Posted inتشريعات

أبرز ما يهم القطاع الخاص في تعديلات قانون حماية المنافسة

شهدت قواعد حماية المنافسة في مصر لتوها أكبر عملية تعديل منذ سنوات، وهناك كثير من التفاصيل التي تستحق أن نسلط الضوء عليها. وتعمل هذه التعديلات، التي منحها مجلس النواب الموافقة النهائية الشهر الماضي، على تهيئة تكافؤ الفرص بين شركات القطاع الخاص والكيانات المملوكة للدولة، وتعزيز صلاحيات جهاز حماية المنافسة، وتحديث القواعد المنظمة لعمليات الدمج والاستحواذ، وتغليظ العقوبات على الممارسات الاحتكارية.

ويهدف القانون الجديد — الذي وصفه المشرعون بـ "الدستور المنظم للسوق المصري" — إلى ردع الممارسات المضرة بالمنافسة، وتعزيز سوق حرة وديناميكية، وتحسين مناخ الاستثمار، وفقا لوثيقة تشريعية اطلعت عليها إنتربرايز. فكيف ذلك؟ سيحدث هذا من خلال استحداث نظام مستقل للغرامات المالية الإدارية، إلى جانب المسار الجنائي التقليدي، ووضع قواعد صارمة لعمليات الاندماج والاستحواذ والمشروعات المشتركة.

تكافؤ الفرص

ضوابط للحد من امتيازات الشركات المملوكة للدولة: ينشئ القانون لجنة عليا للحياد التنافسي للمرة الأولى، برئاسة رئيس مجلس الوزراء ورئيس جهاز حماية المنافسة.

على الورق، تمثل هذه أخبارا جيدة لمجتمع الأعمال؛ إذ ستتمتع اللجنة بصلاحية إلغاء أية إعفاءات أو امتيازات منحتها القرارات أو القوانين الحكومية للكيانات المملوكة للدولة، إذا تبيّن أن هذه الامتيازات تشوه المنافسة العادلة. كذلك ستجري مراجعة لكافة التشريعات والقرارات الصادرة عن الجهات الحكومية لضمان توافقها مع مبادئ المنافسة الحرة.

استقلالية تامة

بالإضافة إلى هذه اللجنة الجديدة، يمنح القانون جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية ترقية كبيرة في وضعه القانوني. سيخضع الجهاز الآن للمادة 215 من الدستور، التي تنظم عمل الهيئات الرقابية المستقلة، مما يمنحه استقلالية فنية وإدارية ومالية تامة.

يضعه هذا التحديث في مجموعة حصرية للغاية من المؤسسات، التي على شاكلة البنك المركزي المصري والهيئة العامة للرقابة المالية، والتي تتمتع بسلطة حقيقية على الأسواق التي تشرف عليها بموجب الأحكام الإضافية للمادتين 216 و217، وتتبع رئيس الجمهورية مباشرة، ويعين رئيس الجمهورية قياداتها بموافقة مجلس النواب.

السياق الدستوري: إذا نظرنا إلى الجهاز على أساس أن له دورا تنظيميا ورقابيا، فإنه يندرج تلقائيا ضمن إطار المواد الدستورية الثلاثة، التي تقتضي أن تعمل هذه الهيئات بوصفها كيانات مستقلة "تخضع لنظام إداري شبه مستقل، ونظام مالي وإداري شبه مستقل"، حسبما صرح به المستشار القانوني والضريبي إسلام سعيد لإنتربرايز.

ويرى سعيد أن الدور الرقابي للجهاز بمثابة "تقدم إيجابي"، موضحا أن الدور التنظيمي يتمثل في تطبيق القانون وإبداء الرأي في التشريعات واللوائح ذات الصلة، "في حين يمنح الدور الرقابي للجهاز عينا على السوق وصفقات [الدمج والاستحواذ] التي تتم فيه". ويضيف سعيد، الذي شغل سابقا منصب شريك متخصص في عمليات الدمج والاستحواذ لدى مكتب معتوق بسيوني، أن هذين الدورين معا يعززان مبررات منحه استقلالية تامة.

ومع ذلك، لا يرى الجميع أن هذا التغيير جوهري. إذ يرى محمد نبيل هزاع، الشريك السابق ورئيس مجموعة ممارسات الدمج والاستحواذ لدى مكتب الشرقاوي وسرحان، في تصريحات لإنتربرايز، أن هذا التحول لا يعدو كونه "دفعة معنوية" لوضع جهاز حماية المنافسة، إذ تظل اختصاصاته الأساسية وإجراءات عمله المعتادة مشابهة هيكليا لوضعه السابق تحت مظلة رئاسة مجلس الوزراء. ويضيف: "عمليا... لن يؤثر هذا على نطاق صلاحيات جهاز حماية المنافسة. فلم يتغير شيء من حيث النطاق أو التفويض نفسه. أعتقد أن الأمر بيروقراطي بحت ويتعلق بالترتيبات الإدارية لموظفي الجهاز".

رفع الحد الأدنى للصفقات وتقليص الإخطارات

ترفع التعديلات سقف الحدود المالية للصفقات التي تستوجب العرض على جهاز حماية المنافسة.

على مستوى الصفقات المحلية، يرفع القانون الحدود المالية التي تستوجب الخضوع للمراجعة الإلزامية من قبل الجهاز إلى نحو الضعف:

  • يجب أن تتجاوز المبيعات أو الأصول المجمعة لكافة الأطراف الآن 2.5 مليار جنيه (صعودا من 900 مليون جنيه).
  • يجب أن تتجاوز مبيعات أو أصول طرفين على الأقل 500 مليون جنيه لكل منهما (صعودا من 200 مليون جنيه).

أما بالنسبة للشركات الأجنبية التي تتطلع إلى الاستحواذ على كيان عامل في مصر:

  • يجب أن تتجاوز المبيعات العالمية المجمعة للأطراف الأجنبية 15 مليار جنيه (صعودا من 7.5 مليار جنيه).
  • يجب أن تسجل الشركة المصرية المستهدفة مبيعات تتجاوز 500 مليون جنيه (صعودا من 200 مليون جنيه).

ولا يزال بإمكان جهاز حماية المنافسة مراجعة الصفقات التي تقل عن هذه الحدود، إذا كان لديه ما يثبت أنها قد تقوض المنافسة الحرة في السوق المحلي.

ما وراء الخطوة: تعكس هذه التعديلات الظروف الاقتصادية سريعة التغير في مصر، والتضخم في القيم الاسمية للأصول والإيرادات المصاحبة لها، وفقا للوثيقة التشريعية التي اطلعت عليها إنتربرايز. وتشير المذكرة إلى أن الإبقاء على الحدود القديمة كان من شأنه إغراق الجهاز بإخطارات لصفقات صغيرة أو غير مؤثرة من حيث المنافسة؛ مما يشتت الموارد بعيدا عن الصفقات ذات الأهمية الفعلية. وقد صُممت الحدود المعدلة لتعكس القيمة الاقتصادية الحقيقية بشكل أفضل، مع الحفاظ على تركيز الرقابة واستمرار تدفق الاستثمارات.

تغليظ العقوبات وتعزيز الصلاحيات الرقابية

يعيد القانون الجديد هيكلة آليات معاقبة المخالفين، مقسما العقوبات إلى مسارين: أحدهما للاندماجات غير القانونية والآخر للسلوكيات المضرة بالمنافسة، مع رفع سقف الغرامات في المجمل.

غرامات الدمج والاستحواذ غير القانوني: بالنسبة للمخالفات المرتبطة بالتركزات الاقتصادية، مثل عدم إخطار الجهاز بصفقة مستوفية لمتطلبات الإخطار، أو مخالفة شروط الموافقة على صفقة ما، أو إتمام صفقة رغم رفضها، فتصل غرامتها إلى 10% من إجمالي الإيرادات السنوية المجمعة لكافة الأطراف، بناء على آخر قوائم مالية مجمعة.

الاستثناء: إذا كانت الإيرادات السنوية لا تعكس القيمة الاقتصادية الحقيقية للصفقة، يمكن للجهاز حساب الغرامة بناء على القيمة الأكبر بين قيمة الصفقة أو إجمالي أصول الأطراف المشاركة فيها.

غرامات الاتفاقيات المضرة بالمنافسة: تصل غرامة مخالفات الممارسات الاحتكارية (مثل تثبيت الأسعار أو تقسيم الأسواق وما إلى ذلك) إلى 15% من إيرادات المنتج محل المخالفة خلال فترة المخالفة بالكامل.

الاستثناء: إذا تعذر تحديد تلك الإيرادات، يوضع حد أقصى للغرامة قدره 700 مليون جنيه.

الحد الأقصى المطلق: بغض النظر عن طريقة الحساب، يجب ألا تتجاوز الغرامة 10% من إجمالي الإيرادات السنوية للطرف المخالف وكافة الكيانات المرتبطة به.

لماذا هذه الزيادة؟ رُفع سقف العقوبات لمواكبة المتغيرات الاقتصادية وارتفاع التضخم وانخفاض قيمة العملة منذ عام 2022. وبموجب القانون القديم، كانت المادة 22 تحدد الغرامات بناء على إجمالي إيرادات المنتج محل المخالفة خلال فترة المخالفة بنسبة تتراوح بين 2 و12% للمخالفات الأفقية (أي مخالفة المادة 6) و1 و10% للمخالفات الرأسية (أي مخالفة المادتين 7 و8).

ما الجديد: رفعت التعديلات سقف المخالفات الأفقية إلى 15%. والأهم من ذلك أن هذه النسبة سيستمر احتسابها من "الإيرادات المحققة من مخالفة الشركة المعنية" وليس من إجمالي إيرادات الشركة الأم بالكامل، حسبما أوضح هزاع.

آلية جديدة للتظلمات

يحمل استحداث شق إداري بجانب الجزاءات الجنائية تغييرا فارقا للشركات الكبرى. فعلى عكس النظام القديم "المقتصر على الجزاءات الجنائية" والذي كان يستلزم التصالح، يتيح النظام الجديد "آلية للتظلمات"، مما يسمح للشركات بتقديم التظلمات الإدارية بشأن قضايا السوق قبل تصعيد الأمور إلى القضاء، بحسب هزاع.

ويهدف التعديل الجديد إلى تسريع وتيرة التدخلات لحماية السوق وتعزيز كفاءتها من خلال فصل العقوبات الإدارية عن الجنائية، ما يتيح اتخاذ إجراءات فورية لوقف المخالفات قبل أن تتسبب في ضرر دائم، حسبما صرح النائب طارق شكري، رئيس لجنة الشؤون الاقتصادية بمجلس النواب، لإنتربرايز.

الخطوة الأخيرة

القانون الآن على مكتب الرئيس عبد الفتاح السيسي في انتظار التصديق عليه، ثم سينشر في الجريدة الرسمية، على أن يبدأ العمل به بعد مرور ثلاثة أشهر من تاريخ النشر.