اقترضت الحكومة نحو 4.3 تريليون جنيه من السوق المحلية خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام المالي 2026-2027، لتلبي تقريبا كامل احتياجاتها التمويلية لهذا العام من داخل البلاد. وتوزعت هذه الاقتراضات بواقع 967 مليار جنيه في يوليو، و969 مليار جنيه في أغسطس، و1.3 تريليون جنيه في سبتمبر، و1.08 تريليون جنيه في أكتوبر، وفقا لوثيقة رسمية اطلعت عليها نشرة إنتربرايز الصباحية.
وجهت الوزارة القدر الأكبر من هذه المبالغ لإعادة تمويل ديون مستحقة وليس توفير سيولة جديدة، نظرا إلى اعتمادها المكثف على أدوات الدين قصيرة الأجل؛ إذ شكلت أذون الخزانة 85% من الإصدارات المحلية المقبولة في الربع الماضي، مقابل 15% فقط للسندات، وفقا لتفاصيل الإصدارات التي نشرتها الوزارة (بي دي إف). علاوة على ذلك، يبلغ متوسط آجال استحقاق الإصدارات المحلية الجديدة نحو عام واحد، مما يعني ضرورة إعادة تمويل معظم ما تبيعه الوزارة خلال العام ذاته. وكانت خطة العام المالي 2026-2027 تستهدف جمع ديون سيادية جديدة بقيمة 3.4 تريليون جنيه للعام بأكمله، غير أن ما جمعته الحكومة بالفعل خلال الأشهر الأربعة المنقضية يتجاوز هذا الرقم.
ويبدو أن التحول نحو التمويل المحلي كان مقصودا؛ إذ تشير موازنة العام المالي 2026-2027 إلي أن الحكومة تعتزم تدبير نحو 89-93% من احتياجاتها التمويلية لهذا العام من السوق المحلية، على أن يقتصر الاقتراض الخارجي على 6-9% فقط، مع توقعات بأن تشكل القروض الميسرة وشبه الميسرة وقروض دعم الموازنة نحو 66 إلى 72% من إجمالي الاقتراض الخارجي. يأتي في هذا في ظل تقييد قدرة الوزارة على الاقتراض من الخارج بسقف محدد، لا سيما بعد موافقة مجلس الوزراء على إصدار سندات دولية بقيمة 3 مليارات دولار لهذا العام، في وقت تدرس فيه الوزارة العودة إلى الأسواق الدولية بين أكتوبر وديسمبر. وصرح مسؤول كبير بوزارة المالية لإنتربرايز بأن الأولوية الحالية أصبحت للاقتراض المحلي رغم تكلفته الحالية، معتبرا أنه ما زال الخيار الأرخص مقارنة بالبدائل المتاحة في ظل استمرار صعوبة الوصول إلى الأسواق الدولية.
السياق: يقدر المسؤول ارتفاع تكلفة خدمة الدين المحلي بنحو 150 مليار جنيه بسبب رفع أسعار الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس يوم الخميس الماضي، علما بأن هذه كانت أول زيادة منذ مارس 2024، لتنتهي بذلك دورة التيسير النقدي التي شهدت خفض الفائدة بواقع 825 نقطة أساس على مدار 6 اجتماعات منذ أبريل 2025، على عكس توقعات معظم المحللين الذين رجحوا الإبقاء عليها دون تغيير. ووفقا حساباتنا، تبلغ تكلفة زيادة الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس نحو 137 مليار جنيه سنويا، بناء على إجمالي الدين المحلي البالغ 13.68 تريليون جنيه. لكن المسؤول أكد أن هذا العبء الإضافي لم يغير من استراتيجية الوزارة المتمثلة في الاعتماد على التمويل المحلي، وإطالة آجال الاستحقاق، ومواصلة تدوير أذون الخزانة.
وتعالج الوزارة أزمة تراكم الاستحقاقات عبر استراتيجية مزدوجة؛ فقد خفضت حصة أذون الخزانة البالغ أجلها 91 يوما من الإصدارات المحلية من 25.7% في الربع الممتد من يوليو إلى سبتمبر 2025 لتصل إلى 12.9% في الربع من يناير إلى مارس 2026. كما رفعت حصة السندات إلى 15% خلال الفترة ذاتها، وأعادت طرح السندات البالغ أجلها 5 سنوات، مع طرح صكوك لأجل 3 سنوات في السوق المحلية للمرة الأولى. وبهذا ارتفع متوسط أجل استحقاق الإصدارات المحلية الجديدة إلى 1.1 سنة خلال الربع من أبريل إلى يونيو 2026، ليبلغ أعلى مستوى له في 3 سنوات، مقارنة بنحو 0.84 سنة خلال الربع الممتد من يوليو إلى سبتمبر 2024، وفقا لنشرة الديون الصادرة عن الوزارة.
أداة شبه جديدة: أصدرت الوزارة أداة دين لأجل 18 شهرا بعائد متغير مرتبط بمزاد أذون الخزانة لأجل 6 أشهر، وهي واحدة من بين عدة أدوات تخضع للدراسة حاليا، بحسب المسؤول. وسبق أن لجأت الحكومة إلى أدوات العائد المتغير من قبل؛ إذ باعت الوزارة أولى سنداتها ذات العائد المتغير لأجل 63 يوما في يوليو، كما تتضمن نشرة شهر مارس سندات بعائد متغير لآجال تبلغ 3 و5 و10 سنوات. لذا تتمثل الإضافة الجديدة هذه المرة في الأجل البالغ 18 شهرا والعائد المرتبط بأجل الستة أشهر. وأضاف المسؤول أن الوزارة تدرس أيضا طرح أدوات خزانة موجهة للأفراد المصريين في الخارج، مشيرا إلى أن التسعير هو الخطوة المتبقية في هذا المسعى.
بلغة الأرقام: بلغ دين أجهزة الموازنة العامة 17.85 تريليون جنيه، أو ما يعادل 83.9% من الناتج المحلي الإجمالي، بنهاية مارس 2026، بواقع 13.68 تريليون جنيه ديونا محلية، و4.17 تريليون جنيه (أو 76.6 مليار دولار) ديونا خارجية. ويمثل هذا انخفاضا من ذروة بلغت 95.7% في يونيو 2023. لكن الحكومة ما زالت تستهدف خفض هذه النسبة إلى 78% بحلول يونيو 2027 وإلى مستوى يتراوح بين 71% و73% بحلول العام المالي 2029/2028. وتراجعت إجمالي الاحتياجات التمويلية بنحو 5 نقاط مئوية من الناتج المحلي الإجمالي في العام المالي 2025-2026، وفقا لصندوق النقد الدولي، فيما تستهدف الوزارة خفضها بمقدار 5 نقاط إضافية خلال العام المالي الجاري.
وتتحمل البنوك المحلية العبء الأكبر؛ إذ تشكل حيازات القطاع المصرفي 36% من محفظة أذون الخزانة القائمة بالجنيه و63% من محفظة السندات حتى مارس 2026، في حين بلغت حيازات الأجانب 12% و11% على التوالي. وسبق أن بلغ حجم حيازات الأجانب من الأوراق المالية الحكومية بالجنيه ذروته عند 38.1 مليار دولار في يناير، قبل أن يتراجع إلى 27.1 مليار دولار بحلول مارس.
أما على صعيد الأفراد؛ فقد جمع "سند المواطن" — الذي يُباع عبر البريد المصري بعائد قدره 17.75% لأجل 18 شهرا — نحو ملياري جنيه في أسبوعه الأول بعد طرحه في فبراير. ثم أصدرت وزارة المالية شريحة ثانية من تلك السندات في أبريل، فيما يشير المسؤول إلى إمكانية إصدار شريحة ثالثة أوائل العام المقبل.
وفي خبر آخر متعلق بالديون…
وقعت مصر أمس اتفاقية بقيمة مليار دولار مع البنك الدولي في إطار المرحلة الثانية من برنامج تمويل سياسات التنمية، وفقا لبيان صادر عن مجلس الوزراء. وتستهدف تلك المرحلة تعزيز حوكمة الشركات المملوكة للدولة، وإزالة المعوقات أمام الاستثمار الخاص والنمو، وترسيخ قواعد المنافسة العادلة، فضلا عن رفع كفاءة تعبئة الإيرادات المحلية، وتعزيز الاستدامة المالية لقطاعي الكهرباء والمياه. وكان مجلس إدارة البنك قد وافق على هذا التمويل في مايو الماضي (بواقع 800 مليون دولار من البنك بالإضافة إلى ضمان ائتماني من المملكة المتحدة بقيمة 200 مليون دولار)، ليمثل الشريحة الثانية ضمن برنامج مكون من ثلاث شرائح طرحه البنك بالتنسيق مع صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي في يونيو 2024. ومن المقرر توجيه هذا التمويل لدعم الموازنة فور إقرار التشريعات الخاصة بتلك الإصلاحات. أما الشريحة الثالثة من البرنامج، التي تهدف إلى جذب رؤوس الأموال الخاصة إلى تلك القطاعات، فمن المقرر تسلمها خلال العام المقبل.