Posted inتشريعات

الحكومة تعُد إطارا قانونيا وضريبيا جديدا لمناطق المال والأعمال

تتجه الحكومة إلى وضع إطار تشريعي مستقل لمناطق المال والأعمال في البلاد. إذ يهدف مشروع قانون جديد معروض حاليا على لجنة الشؤون الاقتصادية بمجلس النواب إلى تحويل هذه المناطق إلى مراكز خدمات إقليمية مستقلة وموجهة بالكامل نحو الخارج، وفق ما صرح به مصدر برلماني لإنتربرايز. وفي حالة إقرار التشريع الجديد، ستعمل هذه المناطق تحت مظلة جهات تنظيمية وأطر ترخيص وحزم حوافز خاصة بها.

تذكر: وافق مجلس الوزراء مبدئيا على هذا الإطار التنظيمي العام الماضي، بهدف جذب المزيد من رؤوس الأموال الأجنبية من خلال إنشاء سلطة ترخيص سريعة المسار. وتعكف الحكومة على دراسة التشريعات والحوافز منذ عام 2024 لجذب المستثمرين الأجانب إلى منطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الإدارية الجديدة، مع إمكانية تكرار هذا النموذج في مدينة العلمين الجديدة. وكانت وزارة المالية تدرس أيضا إقرار إعفاءات ضريبية وجمركية للمستثمرين في المنطقة، دون الكشف عن تفاصيلها في ذلك الوقت.

مساران للعمل: يضع مشروع القانون نظاما ذا مسارين للشركات:

  • التسجيل المحدود: مخصص للشركات التي تهدف إلى توجيه نشاطها نحو الخارج وتتخذ من مصر قاعدة لإدارة عملياتها، بما في ذلك الخدمات المصرفية والمالية غير المصرفية. ويمنحها هذا المسار إعفاءات ضريبية وجمركية واسعة، وحرية في حركة رؤوس الأموال، كما يتيح لها التحرر الكامل من أي قيود داخل الدولة.
  • التسجيل المفتوح: مخصص للشركات التي تمارس أنشطة أو تقدم خدمات مكملة وتتعامل مع السوق المحلية والخارجية على حد سواء، مما يبقيها خاضعة للتشريعات والقوانين المطبقة على مثيلاتها في السوق المحلية.

جدار الحماية الفاصل: لا تملك الشركات ذات التسجيل المحدود وصولا غير مشروط إلى السوق المحلية. ولتقديم خدماتها أو البيع داخل مصر، يتعين عليها توجيه عملياتها عبر القوانين القطاعية المنظمة، أو من خلال كيان مؤسس خارج المنطقة، أو عبر شركة تابعة تعمل بنظام التسجيل المفتوح. وتُعامل أي خدمة تتخطى هذا الجدار قانونيا بمعاملة المستورد وتخضع للتنظيم بناء على ذلك.

الحكم والمطور

يفصل التشريع الجديد تمام بين مهمتي التنظيم والتطوير. وستعمل هيئة اقتصادية تتبع مجلس الوزراء أنشئت حديثا، وهي الهيئة العامة للمناطق المركزية للمال والأعمال، كجهة تنظيمية وحيدة تتولى إصدار كافة التراخيص، والتصاريح، والرقابة والإشراف دون تدخل من جهات خارجية بما يضمن سرعة اتخاذ القرار. وسيرأس مجلس إدارتها وزير الاستثمار، ويضم في عضويته ممثلين عن البنك المركزي المصري، والهيئة العامة للرقابة المالية، ووزارة العدل، إلى جانب خبراء مستقلين.

أما التطوير فسيقع في مسار منفصل؛ إذ سيتولى مطور المنطقة أعمال البناء والتنمية، والمساعدة في رسم سياسة التشغيل الداخلية، وإدارة خطوات ما قبل الترخيص، بما في ذلك إصدار الموافقات المبدئية وشهادات الاعتماد، قبل الاعتماد النهائي من الهيئة. كما سيساعد المطور في مراقبة المشروعات، وإن كانت الرقابة النهائية تظل بيد الهيئة. وستُنشأ المناطق الجديدة بقرار من مجلس الوزراء، على أن تقع كل منطقة على مسافة لا تقل عن 100 كيلومتر من أقرب منطقة قائمة، وألا يقل حجم الاستثمارات الإجمالية لتأسيسها وتطويرها بالكامل عن 5 مليارات دولار.

ضريبة صفرية؟

إعفاء ضريبي لربع قرن: ستحظى المشروعات العاملة بنظام التسجيل المحدود بمعاملة تفضيلية جذابة؛ إذ ستخضع لضريبة بنسبة 0% على أرباح النشاط التجاري والأرباح الرأسمالية لمدة 25 عاما من تاريخ تشغيل المنطقة، وضريبة بنسبة 0% على العقارات المبنية لمدة 15 عاما، وضريبة بنسبة 0% على الدخل المتحقق من استغلال والتصرف في العقارات لمدة سبع سنوات، و0% ضريبة على توزيعات الأرباح لمدة خمس سنوات، مع جواز تمديدها جميعا من قبل مجلس الوزراء لفترات مماثلة. وسيدفع موظفو هذه الشركات ضريبة كسب عمل بنسبة 0% لمدة 25 عاما، في حين تدفع الشركات رسما بنسبة 10% من إجمالي تكاليف الأجور خلال الفترة نفسها لتمويل نظام الحوكمة الضريبية الخاص بالمنطقة. وستخضع ضريبة القيمة المضافة لسعر صفر على الخدمات المقدمة لمشروعات التسجيل المحدود الأخرى أو المُصدَّرة للخارج، وعلى السلع والخدمات الموردة لهذه المشروعات من داخل مصر أو خارجها، وعلى عمليات بيع أو تأجير أو استخدام الوحدات والعقارات المقامة بالمنطقة.

لا ضرائب إضافية مفاجئة: لن تخضع مشروعات التسجيل المحدود لضريبة الدمغة، أو رسوم تنمية موارد الدولة، أو المساهمات التكافلية، أو أي ضرائب أخرى ما لم ينص القانون على غير ذلك. ومع ذلك، تظل هناك استثناءات؛ إذ ستظل عوائد أذون وسندات الخزانة خاضعة لقواعد ضريبة الدخل الحالية، وتظل المدفوعات لغير المقيمين خاضعة للضريبة المستقطعة من المنبع، وتُعامل الشركات متعددة الجنسيات الخاضعة لقواعد الحد الأدنى العالمي للضريبة وفقا للقوانين ذات الصلة والاتفاقيات الدولية النافذة في مصر.

ويبدأ احتساب فترة الحوافز من تاريخ تشغيل المنطقة، أو من تاريخ تشغيل كل مرحلة إذا جرى الافتتاح على مراحل. وتضع مسودة القانون حدا أقصى يبلغ 10 سنوات من تاريخ تشغيل المرحلة الأولى لبدء استفادة المشروعات من هذه الإعفاءات.

إعفاء جمركي كامل: ستُعفى الآلات والمعدات المستوردة لتأسيس أو تشغيل أو التوسع في المشروعات من الرسوم الجمركية (باستثناء سيارات الركوب)، وينطبق الإعفاء ذاته على المعدات المستوردة من أي شركة لإنشاء وتطوير وصيانة البنية التحتية للمنطقة ومرافقها.

حركة الأموال

حرية حركة رؤوس الأموال والقروض الخارجية: تتعهد الحكومة بالسماح لجميع تحويلات الأموال والأصول المنقولة المرتبطة بمشروعات التسجيل المحدود بالتحرك بحرية من وإلى مصر، وفقا للقانون المعمول به. ويمكن لهذه الشركات التعامل بالعملات الأجنبية بموجب قواعد البنك المركزي المصري، ويجوز تحصيل الضرائب المستحقة عليها بالعملة الأجنبية وفقا لقواعد يصدرها مجلس الوزراء بعد موافقة البنك المركزي. وستخضع الفوائد على القروض التي تحصل عليها هذه المشروعات من الخارج لضريبة بنسبة 0% إذا كان أجل القرض لا يقل عن ثلاث سنوات، وستتمتع المشروعات بضمانات الملكية المنصوص عليها في قانون الاستثمار.

الرقابة المالية تظل بيد الجهات القطاعية: يختص البنك المركزي المصري بوضع القرارات التنظيمية الحاكمة للأنشطة المصرفية التي تزاولها مشروعات التسجيل المحدود، بينما تتولى الهيئة العامة للرقابة المالية وضع القرارات الخاصة بالأنشطة المالية غير المصرفية. ولن تصدر الهيئة الجديدة قراراتها التنفيذية إلا بعد موافقة المركزي أو الرقابة المالية بحسب الأحوال. ويتحمل المطور عبء الامتثال، بما في ذلك مراجعة المستندات الداعمة لشهادات الاعتماد والموافقات، وتجنب تضارب المصالح، وحماية بيانات العملاء، واتباع قواعد الاستعانة بمصادر خارجية الصادرة عن الهيئة. ويمكن تسوية النزاعات عن طريق التحكيم أو التوفيق أو الوساطة، ويجوز لمجلس الوزراء الموافقة على إنشاء مركز تحكيم خاص (أو فرع لمركز قائم) داخل المنطقة.

رأينا: يبدو هذا التوجه بمثابة محاولة جادة لتأسيس كيان على الأراضي المصرية يحاكي تجربة مركز دبي المالي العالمي أو سوق أبوظبي العالمي؛ أي إنشاء منطقة ذات إطار تنظيمي وتشريعي مستقل تخضع لنظام القانون العام، وتقدم حزمة إعفاءات ضريبية تمتد لـ 25 عاما، وتستهدف على الأرجح المقار الإقليمية وشركات الخدمات المالية التي تفضل عادة التمركز في الخليج. ورغم أن الحزمة الضريبية المقترحة تبدو جذابة بما يكفي للفت الانتباه، لكن السؤال الجوهري يكمن في ما إذا كان هذا النظام بأكمله قادرا على توفير الميزة الأهم التي تروج لها تلك المراكز عادة: الاستقرار التنظيمي ووضوح الرؤية المستقبلية.

ماذا بعد: لا يزال مشروع القانون بحاجة إلى موافقة لجنة الشؤون الاقتصادية والتصويت النهائي عليه في الجلسة العامة لمجلس النواب، ثم موافقة الرئيس عبد الفتاح السيسي عليه ونشره في الجريدة الرسمية، قبل أن يصبح قانونا نافذا. وبمجرد اجتياز هذه الخطوات، لن يدخل الإطار التنظيمي حيز التنفيذ إلا بعد إصدار مجلس الوزراء اللائحة التنفيذية وقرار تدشين المنطقة الأولى من هذا النوع.

العلامات: