أمضت الكيانات الاستثمارية المدعومة من دولة الإمارات قرابة عقد من الزمان في الاستحواذ على حصص في حقول الغاز وشركات البتروكيماويات ومحطات الوقود والموانئ في مصر. ومع تراجع حركة الملاحة في مضيق هرمز إلى أدنى مستوياتها في ظل استمرار الهجمات، بدأت هذه المحفظة الاستثمارية تتحول من مجرد رهان على الأسواق الناشئة إلى شبكة أمان واستراتيجية تحوط فعالة. وتكمن جاذبية مصر لرؤوس الأموال الخليجية في موقعها الاستراتيجي على جانبي قناة السويس، إلى جانب سوق غاز لا تزال بحاجة إلى استثمارات كبيرة.
وتتمثل أحدث هذه الخطوات الاستراتيجية في إنشاء مركز لوجيستي للتخزين على ساحل البحر المتوسط؛ ففي أغسطس الماضي، وافقت مصر على إنشاء منطقة حرة خاصة على مساحة تبلغ 737,900 متر مربع تقريبا في العلمين الجديدة لصالح شركة الفجيرة العلمين للنفط والغاز، وهي مشروع مشترك مع إمارة الفجيرة. وتقع المنطقة الحرة بجوار ميناء الحمراء البترولي، حيث ستكون مخصصة لتخزين وتداول النفط الخام والمشتقات المكررة المخصصة بالكامل للتصدير. وتُعد هذه المنطقة القاعدة التجارية لبرنامج تطوير اللوجستيات النفطية الذي تنفذه الفجيرة بقيمة 3 مليارات دولار في ميناء الحمراء، وهو المشروع الذي انبثق عن ثلاث اتفاقيات أُبرمت في أكتوبر الماضي، شملت اتفاقا لتوريد المنتجات البترولية إلى الهيئة المصرية العامة للبترول. وعلى صعيد منفصل، تتواصل أعمال التوسعة في الميناء بقيمة 457 مليون دولار بالتعاون مع شركة ويبكو المملوكة للدولة، بهدف مضاعفة الطاقة التخزينية للنفط الخام في ميناء الحمراء لتصل إلى 5.3 مليون برميل بحلول ديسمبر القادم. وقد التقى رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي مسؤولين من إمارة الفجيرة الشهر الماضي لدفع المشروع نحو مرحلة التنفيذ.
يأتي هذا المشروع ضمن استراتيجية تحوط أوسع نطاقا تسعى الإمارات لترسيخها داخل أراضيها على مدار العام؛ إذ تعمل شركة أدنوك على نقل النفط الخام خارج الخليج إلى نقاط مخصصة لإعادة الشحن مثل الفجيرة، حيث يتسلمه المشترون دون الحاجة إلى تسيير سفنهم عبر مضيق هرمز. أما بالنسبة لحركة الحاويات، فقد تحولت محطة خورفكان التابعة لشركة غلفتينر من مركز لإعادة الشحن غير مستغل إلى حد كبير لتصبح البوابة الرئيسية للإمارات خارج المضيق.
أهمية الخطوة: أصبحت أبوظبي تعتمد بالفعل مسارات بديلة لمضيق هرمز داخل أراضيها، وجاء مشروع العلمين ليمد نطاق هذا النهج عبر البحر الأحمر. وقد نجح خط أنابيب "حبشان-الفجيرة" في تأمين نقل الصادرات النفطية للإمارات بعيدا عن المضيق خلال فترة الصراع، بينما تسرع أدنوك وتيرة تنفيذ خط أنابيب ثانٍ لمضاعفة التدفقات النفطية عبر الفجيرة بحلول عام 2027، في إطار الخطة التي وصفها وزير التجارة الخارجية ثاني الزيودي بأنها تستهدف الاستغناء التام عن مضيق هرمز. ومع ذلك، لا تُعد الفجيرة بمعزل تام عن التهديدات الجيوسياسية، إذ استهدفت طائرات مسيرة إيرانية الميناء في مارس الماضي. ومن ثم، يتيح ميناء الحمراء للشركات التي تنطلق شحناتها من الفجيرة مراكز تخزين استراتيجية على ساحل البحر المتوسط خلف قناة السويس، بالقرب من الأسواق الأوروبية. وفي الوقت نفسه يوفر لمصر احتياطيا استراتيجيا من الإمدادات تفتقده في الوقت الراهن.
ولم تكن هذه التحركات وليدة اللحظة، بل عمل المستثمرون على تحقيق هذا الهدف لسنوات مدفوعين بعاملين رئيسيين: "حاجة مصر المتزايدة إلى الاستثمارات لمعالجة تراجع الإنتاج المحلي، إلى جانب الاستراتيجية الإماراتية الشاملة لتوسيع محفظة أصولها في قطاع الطاقة على المستوى الدولي"، وفقا لما صرحت به ناتاليا كاتونا، محللة أسواق السلع في منصة أويل برايس، لنشرة إنتربرايز الصباحية.
ويعود الوجود الإماراتي في قطاع الطاقة المصري إلى عام 2018 على الأقل، حين استحوذت شركة مبادلة على حصة في منطقة امتياز شروق التي تضم حقل ظهر. وفي عام 2019، أبرمت شركة دراغون أويل المملوكة لحكومة دبي اتفاقية للاستحواذ على أصول شركة "بي بي" في خليج السويس، بما في ذلك حصتها في شركة بترول خليج السويس (جابكو). وفي عام 2023، ضخت شركة القابضة (إيه دي كيو) 800 مليون دولار لشراء حصة تبلغ 35% من الشركة المصرية لإنتاج الألكيل بنزين الخطي (إيلاب)، و30% من الشركة المصرية لإنتاج الإيثيلين ومشتقاته (إيثيدكو)، و25% من الشركة المصرية للحفر.
تحوط لوجستي قبل أوقات الأزمات
"تتيح مصر موقعا لوجستيا استراتيجيا لا يعتمد على مضيق بعينه، وهذا تحديدا هو ما تراهن عليه أبوظبي في مصر"، بحسب ما أوضحه محلل سلاسل التوريد فولفغانغ ليماخر في تصريحات لنشرة إنتربرايز الصباحية. وأضاف ليماخر أن مصر أصبحت وجهة جاذبة "ليس لرخص تكاليف الاستثمار بها"، بل لأن هجمات البحر الأحمر وتبعات الحرب جعلت من التوسع فيها "ضرورة ملحة" للدول الخليجية الراغبة في توزيع مخاطرها جغرافيا.
وكانت صفقة رأس الحكمة هي نقطة التحول الرئيسية؛ ففي عام 2024، وقعت القابضة (إيه دي كيو) اتفاقا بقيمة 35 مليار دولار لتطوير رأس الحكمة على الساحل الشمالي، في وقت كانت تعاني فيه مصر شحا في النقد الأجنبي، مما أسهم في تمهيد الطريق لإتاحة حزمة تمويلية بقيمة 8 مليارات دولار من صندوق النقد الدولي. ويصف ليماخر هذه الخطوة بأنها كانت "لحظة فارقة". غير أن المشغلين الإماراتيين كان لديهم بالفعل موطئ قدم في الموانئ المصرية؛ إذ تتولى موانئ دبي العالمية إدارة ميناء السخنة منذ عام 2008، كما استحوذت "إيه دي كيو" على حصة في المشغل الرئيسي للحاويات بميناء الإسكندرية في عام 2022. وسرعت مجموعة موانئ أبوظبي من وتيرة توسعها منذ ذلك الحين عبر توقيع اتفاقيات امتياز جديدة في ميناء السخنة، إلى جانب اتفاقية لمدة 50 عاما لتطوير منطقة صناعية ولوجستية في شرق بورسعيد، مما أتاح للمشغلين الإماراتيين الوصول إلى كلا الساحلين المصريين على البحرين المتوسط والأحمر.
توسع استثماري في قطاع الاستكشاف والإنتاج
تشير كاتونا إلى أن تراجع إنتاج الغاز في مصر كان الدافع الأساسي لضخ الاستثمارات في عمليات الاستكشاف والإنتاج؛ إذ بلغ متوسط الإنتاج نحو 3.8 مليار قدم مكعبة يوميا في النصف الأول من عام 2026، متراجعا بنسبة 44% تقريبا مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2021، في وقت واصل فيه الطلب المحلي ارتفاعه.
ولم تلجأ مصر إلى تخفيف الأحمال هذا الصيف، لكن ذلك جاء بتكلفة باهظة؛ إذ وصلت أحمال الشبكة إلى مستوى قياسي بلغ 40.2 جيجاوات في أغسطس، دون الاضطرار إلى خطة تخفيف الأحمال. ولتحقيق ذلك، استوردت مصر نحو 7.94 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الجاري، وهو ما يتجاوز ضعف الكميات المستوردة خلال الفترة نفسها من عام 2025، إلى جانب رفع تدفقات الغاز عبر الأنابيب من إسرائيل إلى أقصى طاقتها، والاعتماد على المازوت كوقود بديل. وكان الصيفان السابقان أكثر قسوة؛ إذ أجبرت انقطاعات الغاز في عامي 2024 و2025 شركات عدة في قطاع الأسمدة على خفض إنتاجها أو تعليقه، ومن بينها أبو قير للأسمدة وشركة سماد مصر (إيجيفرت) ومصر لإنتاج الأسمدة (موبكو).
ولهذا السبب يكتسب الغاز أهمية تفوق النفط؛ إذ تقول كاتونا إن "استثمارات الغاز الطبيعي أهم بكثير للاقتصاد المصري مقارنة من أي زيادة هامشية في إنتاج النفط"، فالغاز يُعد المحرك الأساسي لتوليد الكهرباء وصناعة الأسمدة، مما يمنح أصول الاستكشاف والإنتاج المدعومة من الدولة ثقلا أكبر مقارنة بالاستثمارات النفطية التقليدية.
وقد سددت الحكومة المصرية ديونها التي كانت تحد من شهية المستثمرين تجاه القطاع؛ إذ بلغت المستحقات المتأخرة لصالح شركات النفط الأجنبية 6.1 مليار دولار في عام 2024، مما أدى إلى تراجع الاستثمارات وانخفاض الإنتاج، قبل أن تسدد الحكومة هذه المستحقات بالكامل في يونيو الماضي. وتوضح كاتونا أن "جهود الحكومة لتسوية هذه الالتزامات وتحسين الشروط التعاقدية لقطاع الاستكشاف والإنتاج أسهمت في دعم عودة الاستثمارات".
مصر تعزز جاذبية الفرص الاستثمارية
ولا تقتصر المكاسب طويلة الأجل للإمارات على السوق المحلية للغاز في مصر فحسب، بل تمتد لتشمل إمكانية المشاركة لتحويل مصر إلى مركز إقليمي لتداول غاز شرق المتوسط، "لا سيما في حال توفر إمدادات إقليمية إضافية لأغراض المعالجة أو الاستهلاك المحلي أو إعادة التصدير"، بحسب كاتونا.
وتُعد شركة أركيوس للطاقة النموذج الأبرز على هذا التوجه؛ إذ تأسس هذا المشروع المشترك في عام 2024 بين شركة "بي بي" (التي تمتلك حصة 51%) وشركة "إكس آر جي" ذراع الاستثمار الدولي لشركة أدنوك (49%). وضمت "بي بي" أصولها القائمة في مصر ضمن الشركة الجديدة، بما في ذلك حصتها في حقل ظهر. وتستهل أركيوس للطاقة أعمالها في مصر بامتياز شمال دمياط وحقل هارماتان، الذي وقعت في أبريل قرار الاستثمار النهائي لتنميته بقيمة 500 مليون دولار مع الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية (إيجاس). كما تبدأ الشركة حملة للاستكشاف في المياه العميقة عبر حفر بئر أتول غرب.
وأسهم تحسين الشروط المالية في جعل هذه المشروعات جاذبة للاستثمار؛ إذ رفعت وزارة البترول أسعار شراء الغاز من إنتاج بعض مناطق الامتياز، كما خففت شروط اتفاقيات تقاسم الإنتاج. وأدرجت شركة وود ماكنزي حقل هارماتان ضمن المشروعات التي ساعدت فيها الشروط المالية المرنة في اتخاذ قرارات الاستثمار النهائية، وفق ما أفادت به نشرتنا المتخصصة الجديدة "طاقات".
مكامن الضغط على استراتيجية التحوط
أما على الجانب الآخر، تظل فرص قطاعي النقل والتكرير والتوزيع أقل جاذبية؛ إذ توضح كاتونا أن "الفرص التجارية في هذه القطاعات مقيدة بطبيعة السوق المحلية وتعرض البلاد لاضطرابات الملاحة الإقليمية". فأسعار الوقود الخاضعة للإشراف الحكومي تشكل ضغطا على هامش الربحية وتجعل العوائد متقلبة. كما أن البنية التحتية المرتبطة بالتجارة تظل عرضة للاضطرابات المحيطة بقناة السويس وباب المندب، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع حركة إعادة الشحن وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، بحسب كاتونا.
وينطبق ذلك على مشروع العلمين أيضا؛ إذ إن الشحنات القادمة من الفجيرة والمتجهة إلى البحر المتوسط لا يزال يتعين عليها المرور عبر مضيق باب المندب للوصول إلى وجهتها.
بديل استراتيجي لا حل كلي
تمنح مصر للإمارات قدرات تخزينية وموطئ قدم يتجاوز حدود مضيق هرمز، لكنها ليست بديلا للفجيرة. فمنطقة العلمين مخصصة للتصدير، والخزانات المجهزة للتوسعة في ميناء الحمراء تقع على ساحل البحر المتوسط، إلا أن الشحنات التي تملأ هذه الخزانات يتعين أن تأتي في الأصل من الخليج، وتظل الفجيرة نقطة الانطلاق الأساسية لهذه الرحلة.
نظرة مستقبلية: يقول ليماخر إن "مصر شهدت بالفعل اهتماما استثماريا كبيرا خلال السنوات العشر إلى الخمس عشرة الماضية، لكن هذا الزخم بات أقوى الآن". ومن المرجح أن تسهم البيئة الجيوسياسية في الحفاظ على جاذبية هذه الاستثمارات. غير أن النقطة الأهم تكمن في استدامتها؛ فعقود الامتياز الممتدة لـ 30 عاما تعني أن الموانئ والسكك الحديدية والبنية التحتية للطاقة ستستمر لفترات تتجاوز الأزمات الحالية.