أرامكو تتجه إلى مصر مع تجدد المخاطر بالبحر الأحمر: تطرح شركة أرامكو السعودية شحنات نفط خام إضافية بنظام البيع الفوري من ميناء سيدي كرير، في ظل المخاطر الناتجة عن تهديدات الحوثيين، التي تهدد صادرات المملكة عبر باب المندب، حسبما أفادت به وكالة رويترز. وتأتي هذه الشحنات الإضافية لتدعم الإمدادات التي توفرها أرامكو بعقود طويلة الأجل، دون الإفصاح عن أحجام الشحنات أو أسعارها. وتبدو هذه التهديدات بالغة بالنسبة للمملكة؛ إذ تشير بيانات شركة كبلر للتحليلات الملاحية (بي دي إف)، التي نقلتها نشرة ميدل إيست إيكونوميك سيرفي (ميس)، إلى أن نحو 80% من صادرات الخام السعودي عبر البحر الأحمر و48% من صادرات المنتجات المكررة عبر البحر الأحمر مرت عبر باب المندب منذ مارس الماضي.
آلية العمل: يُنقل النفط الخام السعودي عبر خط أنابيب "شرق - غرب" التابع لأرامكو إلى ينبع، قبل شحنه شمالا عبر البحر الأحمر إلى العين السخنة. ثم يعبر الخام الأراضي المصرية عبر خط أنابيب سوميد، ليُحمل على ناقلات النفط في ميناء سيدي كرير على البحر المتوسط. وتستطيع الناقلات تحميل حمولتها بالكامل في البحر المتوسط دون الحاجة لدخول البحر الأحمر أو دفع رسوم عبور قناة السويس.
قناة السويس تتيح خيارا آخر.. لكنه أقل سهولة: لا تستطيع ناقلات النفط العملاقة، مثل الناقلات المحملة بالكامل بحمولة مليوني برميل، العبور من قناة السويس بسبب مستوى الغاطس المسموح به، مما يضطرها لتفريغ جزء من حمولتها لضخه في خط سوميد قبل إعادة تحميله في سيدي كرير. وتتراوح التقديرات للكمية التي يمكن نقلها عبر السويس بين 900 ألف و1.75 مليون برميل، بناء على نوع الناقلة وحمولتها، ما يعني تفريغ ما بين 250 ألف و1.1 مليون برميل قبل العبور شمالا. بالإضافة إلى أن الناقلات التي تعبر السويس للتحميل من ينبع ستتحمل رسوم القناة المرتفعة مرتين، عند العبور للتحميل وعند المغادرة، بينما يجنب التحميل من سيدي كرير الناقلات من تحمل تكاليف العبور في المرتين.
تذكر: برز هذا المسار ليكون خطة بديلة لصادرات السعودية في مارس الماضي، عندما عرضت مصر مسار العين السخنة - سيدي كرير حلا بديل للاضطرابات في مضيق هرمز. وافتتحت الحكومة المصرية لاحقا 10 مستودعات تخزين في البحر الأحمر أمام الشركات العالمية، في حين واصل خط سوميد نقل الخام السعودي بكامل طاقته بعد هجمات بالقرب من ينبع. ويبدو أن التهديدات الأخيرة تعزز الإقبال على استخدام هذه البنية التحتية ذاتها، للابتعاد عن باب المندب.
السعة متوفرة نظريا، لكن التحديات اللوجيستية قائمة: ينقل خط أرامكو "شرق - غرب" نحو 5 ملايين برميل يوميا من الخام إلى البحر الأحمر للتصدير، غير أن خط سوميد يكفي لنقل 2.5 مليون برميل يوميا فقط شمالا عبر مصر. وبلغ متوسط التوريدات السعودية للعين السخنة نحو 755 ألف برميل يوميا خلال العام الحالي، وفقا لنشرة ميس. وتمتلك مصر قدرات تخزينية لاستيعاب الزيادات المؤقتة في التدفقات، بوجود نحو 18.4 مليون برميل من السعة المتاحة في العين السخنة و19.5 مليون برميل أخرى في سيدي كرير، لكن التخزين لا يسهم إلا في تخفيف حدة الازدحام، ولا يمكنه زيادة السعة اليومية لخط الأنابيب نفسه.
هذا الحل البديل يناسب أوروبا أكثر من آسيا: تؤدي استراتيجية نقل الخام السعودي شمالا عبر مصر، ثم الدوران حول القارة عبر رأس الرجاء الصالح، إلى إطالة أمد الرحلة بين ينبع وتايوان من 19 يوما إلى 48 يوما، ما يرفع تكاليف الوقود إلى نحو 2.87 مليون دولار من 1.26 مليون دولار، ويضيف نحو مليون دولار رسوما لعبور قناة السويس، بحسب رويترز. وقد جرى حجز ما لا يقل عن ناقلة نفط عملاقة للتحميل من ساحل البحر المتوسط في مصر لتسليم شحنة إلى كوريا الجنوبية عبر طريق رأس الرجاء الصالح، في أول عملية تأجير من نوعها منذ عدة سنوات. في الوقت نفسه، تتجه ناقلة نفط عملاقة مملوكة لشركة يونانية شمالا من ينبع للعبور من قناة السويس دون التفريغ في خط سوميد، نظرا إلى أنها تحمل حمولة جزئية.
بعضهم يختار باب المندب: عبرت ناقلتان عملاقتان مملوكتان لشركات صينية تحملان خاما سعوديا مضيق باب المندب قبل أيام، مع تشغيل أجهزة التتبع الخاصة بهما. في حين عبرت ناقلات مرتبطة بشركات غربية المضيق أو اقتربت من ينبع بعد إغلاق أجهزة التتبع لتقليل مخاطر استهدافها.
ما أهمية الأمر: تُحوّل هذه الاضطرابات مصر من متضرر بسبب الحالة الأمنية في البحر الأحمر، إلى ركن رئيسي من الحلول البديلة لهذه الأزمة. فمع أن هجمات الحوثيين السابقة أدت إلى تراجع حركة الملاحة وإيرادات قناة السويس، يرفع هذا التهديد نفسه في يومنا هذا من قيمة البنية التحتية المصرية، بوصفها الممر الوحيد القائم والقادر على نقل الخام السعودي، وهو ما يعزز المبررات الاقتصادية لضخ المزيد من الاستثمارات الخليجية في قطاعات التخزين والموانئ والبنية التحتية البرية. فضلا عن أن هذا التحول لا يقتصر على النفط فحسب؛ فقد استثنت القاهرة شحنات الترانزيت المتجهة من وإلى دول الخليج من نظام التسجيل المسبق للشحنات، مما أزال عقبة إدارية أمام حركة البضائع الخليجية المنقولة برا بين الموانئ المطلة على البحر المتوسط والبحر الأحمر، ضمن هذا الممر الناشئ الذي يربط أوروبا ومصر ودول مجلس التعاون الخليجي.