قد يوفر الربط الكهربائي بين مصر والسعودية للبلدين نحو 600 مليون دولار سنويا، وربما ضعف هذا المبلغ إذا أُخذت في الحسبان تكاليف الوقود وأسعار الطاقة العالمية، وفقا لما قاله مصدر حكومي لنشرة إنتربرايز. وأوضح المصدر أن خفض استهلاك الوقود هو جوهر هذه الوفورات، إذ إن كل ميجاوات مستورد تقل تكلفته عن تكلفة توليد الكهرباء من المحطة المصرية التالية في الترتيب يوفر استهلاك تلك المحطة من الوقود.
أهمية الربط: غالبا ما تُستخدم الكابلات بين مصر وجيرانها لتصدير الكهرباء. لكن مشروع الربط مع السعودية سيتيح لمصر مصدرا ضخما للكهرباء يمكنها اللجوء إليه متى كانت تكلفته أقل من استهلاك الغاز محليا.
💡 تلجأ الشبكات لمحطات توليد الكهرباء وفقا لنظام للجدارة الاقتصادية، فتبدأ بأرخصها أولا، ثم تلجأ للمحطات الأعلى تكلفة مع ارتفاع الطلب. وتدمج تلك المنظومة الكهرباء المستوردة لتحتل مكانها في الترتيب.
الأسعار تحدد اتجاه التدفقات
يعتمد تبادل الكهرباء على اختلاف التوقيت؛ إذ يبلغ الطلب السعودي ذروته خلال النهار مع ارتفاع أحمال التبريد بفعل الشمس، في حين تأتي ذروة الطلب في مصر بعد حلول الظلام. ويمتد خط الربط البالغة تكلفته 1.8 مليار دولار لمسافة نحو 1,300 كيلومتر من الخطوط الهوائية والكابلات البحرية، من محطة محولات مدينة بدر في مصر إلى تبوك وشرق المدينة المنورة، وسينقل ما يصل إلى 3 جيجاوات من الكهرباء في الاتجاهين. وقال مصدران حكوميان لإنتربرايز إن الاختبارات الفنية في محطة بدر انتهت، ومن المتوقع بدء التشغيل التجاري قبل نهاية العام الجاري، فيما يتوقع أحدهما أن يعمل الخط بكفاءة اعتبارا من الربع الأول من عام 2027.
وتشير النماذج إلى أن التدفقات ستتبع الأسعار أكثر من أوقات الذروة. إذ تتوقع دراسة أعدها مركز الملك عبد الله للدراسات والبحوث البترولية (بي دي إف) بالرياض عام 2024 حول تجارة الكهرباء في 2030 أن تصدر السعودية إلى مصر 6.0 تيراوات ساعة سنويا بحلول عام 2030، معظمها خلال النهار حين تكون الطاقة الشمسية السعودية أرخص من الأسعار المصرية. في المقابل، ستصدر مصر إلى السعودية 2.8 تيراوات ساعة، معظمها في ليالي الصيف، حين تضطر السعودية إلى تشغيل التوربينات البخارية العاملة بالغاز بتكلفة 77.5 دولار لكل ميجاوات ساعة، مقابل 56.5 دولار لكل ميجاوات ساعة في محطات الدورة المركبة بمصر. وتفترض الدراسة وصول قدرات الطاقة الشمسية في السعودية إلى 90 جيجاوات بحلول عام 2030، وشراء البلدين للغاز بالأسعار العالمية.
لكن صياغة العقود ستحدد القيمة الاقتصادية للمشروع. إذ تخلص الدراسة إلى أن التداول بالساعة سيرفع قيمة مشروع الربط إلى ما يصل إلى 210 ملايين دولار سنويا من وفورات الوقود وتكاليف التشغيل، أما تثبيت الكميات على مدار اليوم فلن يحقق سوى ما بين 26 و33 مليون دولار من هذه القيمة، في حين تصل القيمة في حالة العقود ذات الأنماط اليومية إلى ما بين 112 و122 مليون دولار.
التصدير لا يزال يتصدر المشهد في مشاريع الربط الأخرى
ليبيا هي النموذج الأقدم، وهناك خطط للتوسع: تصدر مصر إلى ليبيا حاليا نحو 150 ميجاوات. واستُؤنفت المحادثات في يناير الماضي بشأن رفع القدرة إلى 2 جيجاوات بتكلفة مقترحة تبلغ 10 مليارات جنيه، وفقا لمصدر في الشركة المصرية لنقل الكهرباء، منها ملياري جنيه للمحطة الفرعية في مرسى مطروح المعروضة حاليا في مناقصة عالمية، و8 مليارات جنيه لخط جديد. وتمتلك مصر نحو 60 جيجاوات من القدرات المركبة مقابل ذروة أحمال بلغت 40.2 جيجاوات في أغسطس الماضي، غير أن حجم ما يمكن تصديره من هذا الفارق يتوقف على الطلب المحلي ومدى جاهزية المحطات.
أما اليونان فهي الرهان طويل الأجل؛ إذ سيصدر مشروع جريجي 3 جيجاوات إلى اليونان عبر نحو 950 كيلومترا من الكابلات البحرية من سيدي براني إلى إقليم أتيكا، من خلال قدرات لطاقة الرياح والطاقة الشمسية تصل إلى نحو 9.5 جيجاوات، تعتزم مجموعة كوبيلوزوس تطويرها في مصر لهذا الغرض. وهذا المشروع البالغة تكلفته 3.5 مليار يورو مدرج على قائمة مشروعات البنية التحتية ذات الأولوية في الاتحاد الأوروبي، وحصل في يناير الماضي على منحة من المفوضية الأوروبية بقيمة 9.56 مليون يورو لإجراء دراسات قاع البحر. ولا يزال المشروع في مرحلة الدراسات وجمع التمويل، ويستهدف بدء التشغيل التجاري في عام 2030.
حدود الشبكة هي العامل الأهم
جميع جوانب طموحات مصر للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة تتقاطع عند الشبكة القومية. فالغاز الذي ستوفره الدولة مع تنمية قدرات الطاقة المتجددة، وقدرات الموانئ والتخزين التي تبنيها لتعزيز المرونة، ورأس المال الخاص الذي سيشارك إلى جانب الدولة، والكابلات الممتدة نحو السعودية وليبيا واليونان، كلها تعتمد على قدرة الشبكة على نقل الكهرباء إلى الوجهة ذات القيمة الأعلى وفي التوقيت المناسب. وستخضع الشبكة لأول اختبار في هذا الصدد قبل نهاية العام الجاري، حين يبدأ تداول الكهرباء عبر مشروع الربط مع السعودية، إذ ستكشف الأشهر الأولى لتشغيل المشروع بالأرقام الفعلية عن قيمة تلك الطموحات.
فالمكسب الأكبر من مشروعات تجارة الكهرباء على مستوى المنطقة ليس في تصديرها، وإنما في توفير إمدادات موثوقة أرخص للدولة. وستخضع مصر في هذا الصدد لاختبارين عمليين: مدى قدرة شبكتها المحلية على استيعاب هذه التدفقات، ومدى جدوى اتفاقات تداول الكهرباء من الناحية الاقتصادية.