Posted inفنجان قهوة مع

فنجان قهوة مع رامي يوسف مساعد وزير المالية حول استراتيجية مصر المرتقبة للسياسات الضريبية

حصري - لم تكن معضلة مصر مع المستثمرين تتعلق يوما بسعر الضريبة في حد ذاته، بل بالتعديلات التي كانت تصدر بوتيرة أسرع من قدرة أي شخص على التخطيط لها، فضلا عن غياب الرؤية بشأن التوجهات المستقبلية للسياسات الضريبية. ويصف مساعد وزير المالية للسياسات والتطوير الضريبي رامي يوسف (لينكد إن) ما تسعى إليه الوزارة بأنه إطار قانوني وإجرائي مستقر، و"ليس مجرد تعديل أرقام أو تقديم إعفاءات عابرة"، بما يمنح المستثمر يقينا كاملا بشأن تكاليفه والتزاماته لسنوات قادمة.

يتولى يوسف إدارة ملف السياسات والتطوير الضريبي بالوزارة منذ نوفمبر 2021. وكذلك يترأس حاليا لجنة الأمم المتحدة المعنية بصياغة اتفاقية إطارية للتعاون الضريبي الدولي — وهي الجهة التي تفصل في مسائل الضرائب الرقمية التي سنتطرق إليها لاحقا في هذه المقابلة — كما يترأس مصلحة الضرائب العقارية منذ شهر يونيو الماضي.

التقينا يوسف للحديث عن استراتيجية السياسات الضريبية التي يعكف على صياغتها، والملفات التي حُسمت بالفعل وتلك التي لا تزال قيد الدراسة، بما في ذلك ضريبة القيمة المضافة والمعاملة الضريبية للمناطق الحرة والحد الأدنى العالمي للضريبة، وضريبة الكربون، والاقتصاد الرقمي، فضلا عن التحديث الشامل للضريبة العقارية التي أصبح يمكن سدادها عبر تطبيق إلكتروني.

إنتربرايز: أرجأت الوزارة في أغسطس الماضي خطط طرح قانون جديد للضريبة على الدخل، وفضلت عوضا عن ذلك إصدار حزمة ثالثة من التسهيلات المخصصة. تغطي وثيقة السياسات الحالية الجوانب ذاتها. فإلى أين وصلت هذه الوثيقة؟ وهل يعني ذلك إصدار قانون جديد في نهاية المطاف؟

يوسف: نضع حاليا اللمسات النهائية على الاستراتيجية، وسنطرحها للحوار المجتمعي قبل نهاية العام. وتتضمن الاستراتيجية ملف ضريبة الدخل بأكمله سواء للشركات أو الأفراد، بما في ذلك الشرائح وحد الإعفاء. ويشمل ذلك حسم ما إذا كانت الوزارة ستتجه إلى إصدار قانون جديد للضريبة على الدخل أم ستبقي على القانون الحالي مع إدخال تعديلات عليه.

إنتربرايز: خطتكم للمناطق الحرة كانت تتضمن فرض ضريبة مقطوعة تصل إلى 4% على السلع المبيعة في السوق المحلية، وكانت المراجعة الثامنة لبرنامج صندوق النقد والمقررة هذا الشهر تنتظر إقرارها. فما مصير هذه الضريبة حاليا؟

يوسف: لن تفرض الضريبة القطعية على المناطق الحرة قبل انتهاء المراجعة الثامنة؛ نظرا إلى أن الملف ما زال بحاجة إلى نقاش بين وزارة الاستثمار، والهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة، ووزارة المالية، وجهات حكومية أخرى، فهو قيد الدراسة حاليا ولم يُحسم بعد. لقد طلب منا صندوق النقد دراسة السوق، وفي ظل الظروف الراهنة، فالوقت الحالي ليس مناسبا لفرض أعباء جديدة. غير أن الفكرة مطروحة على الطاولة، وبمجرد التوصل إلى رؤية محددة ستُعرض على مجلس الوزراء. وأي تغيير من هذا القبيل سيتطلب تشريعا قانونيا، "ما يعني أنه لم يصل بعد إلى مرحلة التنفيذ".

إنتربرايز: وقعت مصر على خطة الركيزتين التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في عام 2021، وفي مارس 2025 علمنا أن تلبية إطار العمل الخاص بالركيزة الثانية لم يكن ضمن أولويات الحكومة. لكن المنظمة ومكاتب المحاسبة العالمية طالبت مصر بوضع جدول زمني لتطبيق الحد الأدنى العالمي للضريبة البالغ 15%. فهل سيُطبق هذا الحد؟

يوسف: الدراسة التي أجريناها في هذا الشأن انتهت إلى أن تطبيق هذا الحد لا يمثل أولوية لمصر في الوقت الحالي؛ فدراسات الجدوى المبدئية لم تظهر حتى الآن عوائد تبرر تحمل التكلفة التشريعية والإدارية اللازمة للتطبيق، الذي يتطلب تعديلات في التشريعات المحلية ولوائح تنفيذية واسعة ومعقدة. ويجب أن يكون الهدف من التطبيق تحقيق منفعة للاقتصاد المصري، وليس لمجرد مواكبة الاتجاه العالمي. كما أن الإيرادات ستكون محدودة؛ فالمناطق الحرة لدينا تدفع بالفعل رسما سنويا على إجمالي الإيرادات يقترب من تلك النسبة، لكن دون تحمل أعباء إضافية. ولا تسري هذه القواعد إلا على مجموعات الشركات متعددة الجنسيات التي تبلغ إيراداتها العالمية 750 مليون يورو على الأقل، ما يقصر نطاق تطبيقه على شريحة محددة من الشركات. ولا يعد هذا رفضا من حيث المبدأ، بل هو ملف نُقيمه بناء على جدواه الاقتصادية.

إنتربرايز: أُبلغنا في مارس 2025 ومرة أخرى في أكتوبر من العام ذاته أن الوزارة ستُبقي على حد التسجيل في ضريبة القيمة المضافة البالغ 500 ألف جنيه دون تغيير رغم الضغوط. ولا يزال الحد عند 500 ألف جنيه، فلماذا الإبقاء عليه؟

يوسف: أخذنا هذه المطالب على محمل الجد، لكننا قررنا في النهاية الإبقاء على حد التسجيل كما هو. فرفعه قد يوسع نطاق التهرب الضريبي ويخلق تفاوتًا في المعاملة بين الأنشطة المتنافسة؛ إذ يمكن للشركة غير المسجلة بيع السلع ذاتها بسعر أقل لأنها لا تُحصِّل ضريبة القيمة المضافة، في حين يتحمل منافسوها المسجلون هذه الضريبة. وإذا رفعنا الحد إلى مستويات أعلى من 3 ملايين أو 10 ملايين جنيه، قد يشجع ذلك بعض المنشآت على الإبقاء على إيراداتها المعلنة دون الحد المطلوب للتسجيل. وكان الهدف من حد التسجيل تخفيف الأعباء الإدارية عن الأنشطة الصغيرة، لكن التحول إلى الإقرارات والسداد الإلكترونيين قلل كثيرا من هذه الأعباء بالفعل، مما يضعف المبرر الإداري لرفعه. كذلك فبعض الدول لا تطبق حدا للتسجيل من الأساس. كما أن الحد الحالي للتسجيل مناسب في الوقت الراهن، مع إمكانية إعادة النظر فيه إذا تبدلت الظروف.

إنتربرايز: تدخل آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية حيز التنفيذ قريبا، رغم أن المصدرين المصريين لديهم مهلة مبدئية حتى عام 2027. فإلى أين وصلت ضريبة الكربون المحلية؟

يوسف: نعكف على إيجاد أفضل السبل للتعامل مع المتطلبات الأوروبية. فآلية تعديل حدود الكربون تفرض تكلفة كربونية على السلع المشمولة عند دخولها السوق الأوروبية. وإذا تحملت الشركة تكلفة كربونية معترف بها في بلد المنشأ، فإن ذلك قد يُحتسب ضمن المعالجة الأوروبية؛ أما إذا لم تُحصَّل الضريبة هنا، فإن الشركة ستدفع التكلفة في أوروبا بدلا من دفعها في مصر. والهدف هو التوصل إلى ترتيبات تدعم تنافسية الاستثمار والصادرات المصرية، وليس فرض نظام قبل تقييم آثاره. غير أن فرض ضريبة كربون محلية غير مطروح حاليا، رغم الدراسات المكثفة الجارية بشأن هذا الملف، نظرا إلى أن الظروف الراهنة قد تؤجل تطبيقها.

إنتربرايز: اتخذت الهند وكندا إجراءات منفردة لفرض ضرائب على الخدمات الرقمية، فهل ستمضي مصر في هذا المسار؟

يوسف: مصر تسعى إلى الحصول على حصة عادلة من الضرائب على هذه الممارسات، التي تتمثل في تقديم خدمة من مصر لصالح شركة في دولة أخرى عبر منصات عالمية، وهو ما يندرج تحت ضريبة الدخل. لكننا لا نعتزم اتخاذ إجراءات ضريبية فردية بشأن الخدمات الرقمية في الوقت الحالي. ونتابع المفاوضات الجارية في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والأمم المتحدة بشأن وضع قواعد للضرائب الدولية في الاقتصاد الرقمي، كما تشمل هذه المحادثات الحد الأدنى العالمي للضريبة والتنقل الدولي للمستثمرين. وقد اتخذت الهند وكندا خطوات منفردة وواجهتا تعقيدات وضغوطا دفعتهما إلى تعليق بعض هذه الإجراءات أو وقفها. لذا فإن انتظار التوافق الدولي قد يكون أكثر فعالية من التحركات المنفردة التي تخلق نزاعات دون تحقيق عائد ضريبي يتناسب مع تكلفتها.

إنتربرايز: ننتقل إلى مشروع قانون مناطق المال والأعمال — وهو الإطار الذي سمعنا عنه في يوليو والرامي إلى جذب الشركات التي تخدم أسواقا خارج مصر إلى المناطق المالية والتجارية، مع تقديم حوافز ضريبية وجمركية. إلى أين وصل هذا المشروع؟ وما الذي يقدمه للشركات الكبرى؟

يوسف: يستهدف المشروع الشركات الكبرى، وقد تتخذ الحوافز المقترحة أشكالا مختلفة — سواء إعفاءات لفترة محددة، أو تخفيضات في أسعار الضريبة. لكن مشروع القانون ما زال بحاجة إلى موافقة مجلس الوزراء قبل طرحه وإحالته إلى مجلس النواب.

إنتربرايز: أسند إليكم أيضا رئاسة مصلحة الضرائب العقارية حاليا، وقد أثار تطبيقها الإلكتروني شكاوى طوال شهر سبتمبر قبل تأجيل الموعد النهائي لتقديم الإقرارات. فما الذي تغير؟

يوسف: لدينا نحو 2.2 مليون حساب مسجل فيما اقترب عدد الوحدات المسجلة عبر التطبيق من 3.3 مليون وحدة. وقد ألغت الوزارة التعاقد مع الشركة السابقة المسؤولة عن التطبيق بعد ظهور مشكلات في التشغيل، ومنحنا الممولين 3 أشهر كاملة لتعويض التأخير. وبعدما أسندنا تطوير التطبيق إلى شركة "إي فاينانس" مؤخرا، بات من المقرر إطلاق التطبيق الجديد في الأسبوع الأول من نوفمبر بالتزامن مع معرض القاهرة الدولي للتكنولوجيا ، على أن يتضمن واجهة أفضل، وخيارات أكثر استقرارا، وميزات جديدة، مع الاحتفاظ ببيانات الإقرارات المقدمة بالفعل.

إنتربرايز: فيما يخص خريطة الأسعار، كيف يمكن لأي شخص معرفة قيمة شقته قبل فرض الضريبة عليها؟

يوسف: نعمل على إعداد خريطة سعرية رقمية للعقارات في مصر باستخدام نظم المعلومات الجغرافية، لتحديد متوسطات الأسعار في المناطق المختلفة بدلا من الاعتماد على تقديرات منفصلة لكل وحدة على حدة. وتعتمد الخريطة على معاملات البيع والشراء والعقود والتقييمات السابقة ومعلومات السوق العقارية، وتراجعها لجان من المحافظة والضرائب العقارية وخبراء محليين لتحديد الشرائح. وسيحدد متوسط سعر للمتر في كل نطاق على الخريطة، ثم تُستخدم هذه البيانات في احتساب الضريبة وفقا للمعادلة القانونية. وستُنشر الخريطة وتتاح للجمهور قبل 90 يوما من أي ربط ضريبي، ليتمكن الناس من الاطلاع على الأسس السعرية المستخدمة في التقييم. كما أن تكون هذه الخريطة لن تبقى ثابتة، بل ستخضع للمراجعة والتحديث وفقا للطعون المقدمة والبيانات الجديدة، وإذا تركزت الاعتراضات في شارع واحد أو منطقة بعينها، فسيجري تحليلها للتحقق مما إذا كانت التقييمات تحتاج إلى مراجعة.

إنتربرايز: ماذا عن الجوانب التي تمس المواطنين مباشرة، بما في ذلك المواعيد النهائية، والمصانع التي تحظى بإعفاء من ضريبة العقارات، وماكينات الصراف الآلي؟

يوسف: لا نركز على تعظيم حصيلة الضريبة العقارية في هذه المرحلة. بل نركز على جودة الخدمة واستعادة الثقة فيها، وسنقيم أنفسنا بناء على عدد الإقرارات المقدمة، وحجم الثروة العقارية التي حصرناها فعليا، والخدمة ذاتها، وليس بناء على الإيرادات وحدها. ولذلك مددنا فترة تقديم الإقرارات لمدة 3 أشهر، وفترة التسوية والإعفاء من الغرامات لستة أشهر أخرى، حتى 2 أبريل 2027. ويتيح تقديم الإقرارات خلال هذه الفترة الاستفادة من الحوافز المقررة؛ كما يظل التقديم متاحا بعدها وفقا للقواعد، ولكن دون الحصول على الخصم الخصم المرتبط بالمهلة. ويمكن الدفع على مدار العام، سواء دفعة واحدة أو على أقساط، دون احتساب مقابل تأخير لمجرد توزيع السداد خلال السنة التي تستحق فيها الضريبة؛ إذ تُطبق قواعد الغرامات عند انقضاء الموعد النهائي القانوني دون سداد، وذلك من خلال مشغلي الدفع الإلكتروني، والبنوك، وإنستاباي، وأبل باي.

فيما يخص المصانع، تتحمل الدولة الضريبة عنها بدلا من إعفائها، ونجري محادثات مع اتحاد الصناعات حول استمرار هذا الوضع؛ بما في ذلك ما إذا كانت الضريبة ستُطبق على المباني فقط مع إعفاء الأراضي الفضاء المحيطة منها، وكيفية التعامل مع مساحات التخزين. ولم يحسم بعد الشكل النهائي للمعالجة أو ما إذا كان تحمل الدولة للضريبة سيمتد لفترة إضافية. أما بخصوص ماكينات الصراف الآلي، فقد قررت الوزارة عدم إخضاعها للضريبة، باعتبارها منقولات يمكن نقلها دون إتلافها، لذا فهي تعد من المنقولات وليس العقارات.

إنتربرايز: الحكومة تردد أن مصر لديها بالفعل مجموعة واسعة من الحوافز، مثل تلك الواردة في قانون الاستثمار، والهيدروجين الأخضر، والحوافز المخصصة للشركات الصغيرة والمتوسطة، والمناطق الحرة. فإذا لم تكن الحوافز هي الحل، فما هو إذن؟

يوسف: التخليص الجمركي. فإذا تكدست مستلزمات الإنتاج على الحدود، سيتحمل المستثمر رسوم أرضيات وسيتأخر الإنتاج عدة أيام، وهنا لن يكون الإعفاء الضريبي ذا قيمة كبيرة لمستثمر لا يستطيع تشغيل مصنعه بكفاءة. وعلاوة على ذلك، يجب أن تكون هناك إجراءات إدارية واضحة، واستقرار في العقود وإجراءات تخصيص الأراضي وتملكها، وقدرة على الاستيراد والتصدير، وتوافر العملة الأجنبية والسيولة اللازمة لممارسة النشاط. إذ إن كفاءة الإدارة الضريبية ووضوح إجراءات الفحص من أهم الأمور التي تمنح المستثمر الثقة. فالتنافسية لا تكمن بالضرورة في سعر الضريبة، بل في سهولة الامتثال، ووضوح الالتزامات، وتقليل الاحتكاك المباشر بين الممول ومأمور الضرائب.

إنتربرايز: ارتفعت الإيرادات الضريبية ارتفاعا حادا. هل سيستمر هذا الزخم؟ وهل ستضيف هذه الخطوات مزيدا من الأعباء؟

يوسف: ارتفعت الإيرادات الضريبية بنحو 35% في العام المالي 2026/2025، ونسير بخطى متوافقة مع الأهداف المحددة للعام رغم الظروف الراهنة. وتتمثل الاستراتيجية في توسيع القاعدة الضريبية وتحسين الامتثال بدلا من إثقال كاهل الممولين الملتزمين بالفعل؛ فدور المصلحة يكمن في ضمان التحصيل الصحيح، وليس جمع أكبر قدر ممكن من الأموال بأي ثمن. وينصب تركيزنا حاليا على دعم الاستثمار والصناعة، وتجنب اتخاذ أي قرار يضيف أعباء جديدة على المستثمرين.