تنفق الإمارات مليارات الدراهم لتشجيع المزيد من السكان على استخدام وسائل النقل العام، لكن إضافة خطوط ومحطات جديدة وحدها لن تكون كافية لتحقيق هذا التحول. بدأت شبكة قطارات الاتحاد في نقل الركاب بين أبوظبي ودبي، فيما تعمل دبي حاليا على إنشاء خطي مترو جديدين بتكلفة إجمالية تزيد عن 54 مليار درهم، كما تعيد أبوظبي هيكلة شبكة حافلاتها وطرق سداد المدفوعات الخاصة بها. إلا أن خبراء تحدثنا إليهم أوضحوا لنا أن توسيع شبكة النقل لن يكون كافيا لجعلها بديلا أكثر جاذبية من السيارات الخاصة، ما لم يصبح الوصول إلى المحطات والتنقل منها إلى الوجهات النهائية أسهل بكثير.
خلفية: افتُتحت أولى محطات قطارات الاتحاد في أبوظبي بنهاية شهر يونيو الماضي ضمن خطة أولية تشمل 11 محطة، على أن يُضاف إليها 7 محطات أخرى لاحقا. وتوسعت الشبكة في 30 سبتمبر مع بدء تسيير رحلات الركاب بين دبي وأبوظبي، وأكدت الشركة أن هذه الخدمات ستمتد لتشمل محطات منطقة الظفرة بحلول 30 ديسمبر.
دبي تستحوذ على النصيب الأكبر من الإنفاق: من المقرر افتتاح الخط الأزرق لمترو دبي في سبتمبر 2029 بميزانية تبلغ 20.5 مليار درهم، ارتفاعا من المبلغ المبدئي الذي بلغ 18 مليار درهم. وسيربط هذا الخط المكون من 14 محطة بين الخطين الأخضر والأحمر الحاليين، ليخدم عدة مناطق سريعة النمو منها مردف وواحة دبي للسيليكون وميناء خور دبي والمدينة العالمية. وإلى جانب ذلك، أُقر في أبريل مشروع الخط الذهبي بتكلفة تقارب 34 مليار درهم وبطول 42 كيلومترا عبر 18 محطة، ليكون أول خط مترو في دبي يمر بالكامل تحت الأرض. ومن المخطط أن يخدم هذا الخط 1.5 مليون نسمة عندما يكتمل تنفيذه بحلول سبتمبر 2032، كما سيتصل بشبكة قطارت الاتحاد في منطقتي ميدان وعقارات جميرا للغولف.
وبمجرد اكتمال الخطين، ستمتد شبكة المترو بطول 162 كيلومترا وتضم 85 محطة. ولا تقتصر خطط التوسع على المشروعات فوق الأرض؛ إذ يجري العمل على تنفيذ مشروع دبي لوب بتكلفة استثمارية تبلغ ملياري درهم ليضم 19 محطة، كما تدرس هيئة الطرق والمواصلات بدبي إنشاء شبكة نقل متكاملة تحت الأرض.
يأتي هذا ضمن توجه أوسع لتحسين جودة الحياة في الإمارة؛ إذ تخطط دبي إلى تحويل الإمارة إلى "مدينة العشرين دقيقة"، بحيث يسهل الوصول إلى 80% من الخدمات الأساسية في غضون 20 دقيقة.
أما أبوظبي فتركز على الأنظمة التي تدير مسارات النقل؛ إذ أعلن مركز النقل المتكامل في الإمارة عن استثمار أكثر من 300 مليون درهم في أنظمة النقل العام من الجيل الجديد، ويشمل ذلك نظاما آليا لإدارة المركبات بغرض المراقبة اللحظية للحافلات والرحلات، فضلا عن نظام رقمي لتحصيل الأجرة لإتاحة خيارات دفع أكثر مرونة، مثل البطاقات المصرفية والمدفوعات الرقمية ورموز الاستجابة السريعة.
المشهد الحالي
"لطالما تمحور تصميم المدن التي نعيش فيها ليلائم قيادة السيارات الخاصة في المقام الأول"، حسبما يرى مارتن تيلمان، مؤسس شركة "تي إم بي كونسلت" المتخصصة في استشارات تخطيط النقل والتنقل. وينطبق ذلك أيضا على الأحياء الهادئة؛ إذ تقول مونيكا مينينديز، أستاذة الهندسة المدنية والعمرانية بجامعة نيويورك أبوظبي ومديرة مركز مدن البحثي، في تصريحات لنشرة إنتربرايز الصباحية: "في الأحياء الأقل كثافة سكانية... يصعب على وسائل النقل العام أن تضاهي الراحة التي توفرها قيادة السيارات".
قرب المحطة لا يضمن بالضرورة سهولة الوصول إليها: فحتى المحطات القريبة فعليا من المناطق السكنية قد يصعب الوصول إليها إذا اضطر الركاب إلى عبور طرق رئيسية أو السير في أجواء حارة، بسحب تيلمان. كما يشدد على أهمية تقييم الطرق المحيطة بالمحطات ومدى ملاءمتها للمشاة، بما يساعد على رصد العقبات التي تعوق الوصول إليها بسهولة وتحديد ما يلزم لتحسينها.
جهود الربط حاضرة.. لكن السيارة ما زالت الوسيلة الأسرع. تقع محطة مدينة محمد بن زايد في أبوظبي على بُعد نحو 31 كيلومترا من مناطق الأعمال مثل جزيرة الريم، وإن كانت أقرب إلى منطقة المصفح التي تتركز فيها أعداد أكبر من العمالة الحرفية. وصحيح أن هناك حافلات متاحة لنقل الركاب إلى جزيرة الريم، لكن رحلاتها تنطلق كل 30 إلى 45 دقيقة وتستغرق نحو 55 دقيقة. في المقابل، تستغرق الرحلة بالسيارة بين المحطة وجزيرة الريم نحو 28 دقيقة فقط (وفقا لاختبار أجرته إنتربرايز على خرائط غوغل في الساعة الرابعة عصرا في يوم أربعاء عشوائي).
والوضع مشابه في دبي. فالراكب الذي يصل إلى محطة قطارات الاتحاد في دبي متجها إلى الخليج التجاري سيحتاج إلى السير لمدة تتراوح بين 5-10 دقائق بين محطتي القطار والمترو، ثم الانتظار من 3 إلى 5 دقائق في أوقات الذروة لاستقلال المترو، تليها رحلة تستغرق نحو 36 دقيقة للوصول إلى الخليج التجاري. ومع إضافة بضع دقائق سيرا على الأقدام لبلوغ الوجهة النهائية، تصل مدة الرحلة إلى ما يقرب من 50 إلى 55 دقيقة، مقارنة برحلة بالسيارة تستغرق 30 دقيقة (وفقا لاختبار مماثل أجرته إنتربرايز أيضا في الساعة الرابعة عصرا من يوم أربعاء عشوائي). ومن المقرر افتتاح محطة ثانية في منطقة ميدان، بالقرب من وسط مدينة دبي، على أن تُربط بالخط الذهبي المخطط لمترو دبي.
وترى إليزابيتا تشيرتشي، أستاذة الهندسة المدنية والعمرانية بجامعة نيويورك أبوظبي، أن خطة توفير محطة مترو في نطاق 500 متر تعد جيدة، لكن قرب المحطة وحده لا يكفي. وتقول: "قد تتحول الطرق السريعة التي تقطع المدن إلى حواجز مادية ونفسية تعرقل المشي والوصول إلى محطات النقل العام".
إذن، ما الذي تحتاجه وسائل النقل العام لمنافسة السيارات؟
تقول مينينديز إن "توسيع الشبكة ليس سوى جزء من الحل"، وترى أن جعل وسائل النقل العام خيارا أفضل من الناحية العملية يتطلب تضافر عدة عوامل، من بينها زيادة وتيرة الرحلات، وإتاحة مسارات مظللة للمشي وركوب الدراجات، وتوحيد أنظمة الدفع، وتسهيل الانتقال بين وسائل النقل المختلفة، إلى جانب توسيع نطاق تغطية الشبكات وتوفير قدر أكبر من الراحة للركاب. وتضيف: "لا يمكن لوسيلة نقل واحدة خدمة جميع الأحياء بالجودة نفسها؛ بل تصبح كل منها أكثر فائدة حين تتكامل معا ضمن شبكة واحدة مترابطة".
أما تيلمان، فيرى أن نجاح منظومة النقل في النهاية يتوقف على مدى سهولة الوصول إلى المحطات واستكمال الرحلة منها إلى الوجهة المقصودة. ويؤكد على أهمية دمج الأنظمة المختلفة لخلق تجربة تنقل فعالة بدلا من التركيز فقط على زيادة أعداد محطات التبديل بين وسائل النقل المختلفة. ويشير إلى أن هذا الأمر يمثل أهمية خاصة لقطارات الاتحاد، إذ يحتاج الركاب إلى وسائل مريحة تربط المحطات بشبكات النقل المحلية.
وتقول تشيرتشي إن "سهولة الوصول عنصر بالغ الأهمية"، مشيرة إلى ضرورة انطلاق الرحلات على فترات متقاربة، وربط مختلف وسائل النقل من بداية الرحلة وحتى نهايتها، إلى جانب التكامل الذي يسمح للركاب بالتبديل بين وسائل النقل المختلفة بسهولة.
ترغيب وتنفير: ترى تشيرتشي أن جعل وسائل النقل العام منافسا حقيقيا للسيارات في مدن صُممت بالأساس حول استخدامها يتطلب عادة الجمع بين تحسين وسائل النقل العام وتبني سياسات تقلل من جاذبية الاعتماد على السيارات الخاصة. وتضرب مثالا على ذلك بتخصيص مسارات خاصة لوسائل النقل العام يجنبها الازدحام الناتج عن السيارات ويجعلها أكثر تنافسية.
النهج الشامل ضرورة قصوى: يرى تيلمان أن رفع الطاقة الاستيعابية للطرق قد يؤدي إلى تفاقم الازدحام المروري، على عكس المتوقع، إذ يشجع المزيد من الأفراد على استخدام السيارات الخاصة ويضعف دور النقل العام. ولذلك، يجب التخطيط لاستخدامات الأراضي ومواقف السيارات ومساحات الطرق والنقل العام بشكل متكامل. ويشمل ذلك دمج المشاريع العمرانية المستقبلية في تخطيط النقل العام، حتى لا تقع أي منطقة خارج نطاق التغطية.
المشاريع الأكثر قدرة على إحداث الفارق تستند إلى نماذج مجربة ومضمونة: يرجح تيلمان أن يكون الخط الأزرق من بين المشاريع ذات الأثر الأكبر على أعداد الركاب وحركة التنقل داخل المدن، مشيرا إلى أن شبكة المترو الحالية أثبتت "وجود طلب كبير على خدمات النقل العام عالية الجودة في الإمارات". كما يُرجح أن تُحدث شبكة قطارات الاتحاد تغييرا جذريا في السفر بين المدن، خاصة بين أبوظبي ودبي والإمارات الشمالية.
لا يوجد حل واحد يناسب الجميع: ففي الإمارات الشمالية، "يجب تخطيط شبكات النقل العام لتلبية الاحتياجات المحلية بدلا من تكرار الحلول المطبقة في المدن الأكبر مثل دبي"، حسبما قال تيلمان. فالشارقة، على سبيل المثال، تشهد تدفقات يومية كبيرة للمسافرين من وإلى الإمارات المجاورة، بينما تتوزع مناطق الجذب في رأس الخيمة على مساحات أوسع.
النظرة المستقبلية: توضح مينينديز إن "تغيير العادات في مجتمع يعتمد اعتمادا كبيرا على السيارات يستغرق وقتا". ويتوقع تيلمان أن تظل السيارات هي الخيار المهيمن في الرحلات التي تتطلب حاليا "تبديل وسائل النقل عدة مرات، أو تفتقر إلى الربط السلس بين المحطات، أو المشي مسافات طويلة، أو عدم انتظام خدمات الربط".
ويمكن للنمو السكاني أن يلعب دورا مزدوجا. فتقول مينينديز: "مع تزايد عدد سكان الإمارات وازدحام الطرق، تزداد أهمية وسائل النقل العام المنتظمة التي تغطي نطاقا واسعا". إلا أن هذا النمو قد يؤدي أيضا إلى امتداد العمران نحو المناطق ذات الكثافة السكانية الأقل، حيث تزداد الحاجة إلى خدمات ربط تتيح إيصال السكان إلى خطوط النقل الرئيسية.
ولا شك أن الاعتماد على السيارات منتشر على نطاق واسع في الإمارات اليوم. لكن "الثقافة تتغير"، كما تقول تشيرتشي. وتوضح أن التنوع الديموغرافي في الإمارات يعني أن البعض سيتكيف بوتيرة أسرع من غيره، مؤكدة أن بناء منظومة نقل جيدة هو الخطوة الأولى والأساسية لتحفيز هذا التحول.