Posted inفنجان قهوة مع

حوار مع ليزلي ماسدورب عن استيعاب مخاطر السوق المصرية والمراهنة على التصنيع

تعيد المؤسسة البريطانية للاستثمار الدولي (BII) صياغة الاستراتيجية الخاصة بعملها في مصر، في إطار إعادة هيكلة أوسع نطاقا لتمويلاتها الموجهة للتنمية. إذ تتحول مؤسسة التمويل التنموي التابعة للمملكة المتحدة بعيدا عن النموذج التقليدي القائم على طرفي العملية "المانح والمتلقي"، لتستبدل به نهج صنع السوق، الذي يعتمد على تحمل مخاطر البناء وعدم اليقين التنظيمي ومخاطر اتفاقيات شراء الطاقة في مشروعات البنية التحتية في مراحلها المبكرة، ثم تسعير تلك المشروعات بما يمهد الطريق لمساهمة صناديق المعاشات والصناديق السيادية. وقد استثمرت المؤسسة نحو 850 مليون دولار في 64 شركة مصرية على مدار عقدين من الزمان، وتستعد حاليا لضخ 15 مليار إسترليني على مستوى العالم خلال خمس سنوات، مع استحواذ مصر على واحدة من أكبر الحصص في محفظة المؤسسة.

بدأ الرئيس التنفيذي للمؤسسة ليزلي ماسدورب مسيرته المهنية خلال حقبة إعادة البناء الاقتصادي في جنوب أفريقيا بعد انتهاء نظام الفصل العنصري، وأمضى 15 عاما في العمل لدى جولدمان ساكس وباركليز كابيتال وبنك أوف أمريكا ميريل لينش. كما شغل منصب المدير المالي لبنك التنمية الجديد في شنغهاي، قبل أن يتولى قيادة المؤسسة البريطانية للاستثمار الدولي في أواخر عام 2024.

التقت إنتربرايز مع ماسدورب وشيرين شهدي، المديرة الإقليمية لشمال أفريقيا ومديرة مكتب مصر بالمؤسسة، للحديث عن موقع السوق المصرية في استراتيجيتها الخمسية الجديدة، والسبب وراء تحول المؤسسة من مجرد كتابة الشيكات إلى بناء الأسواق، وما إذا كانت أسواق المال لدينا مستعدة للمرحلة المقبلة.

إنتربرايز: ما وضع محفظة استثمارات المؤسسة في مصر اليوم؟ وما هي المستهدفات الاستثمارية خلال السنوات الخمسة المقبلة؟

ليزلي ماسدورب: يبلغ حجم المحفظة حاليا نحو 850 مليون دولار، ارتفاعا من 708 ملايين دولار في عام 2023، وتتوزع على 64 شركة يعمل بها أكثر من 130 ألف موظف. وتستحوذ مصر على أكبر حصة من استثماراتنا في أفريقيا، وهذا ليس من قبيل المصادفة. وبموجب استراتيجيتنا الجديدة للفترة 2026-2031، سنضخ 15 مليار جنيه إسترليني على مستوى العالم، منها 8 مليارات جنيه إسترليني من أموالنا الخاصة، و7 مليارات جنيه إسترليني أخرى سنجمعها من مؤسسات خاصة وتجارية. وستستحوذ القارة الأفريقية على نحو 60% من هذا المبلغ، على أن تذهب حصة كبيرة منه لمصر.

إنتربرايز: ما هو الموقع الحقيقي لمصر في قائمة أولويات المؤسسة في الوقت الراهن؟

ماسدورب: تحتل موقعا متقدما حقا، وليس ذلك من قبيل الدبلوماسية. وحجم الاقتصاد وفرص نموه يمثلان نقطة الانطلاق في هذا الصدد. لكن دعنا نتحدث بصراحة: بعض العوامل التي تضغط على مصر حاليا ليس لها علاقة بالبلاد نفسها. فهناك متغيرات خارجية تضغط على مسار النمو، منها اضطرابات الملاحة في قناة السويس، وصدمة أسعار الطاقة، ونقص الأسمدة الذي يدفع أسعار الغذاء للتضخم.

ما نستثمر فيه هو الوجهة التي تسير مصر نحوها وليس الاضطرابات الحالية؛ لأن تحرير سعر الصرف، والضبط المالي، وبرنامج صندوق النقد الدولي، جميعها قرارات صعبة لا تؤتي ثمارها بين عشية وضحاها. وقد كانت مراجعة صندوق النقد في فبراير الماضي متفائلة بحذر، ونحن نتفق معه في هذا. فهناك نية حقيقية لإرساء مبدأ تكافؤ الفرص أمام القطاع الخاص، وهذا هو ما يهمنا.

إنتربرايز: تميل محفظتكم في مصر بشدة نحو الطاقة المتجددة. ما السبب وراء ذلك؟

ماسدورب: تحظى الطاقة بالأولوية القصوى ضمن نطاق عملنا الذي يستهدف تمويل البنية التحتية عالميا، وليس هنا فقط. زرت صباح اليوم مزرعة رياح خليج السويس، وهو مشروع بقدرة 1.1 جيجاوات، ويعد أكبر مزرعة للرياح في القارة. ونرى أن هدف مصر للوصول بنسبة الطاقة المتجددة إلى 42% من مزيج الطاقة بحلول عام 2030 يعد طموحا جريئا. وحتى إذا تعذر الوصول إلى هذه النسبة في الموعد المحدد، يبقى هذا المسعى في الاتجاه الصحيح، ونحن نريد أن نكون جزءا من هذا البناء.

بيد أن الطاقة المتجددة تواجه قيدا هيكليا مهما للغاية في دولة ذات تركيبة سكانية فريدة مثل مصر؛ فهي تخلق فرص عمل خلال مرحلة الإنشاء، وتكاد لا توفر أي فرص بمجرد بدء التشغيل. على سبيل المثال، إذا نظرنا إلى مشروع بحجم مزرعة رياح خليج السويس، سنجد أنه يوظف نحو 1500 شخص خلال مرحلة البناء، ثم ينخفض العدد إلى ما بين 100 و150 شخصا فقط بمجرد دخوله حيز التشغيل. وبالنسبة لاقتصاد يضيف عددا كبيرا من الشباب إلى سوق العمل سنويا، فإن هذه الحسبة لا تستقيم وحدها. لذا، فإننا نتجه عمدا نحو القطاعات كثيفة العمالة.

شيرين شهدي: تعد محفظتنا في مصر أكثر توازنا في الواقع مما توحي به العناوين الرئيسية لمشروعات الطاقة المتجددة. فهي تنقسم مناصفة تقريبا بين أدوات الدين وحصص الملكية. وتستحوذ البنية التحتية والمناخ على نحو 45% من إجمالي المحفظة، وتمثل الطاقة المتجددة تحديدا نحو 30% منها. وتتوزع النسبة المتبقية على الخدمات المالية والصناعات المستدامة، التي تشمل التصنيع، وخفض الانبعاثات الكربونية، والتحول الأخضر للاقتصاد على النطاق الأوسع.

ويعد قطاع التصنيع المجال الذي نركز عليه بأكبر قدر ممكن؛ لأنه يخلق فرص عمل على نطاق واسع، ويساعد في توطين سلاسل التوريد، ويبني القدرات التصديرية التي تنوع مصادر إيرادات البلاد من العملة الصعبة. ولا تقتصر الأهمية على عدد الموظفين، بل تمتد أيضا لتشكل طريقة تكامل التصنيع مع البنية الاقتصادية الأوسع التي تحاول الحكومة تشييدها.

إنتربرايز: من هم شركاؤكم في ضخ الاستثمارات هنا؟

ماسدورب: لدينا واحد من الرهانات المركزية في استراتيجيتنا الجديدة، ويتمثل في التحول من الصفقات الفردية نحو المنصات الاستثمارية التي تجمع رؤوس الأموال. وعلى صعيد مؤسسات التمويل التنموي، تضخ كل من مؤسسة التمويل الدولية والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية نحو مليار دولار سنويا في مصر. ونعمل الآن بشكل أكثر تكاملا بالشراكة مع كليهما، فنوحد جهود البحث عن الفرص الاستثمارية، ونتبادل الفحوصات النافية للجهالة، ونطرق أبواب السوق معا. فلا يمكنك حشد صناديق المعاشات والصناديق السيادية لدخول سوق مثل مصر إذا عملت كل مؤسسة تمويل تنموي بمعزل عن الأخرى؛ علينا أن نوحد جهودنا.

شهدي: على أرض الواقع، تخبرك محفظة خدماتنا المالية بمن نعمل معهم. لدينا استثمارات مع البنك التجاري الدولي وبنك القاهرة، وأتممنا إصدار سندات استدامة مع البنك العربي الأفريقي الدولي العام الماضي. كما دعمنا عددا من المؤسسات المالية غير المصرفية في قطاع التمويل متناهي الصغر، بما في ذلك شركة "تنمية"، جنبا إلى جنب مع البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية وصناديق استثمار مباشر أخرى. وفي قطاع البنية التحتية، تعد منصتنا الاستثمارية المشتركة مع مجموعة موانئ دبي العالمية، التي هي عبارة عن تعهد باستثمار 1.7 مليار دولار لتطوير الموانئ في جميع أنحاء القارة، واحدة من أكبر الهياكل الاستثمارية التي أسسناها هنا، ويمثل ميناء السخنة ركيزتها الأساسية.

إنتربرايز: هل تجدون اليوم المزيد من المستثمرين التجاريين المستعدين لأن يكونوا شركاء بعد مرحلة الاستقرار؟

شهدي: انظر إلى السجل التاريخي. لم تشهد مصر عاما هادئا منذ أكثر من عقد من الزمان. لديك الجائحة، وأزمة العملة الصعبة، والصدمات الجيوسياسية، والتضخم. وفي كل مرحلة من تلك المراحل، بقي المستثمرون الموجودون بالفعل. هذه ليست مجرد معنويات المستثمرين، بل إشارة على القناعة الراسخة بهذه السوق. وقد كان دورنا دائما على عكس اتجاه الدورات الاقتصادية؛ فيبدأ عندما تصعب الظروف، لنمتص المخاطر، ونهيئ الظروف لرأس المال التجاري كي يتبعنا. وعندما يرى المستثمرون أن مؤسسات التمويل التنموي تواصل ضخ الاستثمارات عبر مختلف الدورات، فإن ذلك يغير حساباتهم. ونحن هنا منذ عام 2002، وهذا الاستمرار في حد ذاته هو شكل من أشكال صنع السوق.

إنتربرايز: كيف تجذبون الشركاء التجاريين إلى أسواق مثل مصر دون التمويلات الميسرة، التي جعلت هذه الأسواق في متناولهم من الأساس؟

ماسدورب: تتمحور إعادة هيكلة التمويل التنموي حول هذه الديناميكية تحديدا، وهو ما أصفه بالتحول بعيدا عن النموذج القديم القائم على المانح والمتلقي. فنحن لا نحاول جر صناديق المعاشات إلى أسواق تقع خارج نطاق تفويضاتها الائتمانية، بل نستخدم رأس مالنا لإزالة مخاطر المراحل المبكرة (أي مخاطر الإنشاء، وعدم اليقين التنظيمي، ومخاطر اتفاقيات شراء الطاقة). وهذا يعني أنه بحلول الوقت الذي يبدأ فيه مشروع مثل محطة رياح السويس في توليد تدفقات نقدية مستقرة، سيكون المستثمر التجاري قادرا على المساهمة بشروط تناسبه.

لقد أسسنا شركة أيانا في الهند من الصفر عام 2017 باستثمار بلغ 100 مليون دولار، وجلبنا شركاء مع نضج الأعمال، وتخارجنا منها العام الماضي مقابل 2.3 مليار دولار. ويعاد تدوير هذا المبلغ في الدورة التالية لتقليص المخاطر. إذ إن مستثمري القطاع الخاص لا يحتاجون إلى الاهتمام بالأثر التنموي، بل يبحثون عن العائد. وتتمثل وظيفتنا في الوصول إلى النقطة التي يصبح عندها هذا العائد متاحا.

إنتربرايز: دعمتم صناديق رأس مال مغامر محلية مثل ألجبرا فنتشرز وإنديور كابيتال. كيف تنظرون إلى التخارجات في وقت يبدو فيه نشاط الطروحات في البورصة المصرية لشركات التكنولوجيا وشركات النمو ضعيفا؟

ماسدورب: لا يعد دعم صناديق رأس المال المغامر والاستثمار المباشر مجرد خطوة مالية بالنسبة لنا، بل هو أقرب إلى صنع السوق. فهذه الصناديق ترعى شركات تنتقل في النهاية، نظريا، إلى الأسواق العامة، أو تجذب مشترين استراتيجيين. وما يمكنني قوله هو إن مديري الصناديق الذين التقيت بهم هنا قبل بضعة أيام محنكون للغاية؛ فالمنظومة قيد البناء. أما إمكانية لحاق البنية التحتية للأسواق العامة بالركب بالسرعة الكافية، فتلك مسألة منفصلة وأكثر صعوبة.

شهدي: البورصة المصرية ليست مسار التخارج الوحيد. وبصراحة، بالنسبة لمرحلة الشركات التي ندعمها، ربما لا ينبغي أن تكون هي المسار الرئيسي في الوقت الراهن. إذ إن بيع الشركات لمشترين قادرين على التوسع بالأعمال يحقق في الغالب نتائج أفضل من الطرح العام. ويعني نموذج رأس المال طويل الأجل الذي نتبعه أننا لسنا مضطرين للبيع، لذا يمكننا الاحتفاظ بالاستثمارات خلال الفترات التي لا يكون فيها توقيت السوق مواتيا، وانتظار النافذة المناسبة. وما نركز عليه هو بناء شركات ذات قيمة حقيقية؛ لأن الشركة القوية تخلق دائما خيارات التخارج المناسبة لها.

إنتربرايز: ليزلي، أنت قادم من خلفية مرتبطة بأسواق المال. وغالبا ما تُنتقد مؤسسات التمويل التنموي بأن حركتها بطيئة.. ما الذي غيرته في المؤسسة منذ توليك المسؤولية؟

ماسدورب: هذا تحد يواجه الصناعة بأكملها. وتطرح السؤال نفسه مؤسسة التمويل الدولية، والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، والبنك الأفريقي للتنمية. بالنسبة لنا، يتمثل الحل في ثلاثة أمور: إزالة العراقيل من عملية الموافقة على الاستثمارات، والتحول نحو هياكل موحدة يمكن لرأس المال المؤسسي التعامل معها، بدلا من الوثائق المخصصة لكل صفقة على حدة، وبناء أطر اعتماد متبادل مع مؤسسات التمويل التنموي الأخرى، حتى نتوقف عن تكرار الفحوصات النافية للجهالة لنفس الصفقات. ونحن نطبق هذا النموذج بالفعل مع البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية في أوكرانيا. ولا نزال في البداية، لكن الاتجاه تحدد بالفعل.