Posted inالخبر الأبرز اليوم

غلفتينر تراهن بملياري دولار على خورفكان.. واختبار حقيقي لطفرة الساحل الشرقي

دفع إغلاق هرمز الساحل الشرقي إلى واجهة التجارة الإماراتية، لكن المناطق الحرة المرتبطة بالموانئ ما زالت العامل الحاسم في تحديد بوصلة القيمة الفعلية

هيمن جبل علي لسنوات طويلة على حركة الحاويات في الإمارات، بمناولة نحو 14 مليون حاوية نمطية، في حين ظل دور موانئ الساحل الشرقي هامشيا. لكن الحرب أعادت اليوم ترتيب موازين المشهد. إذ يستعد ميناء خورفكان، وهو أكبر ميناء للحاويات في الإمارات خارج مضيق هرمز والمحطة الرئيسية لشركة غلفتينر، لتوسعة كبرى بقيمة ملياري دولار لمضاعفة طاقته الاستيعابية إلى 10 ملايين حاوية نمطية، إلى جانب إضافة سعة لوجستية داخلية تتراوح بين 2-3 ملايين حاوية نمطية.

غير أن "هذه [التوسعات] كانت ضمن خطط الشركة منذ العام الماضي، لكن الاضطرابات الأخيرة سرعت من تنفيذها"، حسبما قال فريد بلبواب، الرئيس التنفيذي لمجموعة غلفتينر، في مقابلة حصرية مع نشرة إنتربرايز الصباحية. وأضاف: "أصبح عام 2026 هو المنعطف الفارق الذي شهد تحول ميناء خورفكان من مركز لإعادة الشحن إلى بوابة رئيسية على الساحل الشرقي لدولة الإمارات".

ويؤكد بلبواب أن المخطط لا يستهدف التوسع لمجرد الاستفادة من ظروف الحرب؛ موضحا أن "رفع حجم المناولة في خورفكان إلى 10 ملايين حاوية نمطية لا يعني إضافة كل هذه الطاقة الاستيعابية بين عشية وضحاها، بل يعني بناء منظومة متكاملة تتماشى مع حجم الطلب". وترفع المرحلة الأولى من الطاقة الاستيعابية للمحطة إلى 5 ملايين حاوية نمطية، على أن تتوسع تدريجيا للوصول إلى أكثر من 10 ملايين حاوية نمطية "خلال السنوات القليلة المقبلة"، بحسب بلبواب، مشيرا إلى أن الجدوى الاقتصادية للمشروع تستند إلى تحولات هيكلية في حركة التجارة.

الحرب تضع خورفكان على الخريطة

ميناء يستعيد دوره: قبل إغلاق مضيق هرمز، فقد خورفكان خلال العقد الماضي عددا من أبرز عملائه لصالح ميناء جبل علي وميناء خليفة الذي كان يشهد نموا سريعا"، وفقا لما قاله إيريك هوبر، الشريك الأول في شركة دريوري للاستشارات البحرية والمسؤول التنفيذي السابق في موانئ دبي العالمية، لإنتربرايز. ومنذ اندلاع الحرب، أعادت غلفتينر سريعا تنشيط المحطة التي كانت غير مستغلة إلى حد كبير، وهيئتها لتصبح البوابة الرئيسية لدولة الإمارات.

لكن هذا التحول صاحبه تحديا؛ فقد صمم ميناء خورفكان لنقل الحاويات فيما بين السفن، وليس من السفن إلى الشاحنات. ويشير هوبر إلى أن سعة الميناء الأساسية للتفريغ وإعادة الشحن قُدرت بنحو 5 ملايين حاوية نمطية، بينما لم تتجاوز طاقته الاستيعابية الفعلية لنقل البضائع إلى داخل الدولة 3-3.5 مليون حاوية. وبعدما سارعت غلفتينر لإنشاء مرافق مخصصة لحركة الشاحنات، قفز حجم المناولة من نحو 8 آلاف حاوية نمطية أسبوعيا إلى 65 ألفا، بزيادة بلغت 700%، وهو الحد الأقصى الحالي للمحطة. ومن المتوقع أن تصل الطاقة الاستيعابية إلى 5 ملايين حاوية نمطية بحلول نهاية الشهر، مما سيسمح بمناولة نحو 100 ألف حاوية نمطية أسبوعيا.

من الترانزيت البحري إلى باب العميل

يوضح بلبواب أن هذه المرونة كانت جزءا من الخطة منذ البداية. ففي عام 2025، افتتحت غلفتينر أكبر ميناء جاف جمركي في الإمارات بمنطقة الصجعة، على بعد 90 كيلومترا من خورفكان. وتُؤمَّن الشحنات في الميناء بأختام خاصة تمنع فتحها أو العبث بها، ثم تُنقل إلى الصجعة حيث تُستكمل إجراءات التخليص الجمركي عند موقع تسليمها إلى العميل. ويضيف بلبواب أنه "بذلك، لم يعد دور خورفكان يقتصر على نقل الحاويات بين السفن، بل أصبح بوابة توصل البضائع مباشرة إلى العملاء". ومنذ ذلك الحين، أضافت الشركة مجمع الذيد للخدمات اللوجستية متعددة الوسائط والمنطقة الحرة، على بعد 60 كيلومترا من الميناء. وستبلغ الطاقة الاستيعابية السنوية للموقع الذي يمتد على مساحة 150 هكتارا نحو 1.5 مليون حاوية نمطية، ويهدف لربط خورفكان مباشرة بشبكة قطارات الاتحاد، عند إتمام إنشائه بنظام الشراكة بين القطاعين العام والخاص مع هيئة الشارقة للموانئ والجمارك والمناطق الحرة.

وقال بلبواب إن استراتيجية النمو "تستهدف رفع مناولة الميناء إلى أكثر من 10 ملايين حاوية نمطية، إلى جانب طاقة مناولة برية تستوعب 2.3 مليون حاوية نمطية في الصجعة والذيد، وتتضمن مجمعا لوجستيا يمتد على مساحة 1.5 مليون متر مربع". ويضيف: "العملاء اليوم لا يبحثون عن مجرد قطعة أرض، بل يريدون ممرا جمركيا مدعوما بالذكاء الاصطناعي". ويشير بلبواب في هذا الصدد إلى طريق خورفكان-الشارقة، وربط خورفكان والذيد المرتقب بشبكة قطارات الاتحاد، وأسطول شركة "جي تي لاينز" المكون من 15 سفينة والذي يخدم الصين وشبه القارة الهندية ودول الخليج والعراق وشرق أفريقيا. ويؤكد قائلا: "ممراتنا التجارية تجسد منصتنا المتكاملة، من الموانئ إلى الشحن، ومن الشحن إلى النقل البري، ومن النقل البري إلى المجمعات الصناعية".

الفجيرة تعزز طاقاتها.. لكن الصدارة لخورفكان

ما زالت الفجيرة تمثل شريان الإمارات الرئيسي لصادرات الخام الإماراتية على الساحل الشرقي. فخلال الأشهر الأخيرة، أصبحت الإمارة المركز الرئيسي لعمليات النقل البيني التابعة لأدنوك، مما يسمح للمشترين باستلام الخام دون الحاجة إلى عبور الناقلات عبر مضيق هرمز. وينقل خط أنابيب "حبشان-الفجيرة" نحو 1.8 مليون برميل يوميا إلى الفجيرة، وعمل بطاقته القصوى تقريبا في أعقاب اندلاع الحرب. كما تكثف أدنوك جهودها حاليا لإنشاء خط أنابيب ثان إلى الفجيرة، مستهدفة تشغيله في 2027. وإلى جانب دوره في نقل الخام، يناول ميناء الفجيرة نحو 7.3 مليون طن متري من الوقود البحري سنويا، مما يضعه جنبا إلى جنب مع سنغافورة وروتردام ضمن أكبر 3 مراكز لتزويد السفن بالوقود في العالم.

أما الحاويات فوضعها مختلف؛ إذ ناولت مجموعة موانئ أبوظبي أكثر من 70 ألف حاوية نمطية عبر مرافئ الفجيرة في غضون أسابيع قليلة خلال مايو الماضي، لكن المحطة لم تُصمم في الأصل لأداء هذا الدور. حتى أن آخر توسعة كبرى للمحطة تعود إلى عام 2021 باستثمارات بلغت 135 مليون دولار (500 مليون درهم) آنذاك، لرفع طاقة مناولة الحاويات إلى مليون حاوية نمطية. ويوضح هوبر أن "الفجيرة لديها حاليا قدرة محدودة للتعامل مع كميات كبيرة من شحنات الحاويات التي يعاد توجيهها من الموانئ الواقعة داخل المضيق".

لذا يتحرك كبار مشغلي الموانئ لسد هذه الفجوة:

  • فقد توصلت موانئ دبي العالمية إلى "اتفاق مبدئي" مع سلطة موانئ الفجيرة لتطوير محطة جديدة للحاويات والبضائع متعددة الأغراض في الرغيلات، بالإضافة إلى محطة للبضائع العامة في دبا. ومن المقرر أن تستوعب محطة الرغيلات ما يصل 2.5 مليون حاوية نمطية، أي ما يعادل 3 أمثال سعة محطة الحاويات الحالية في الفجيرة تقريبا.
  • كما تعمل مجموعة موانئ أبوظبي على ربط الفجيرة بالقاعدة الصناعية في أبوظبي؛ إذ تسهم شبكتها من الموانئ الجافة ومستودعات البضائع المتصلة بالسكك الحديدية، والتي أعلنت عنها في مايو الماضي، في الربط بين مرافئ الفجيرة وميناء خليفة ومدينة أبوظبي الصناعية التابعة لمجموعة كيزاد، مما يسمح بوصول الشحنات الصناعية إلى الساحل الشرقي ثم نقلها إلى كيزاد دون المرور عبر مضيق هرمز. وقد انضم كل من الإمارات العالمية للألمنيوم وإمستيل والغرير للحديد والصلب وتيناريس ليكونوا عملاء رئيسيين ضمن تلك الشبكة.

ويرى هوبر أن هذه المشاريع تشير إلى أن الفجيرة ستؤدي دورا أكبر بكثير في سلسلة التوريد الإماراتية، "رغم أنها ستكون في المرتبة الثانية بعد خورفكان فيما يخص سوق الحاويات". وعلى الجانب الآخر من الحدود، وقعت مجموعة "سي إم إيه سي جي إم" ومجموعة أسياد العمانية اتفاقية إطارية لإنشاء محطة لوجستية بقيمة 400 مليون دولار في صحار، التي أصبحت مسارا بديلا للتجارة الخليجية خلال الحرب.

الجدوى الاقتصادية؟ طريق أطول.. لكنه مجدٍ

إعادة توجيه الشحنات عبر الساحل الشرقي ليس خيارا منخفض التكلفة، لكنه يظل أقل كلفة من البديل الحالي. فكل حاوية تصل إلى خورفكان أو الفجيرة يجب أن تعبر جبال الحجر بالشاحنات أو بالقطارات لاحقا للوصول إلى دبي وأبوظبي والمراكز الصناعية في الإمارات. وصحيح أن الرسو في أحد موانئ مضيق هرمز يلغي هذه المرحلة تماما، إلا أن ارتفاع علاوات التأمين المفروضة على الإبحار في المنطقة، إلى جانب الرسوم الإضافية لمخاطر الحرب، تتجاوز تكلفة نقل الشحنات برا عبر الساحل الشرقي، والتي تشير إحدى الدراسات إلى أنها صارت أعلى بما يتراوح بين 2.4 و4.2 مرة لكل طن في الكيلومتر الواحد.

ويرى هوبر أن علاوات التأمين ليست العائق الأكبر؛ موضحا أن "غالبية ملاك السفن لا يمكنهم المجازفة باحتجاز سفنهم داخل المضيق، حتى وإن كانوا قادرين على دفع علاوات مخاطر الحرب المفروضة على السفن وحمولتها". وحتى يتم التوصل إلى حل جدير بثقة شركات التأمين وملاك السفن، ستظل خورفكان والفجيرة وصحار البوابات البحرية الرئيسية لدولة الإمارات وشمال عمان. لكن هذا الحل يبدو بعيد المنال، في ظل تصاعد الهجمات الإيرانية على السفن في الأيام الأخيرة.

غير أن هوبر يقول إن عودة الأوضاع سريعا إلى طبيعتها وتلاشي المخاطر المرتبطة بعبور مضيق هرمز من شأنه أن يؤخر المرحلتين الثانية والثالثة من توسعة محطة خورفكان؛ "أما إذا لم يحدث ذلك، فمن المرجح أن تمضي الخطة الرئيسية قدما بسرعة لتلبية الطلب"، بحسب قوله.

وترى شركة دريوري أن محطات الساحل الشرقي ومراكزه اللوجستية الداخلية يمكن أن تصبح بوابة رئيسية لتلبية الطلب في الإمارات وشمال عمان. كما يمكنها أن تعمل كمنصة لممرات إعادة الشحن لتلبية جزء من احتياجات شمال الخليج، "لكن ليس جميعها بالتأكيد"، وإن كان ذلك بتكلفة أعلى وبضغوط إضافية على البنية التحتية الحالية للسكك الحديدية والطرق. وستواصل الموانئ الواقعة داخل المضيق خدمة التجارة في شمال الخليج، حيث يتوقع هوبر أن تظل قادرة على المنافسة من حيث التكلفة مقارنة بمسارات موانئ البحر الأحمر، التي تتطلب نقل البضائع برا لمسافات أطول بكثير.

لماذا يحتفظ جبل علي بالصدارة؟

يخلص هوبر إلى أن أنشطة إعادة الشحن الإقليمية "لن تعود إلى الخليج بصورتها التي كانت عليها قبل عام 2026". ويوضح أن دور ميناء جبل علي "سيقتصر على إعادة الشحن في الخليج، بالإضافة إلى إعادة التصدير، وهي سوق أصغر بكثير، وإن كانت ستظل مهمة".

لكن الساحل الشرقي لن يزيح جبل علي عن الصدارة: فميناء جبل علي التابع لموانئ دبي العالمية يُصنف في فئة مختلفة تماما من حيث حجم الحاويات؛ إذ يناول نحو 14-15 مليون حاوية نمطية سنويا، مدعوما بطاقة استيعابية تتجاوز 19 مليون حاوية نمطية، كما أنه يرتبط مباشرة بالمنطقة الحرة لجبل علي التي تحتضن أكثر من 10 آلاف شركة وتسهم بنحو 36% من الناتج المحلي الإجمالي لدبي. ويؤكد هوبر أن جبل علي "سيحتفظ بمكانته البارزة في المنطقة بفضل المنطقة الحرة والمستودعات والمجمعات الصناعية ومطار الشحن المحيط به، وهي منظومة استغرق بناؤها 4 عقود ولا يمكن تكرارها أو نقلها بسهولة".

وهنا يكمن جوهر الجدوى الاقتصادية؛ فالميناء يحصل على رسوم مناولة مرة واحدة لكل حاوية، بينما تجني مجمعات المناطق الحرة الإيجارات ورسوم الخدمات وهوامش إعادة التصدير من الشركات المالكة للشحنات، عاما بعد عام. وصحيح أن الحرب قد تغير مسارات السفن، لكن لا يمكنها نقل 10 آلاف شركة بسهولة. وتقدم غلفتينر منطقة الذيد كبديل للمنطقة الحرة بجبل علي (جافزا)، لكن المشروع بمساحته البالغة 150 هكتارا، يبدو متأخرا بنحو 4 عقود. لذا يتمثل التوجه الأسرع حاليا في ربط موانئ الساحل الشرقي بالمناطق الحرة الحالية. ويضيف هوبر أن استثمارات الخدمات اللوجستية البرية التي تنفذها غلفتينر وموانئ دبي العالمية ومجموعة موانئ أبوظبي و"سي إم إيه سي جي إم" "موجهة نحو نقل الشحنات بأقصى كفاءة ممكنة بين موانئ الساحل الشرقي والمراكز اللوجستية الحالية في جبل علي وخليفة".

لكن ربط مشغلي الموانئ المتنافسين في 3 إمارات لتكوين شبكة واحدة يحتاج إلى أكثر من مجرد قرار تنظيمي. إذ يقول هوبر إن "بناء منظومة لوجستية مترابطة بين مؤسسات تجارية منفصلة، تعمل كل منها لتحقيق أهدافها الخاصة، يستلزم وقتا وضغوطا تنافسية خارجية [تدفعها إلى التكامل معا]. وعندما تتشكل هذه الشبكة، فإنه يتوقع أن تميل كفتها لصالح دبي، موضحا: "سيظل المجمع اللوجستي في جافزا القوة الأبرز في الإمارات، وأتوقع أن تتشكل الحوافز داخل الشبكة الجديدة بحيث تعطي الأولوية لاحتياجات عملاء جافزا الحاليين".