكن الكمية التي يمكن تداولها فعليا تتوقف على القدرات الثلاث معا.
كما أن الوقود والشبكات يمثلان قيودا مختلفة. فالمحطات العاملة بالغاز يمكن أن تكون متصلة بالشبكة وجاهزة للتشغيل، لكنها غير متاحة لتصدير الكهرباء بسبب شح إمدادات الوقود. وفي المقابل، لا يعني تأمين الغاز بالضرورة أن الشبكة قادرة على نقل الكهرباء إلى الوجهة المطلوبة.
أضف إلى هذا أن موقع إمدادات الكهرباء لا يقل أهمية عن حجمها. فقدرات التوليد المتاحة في منطقة ما من مصر لا يمكنها تلقائيا تلبية متطلبات التصدير في منطقة أخرى، لأن حجم الكهرباء الإضافية التي يمكن للشبكة نقلها يتحدد بالخطوط ومحطات المحولات الفرعية على امتداد كل مسار. كما يتعين أن تواصل الشبكة عملها إذا تعطلت محطة كهرباء كبرى أو خط نقل رئيسي. وحجم الكهرباء الممكن تداولها في حالة جاهزية جميع الأصول ربما يكون أكبر من قدرة الشبكة في حالات الأعطال أو زيادة الطلب المحلي، أو حين نأخذ في الاعتبار الاحتياطيات اللازمة للحفاظ على استقرار المنظومة.
إتاحة الشبكة تحدد من يجني الأرباح
توسع الشبكة يتيح أيضا خيارات بشأن طريقة استخدامها. فزيادة قدرات النقل قد تتيح نقل المزيد من الكهرباء التي تشتريها الشركة المصرية لنقل الكهرباء وتعيد بيعها، وقد تسمح كذلك لعدد أكبر من المنتجين بالبيع مباشرة للعملاء مقابل سداد رسوم نقل الكهرباء عبر الشبكة. وبذلك فبينما يمكن للاستثمارات أن تنمي قدرات الشبكة، إلا أن قواعد استخدامها هي التي تحدد من يستطيع تحويل إمداداتها إلى نشاط تجاري.
وما زالت مساعي تحرير شبكة الكهرباء تخضع لقيود صارمة؛ فالإطار الذي نشره جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك يضع حدا أقصى للمرحلة الأولى من المشروعات التجريبية لبيع الكهرباء مباشرة بين كيانات القطاع الخاص، ويبلغ هذا الحد 500 ميجاوات موزعة على 5 مشروعات، على ألا تتجاوز قدرة أي مشروع 100 ميجاوات.
كما أصبح استخدام الشبكة أكثر تكلفة؛ فقد ارتفعت رسوم استخدام شبكة النقل في وقت سابق من شهر أكتوبر الجاري إلى 0.15 جنيه لكل كيلووات ساعة بالنسبة للجهد الفائق، و0.27 جنيه للجهد العالي، و0.34 جنيه للجهد المتوسط، بزيادات بلغت نحو 113% و65% و80% على الترتيب. وبالنسبة للمنتجين والعملاء الذين سيتعاقدون مباشرة بمجرد السماح ببيع الكهرباء بين كيانات القطاع الخاص، باتت تكلفة نقل الكهرباء تمثل حصة أكبر من الفاتورة.
وإتاحة الشبكة على هذا النحو ستخفف أيضا من العبء التمويلي الملقى على كاهل الدولة. فإذا تمكن المطورون من القطاع الخاص من تمويل المحطات وبيع الكهرباء مباشرة للمشترين بالقطاع الصناعي، يمكن لمصر إضافة قدرات توليد جديدة دون أن تمول الدولة كل المشاريع أو تلتزم بشراء إنتاجها، بينما ستواصل الشركة المصرية لنقل الكهرباء تحصيل رسوم النقل عبر الشبكة القومية.
ماذا يعني ذلك؟ يحتاج أي مركز إقليمي للكهرباء إلى توفر القدرات وإبرام صفقات مجدية من الناحية الاقتصادية. فالمعيار ليس حجم قدرات التوليد أو عدد الحدود التي تعبرها الكابلات، بل كمية الكهرباء التي تستطيع الشبكة المحلية نقلها باستقرار مع تلبية الطلب المحلي، وما إذا كانت العقود وترتيبات التسعير تسمح باستخدام هذه القدرات حين يسهم تداول الكهرباء في خفض التكلفة.
نظرة أشمل: تمتلك مصر بالفعل المقومات اللازمة لتصبح مركزا إقليميا للطاقة، من فائض في القدرات يتجاوز ذروة الاستهلاك، والمشروعات التوسعية في الطاقة المتجددة التي ستوفر الغاز للصناعة، وسلاسل التوريد القادرة على تحمل الصدمات، ورؤوس الأموال الخاصة المستعدة لمشاركة الدولة، إلى جانب مشروعات الربط الكهربائي مع الدول المجاورة. لكن تحول الدولة فعليا إلى مركز للطاقة يتطلب أن تعمل جميع هذه المقومات كمنظومة واحدة.