خالف الاقتصاد المصري توقعات الكثيرين قبل 7 أشهر، ونجح في امتصاص صدمة الحرب الإيرانية بدرجة أفضل بكثير مما كان متوقعا، مدعوما بمرونة سعر الصرف، والاستجابة السريعة على مستوى السياسات، واحتياطيات دولية وفيرة. لكن مواطن الضعف القائمة، وفي مقدمتها ارتفاع إجمالي الاحتياجات التمويلية وتراكم الديون قصيرة الأجل وتنامي البصمة الاقتصادية للدولة، تشكل مخاطر على المدى المتوسط، وفقا لأحدث تقييمات صندوق النقد الدولي للاقتصاد المصري.
سياسات أثبتت نجاحها
مرونة سعر الصرف لامتصاص الضغوط: على عكس الصدمات الخارجية السابقة التي استنزفت فيها أسعار الصرف الثابتة النقد الأجنبي، سمح سعر الصرف الذي تحدده آليات السوق لمصر بالتعامل مع خروج رؤوس الأموال خلال موجة التقلبات الإقليمية في وقت سابق من العام الجاري. وتقول كبيرة محللي الاقتصاد الكلي في "سي آي كابيتال" سارة سعادة لنشرة إنتربرايز الصباحية: "لم نشهد انخفاضا في صافي الاحتياطيات الدولية؛ بل على العكس، أخذت في الارتفاع منذ بداية العام".
والسبب هيكلي، وفقا لسعادة. فتداولات أدوات الدخل الثابت تُسوى مباشرة في سوق الإنتربنك وليس عبر البنك المركزي المصري. وتوضح سعادة أن مرونة سعر الصرف تمتص بذلك التدفقات الخارجة، بدلا من إجبار البنك المركزي على بيع جزء من الاحتياطيات للحفاظ على استقرار الجنيه.
وأشار صندوق النقد الدولي إلى انخفاض حيازات غير المقيمين من الدين الحكومي بالعملة المحلية من 39.1 مليار دولار في فبراير إلى 22.2 مليار دولار في أوائل أبريل مع خروج استثمارات المحافظ المالية، وهو ما صاحبه تراجع في قيمة الجنيه بنسبة تتراوح بين 14% و17%. ومع عودة الهدوء إلى الأسواق، استؤنفت تدفقات المحافظ المالية لتقترب من مستويات ما قبل الصراع، وتراجعت فوارق العوائد على السندات السيادية إلى مستويات أقل مما كانت عليه قبل الحرب.
تباطؤ التضخم يتجاوز توقعات الصندوق: يشير تقييم الصندوق إلى نظرة حذرة إزاء تراجع التضخم، لافتا إلى أن "مسار العودة إلى هدف التضخم قد تأخر لمدة عام". لكن الأرقام المحلية تظهر وتيرة تباطؤ أسرع على أرض الواقع؛ إذ تباطأ التضخم السنوي في مدن مصر إلى 14.5% في أغسطس، على خلاف توقعات السوق بارتفاعه ليبلغ 15.5%، إذ ساعد انخفاض أسعار المواد الغذائية بنسبة 1.1% على أساس شهري في امتصاص أثر الزيادات في أسعار الكهرباء.
استعادة القدرة على الوصول إلى أسواق المال: انخفضت علاوة المخاطر السيادية لمصر إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2014. وأصدرت الحكومة أول سندات دولية اجتماعية بقيمة مليار دولار في مايو، تلتها سندات ساموراي بقيمة 500 مليون دولار في يونيو. وتدرس وزارة المالية العودة إلى أسواق الديون الدولية بين شهري أكتوبر وديسمبر، بموجب خطة معتمدة تستهدف طرح إصدارات دولية جديدة بقيمة 3 مليارات دولار.
مواطن الضعف لا تزال مستمرة
والتحديات الأساسية لا تزال قائمة. تقول الخبيرة الاقتصادية آيتن المرجوشي لإنتربرايز: "انتعشت تحويلات المصريين بالخارج انتعاشا ملحوظا لتنافس إجمالي الصادرات غير النفطية، لكن تظل هذه التدفقات، إلى جانب إيرادات السياحة، شديدة الحساسية للصدمات الخارجية والتوترات الجيوسياسية". وتوضح أن الاستقرار في مرحلة ما بعد برنامج صندوق النقد يعتمد على بناء قاعدة إنتاجية أقوى من خلال الاستثمار الأجنبي المباشر ونمو الصادرات وتوطين مدخلات الإنتاج من المواد الخام. وتضيف المرجوشي: "إذا وُضعت حوافز لإنتاج المواد الخام محليا بدلا من استيرادها، فإن ذلك سيخفف ضغوطا كبيرة عن كل من ميزان المدفوعات والسياسة النقدية".
العلاقة بين البنوك والديون السيادية: حذر صندوق النقد الدولي من أن الاحتياجات التمويلية التي تقارب 40% من الناتج المحلي الإجمالي على المدى القريب، إلى جانب انكشاف البنوك الكبير على الديون الحكومية، يمثلان مخاطر تزاحم إقراض القطاع الخاص. وترى المرجوشي أن هذا الانكشاف مستمر ببساطة لأن العائد يصعب منافسته؛ إذ توضح أنه "حتى بعد احتساب الضرائب، توفر أدوات الدين الحكومية عوائد تقارب 20%، مما يبقي انكشاف البنوك على الديون المحلية مرتفعا طالما ظلت الاحتياجات التمويلية للدولة قائمة".
إطالة آجال استحقاق الديون: لا يزال تمديد آجال الديون هدفا رئيسيا، لكن ظروف السوق هي التي تفرض وتيرة التنفيذ. وتقول سعادة: "إن وزارة المالية تسعى إلى زيادة متوسط آجال استحقاق الديون لخفض مخاطر إعادة التمويل"، إلا أنه مع تزايد التقلبات العالمية، يميل المستثمرون بطبيعة الحال نحو الأدوات قصيرة الأجل بدلا من الالتزامات الأطول. وفي الوقت نفسه، يعد توقيت اللجوء إلى الأسواق الدولية عاملا حاسما؛ إذ تشير المرجوشي إلى أن السيناريو المثالي يقتضي تأمين التمويل قبل استحقاق دفعات كبيرة من الدين، محذرة من أن انخفاض أسعار الفائدة على الدولار لا يعني بالضرورة انخفاض تكلفة التمويل متى وُضعت مخاطر سعر الصرف في الاعتبار.
ملف الطروحات الحكومية: يعزو الخبراء الاقتصاديون الذين تحدثنا إليهم هذا التأخير إلى الظروف الجيوسياسية بدلا من الجمود في السياسات. وتوضح سعادة قائلة: "من الصعب تقييم التقدم المحرز في الإصلاحات أو الجداول الزمنية للطروحات في ظل الظروف الحالية؛ لأن حالة عدم اليقين الجيوسياسي الإقليمي كبحت بطبيعة الحال شهية المستثمرين". وتلفت إلى أن تنفيذ السياسات لا يزال ماضيا في مساره رغم الانقطاعات الخارجية. وتربط سعادة الفجوة بين ما تحقق وما هو مستهدف بنقطة البداية، موضحة أن خفض الدين "يستغرق وقتا أطول من الإصلاحات الأخرى التي بدأت تؤتي ثمارها بالفعل" لأن مصر بدأت من مستوى "مرتفع للغاية" للدين مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي، فيما تزيد عمليات إعادة التمويل السنوية والعجز من تفاقم الضغوط.
السياق: جمعت الحكومة نحو 5.9 مليار دولار من أصل 12.2 مليار دولار استهدفتها من برنامج الطروحات للفترة من مارس 2022 وحتى يوليو 2025، مما دفع المسؤولين إلى إعادة تحديد المستهدف عند 10.3 مليار دولار بحلول نهاية العام المالي 2026/2027. علما بأنه من المقرر إتمام صفقتين قبل انتهاء برنامج صندوق النقد الدولي؛ إذ ستطرح في نوفمبر حصة بين 30-40% من أسهم بنك القاهرة في البورصة بعد تأجيلات متكررة. كما أفادت تقارير بأن البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية ومؤسسة التمويل الدولية يدرسان الاستحواذ على حصة مجمعة تبلغ 10%. وتخطط الحكومة أيضا لطرح حصة تصل إلى 20% من شركة مصر لتأمينات الحياة.
أما بالنسبة الدين العام، فقد انخفض من ذروته البالغة نحو 90% من الناتج المحلي الإجمالي إلى 82.5%، وسط توقعات من وحدة الإيكونوميست للمعلومات بأن يبلغ حوالي 83% بنهاية عام 2026. وتؤكد المرجوشي أنه في حين يعد احتواء الدين على المدى القريب خطوة إيجابية، فإن تحقيق سلامة مالية مستدامة يتطلب دفعه نحو مستوى 70% على مدار السنوات الثلاث المقبلة.