في خطوة غير متوقعة، قرر البنك الأهلي المصري وبنك مصر رفع أسعار الفائدة على شهادات الادخار ذات العائد الثابت لأجل ثلاث سنوات بمقدار 125 نقطة أساس. واعتبارا من اليوم، سيرتفع العائد الشهري على "الشهادة البلاتينية" من البنك الأهلي المصري وشهادة "القمة" من بنك مصر إلى 17.25%، بدلا من 16%.
لماذا الآن؟ التوقيت والمسار الحالي للدولار هما المفتاح: تأتي هذه الخطوة قبل شهر تقريبا من الاجتماع المقبل للجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري لمراجعة أسعار الفائدة. ويهدف المسؤولون حاليا إلى استغلال الفرصة لتعزيز تعافي الجنيه من الضربة التي تلقاها عقب اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
رؤيتنا للمشهد: يسعى البنكان الحكوميان من خلال هذه الزيادة إلى امتصاص السيولة الفائضة، في وقت يواصل فيه الجنيه رحلة صعوده أمام العملة الخضراء. وكانت الحرب في الخليج قد أثارت موجة من القلق دفعت صغار المودعين للهروب نحو الملاذات الآمنة مثل الدولار والذهب، مما دفعهما إلى تسجيل مستويات قياسية في السوق المحلية. وتزامن ذلك مع تخارج مستثمري تجارة الفائدة في ظل حالة العزوف العالمي عن المخاطرة، وهو ما هوى بالجنيه إلى ما دون مستوى 54 جنيها للدولار. إلا أن الكفة بدأت تميل لصالح العملة المحلية مؤخرا بفضل تدفقات قوية للنقد الأجنبي خلال الأيام العشرة الماضية، مع عودة استثمارات الأجانب في أدوات الدين المحلية وتحسن تحويلات المصريين بالخارج التي لم تتأثر بالقدر الذي كان يخشاه البعض.
ولا يشجع رفع العائد على الشهادات العملاء على إبقاء مدخراتهم داخل القطاع المصرفي فحسب، بل يحفزهم أيضا على التخلي عن الدولار. وكان الجنيه يتداول في نطاق 46-47 جنيها للدولار قبل اندلاع الحرب؛ ومع تمديد وقف إطلاق النار حاليا، يبرز السؤال الأهم: هل كان مستوى 54 جنيها هو ذروة صعود الدولار أمام الجنيه؟
تذكر: يمثل البنك الأهلي وبنك مصر هما عملاقا القطاع المصرفي المملوكين للدولة، ويستحوذان معا على نحو 50% من إجمالي الودائع. ولطالما استخدم صناع السياسات البنوك الحكومية كأداة لتنفيذ السياسة النقدية. ويرى الخبير المصرفي هاني أبو الفتوح أن رفع الفائدة بشكل مستقل عن البنك المركزي يوفر الاستقرار ويحافظ على جاذبية الجنيه للمدخرين، دون إجبار المركزي على رفع أسعار الفائدة الأساسية وما يتبعه من زيادة في أعباء خدمة الدين الحكومي.
ماذا بعد؟
عادة ما تمهد البنوك الحكومية الكبرى الطريق لبقية البنوك المحلية؛ لذا سنراقب من كثب ما إذا كانت البنوك الكبرى الأخرى ستتخذ خطوات مماثلة خلال الأيام المقبلة، لا سيما البنك التجاري الدولي وبنك أبوظبي الأول مصر وبنك قطر الوطني ومصرف أبوظبي الإسلامي. وبينما ركزت بعض البنوك، مثل بنك القاهرة، على جذب ودائع الحسابات الجارية وحسابات التوفير منخفضة التكلفة لتقليص تكلفة الأموال، فإن العديد من بنوك القطاع الخاص الكبرى ستواجه ضغوطا لرفع العائد على الشهادات لتجنب نزيف الودائع.
من المبكر القول إن هذه الخطوة تمهد بالضرورة لرفع أسعار الفائدة في اجتماع البنك المركزي المقبل؛ فمسار وتداعيات الصراع الأمريكي الإيراني تتسم بالديناميكية الشديدة، والاجتماع التالي للجنة السياسة النقدية لن ينعقد قبل 22 مايو.
وقد يتردد البنك المركزي في رفع الفائدة؛ فالعودة إلى تشديد السياسة النقدية بعد دورة التيسير التي بدأت قبل أشهر قليلة يعني ارتفاع تكاليف خدمة الدين العام، ما يزيد بدوره الضغط على الموازنة المثقلة بالفعل. وبالرغم من الاستقلال النسبي للسياسة المالية عن النقدية، إلا أن أيا منهما لا تعمل في معزل عن الأخرى.
هل تساعد هذه الخطوة في كبح التضخم؟ يعني تراجع الدولار أمام الجنيه زيادة في السيولة المحلية بالنظام المصرفي — وهي سيولة قد يفضل كثيرون توجيهها نحو شهادات الادخار طويلة الأجل.
أخيرا.. صندوق النقد الدولي سيراقب المشهد من كثب؛ فهو لا يحبذ عادةً لجوء صناع السياسات إلى قنوات جانبية لتوجيه السياسة النقدية. ورغم أن البعض قد يرى في خطوة "الأهلي" و"مصر" إجراء منطقيا للغاية في الوقت الراهن، إلا أنها من نوعية الإجراءات التي تلقى انتقادات من الصندوق خلال مشاورات "المادة الرابعة".
خلفية: كان البنك المركزي قد فضل الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماع لجنة السياسة النقدية الأخير، بعد أن تسببت أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب في عكس المسار النزولي للتضخم الذي شهدناه في وقت سابق من العام.