تراجع الاقتصاد الإماراتي خلال الربع الثاني من العام مع تضرر محركات النمو غير النفطية بسبب الحرب؛ إذ انكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 2.1% على أساس سنوي ليصل إلى 476.9 مليار درهم في الربع الثاني، في ظل تراجع الأنشطة غير النفطية بنسبة 1.1% إثر التأثيرات السلبية للاضطرابات الإقليمية على قطاعات السياحة والنقل والتجارة، وفقا لما نقلته وكالة وام عن البيانات الأولية الصادرة عن المركز الاتحادي للتنافسية والإحصاء. وأدى هذا الانكماش إلى تقليص نمو النصف الأول ليظل بالكاد في النطاق الإيجابي مسجلا 0.4%، مع بلوغ الناتج المحلي الإجمالي 961.9 مليار درهم (262 مليار دولار).
النفط المتضرر الأكبر: قارب حجم الانكماش الإجمالي ضعف التراجع الذي شهده القطاع غير النفطي، ما يعني أن ناتج القطاع النفطي انخفض بوتيرة أسرع بكثير. ووفقا لحساباتنا التقريبية، تراجع الناتج المحلي الإجمالي النفطي بنحو 5-6% على أساس سنوي خلال هذا الربع، علما بأن المركز الاتحادي للتنافسية والإحصاء لم ينشر أرقاما تخص القطاع النفطي على حدة.
تذكر: أظهرت بيانات الربع الأول حينها أن الحرب أسفرت في البداية عن حالة من التباطؤ وليس ركودا تاما؛ إذ سجل الاقتصاد نموا بنسبة 3% خلال الربع الأول مقارنة بنحو 3.9% في الربع الأول من عام 2025، إلا أن نشوب الصراع خلال شهر فبراير أجّل ظهور التداعيات الفعلية للحرب لتتضح في البيانات اللاحقة.
التنويع خفف من وطأة التداعيات لكن لم يمنعها تماما: واصل الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي نموه بنسبة 1.8% خلال النصف الأول، ليرتفع إسهامه في الاقتصاد الكلي إلى 79.2% مقارنة بنحو 78.1% قبل عام. غير أن أرقام النصف الأول في المجمل تخفي التراجع الذي شهده الربع الثاني بانكماش الأنشطة غير النفطية بنسبة 1.1%، لا سيما مع تضرر بعض القطاعات المحورية في مسيرة التنويع الاقتصادي للإمارات جراء الاضطرابات التي شهدتها حركة السفر والتجارة.
القطاع المالي واصل النمو: جاءت الأنشطة المالية وأنشطة التأمين ضمن أعلى معدلات النمو خلال النصف الأول بتسجيلها 14.8%، يليها قطاع المعلومات والاتصالات الذي نما بنسبة 7.3%، ثم الصحة والخدمات الاجتماعية بنسبة 6%، وبعدها أنشطة التشييد والبناء بنسبة 5.1%. وظلت التجارة المساهم الأكبر في الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي بنسبة 16.2%، يليها القطاع المالي بنسبة 15.2%، ثم التشييد والبناء بنسبة 13.1%، والصناعات التحويلية بنسبة 11.8%.
ربما يكون مسار التعافي قد بدأ بالفعل: يبدو أن استطلاعات الأعمال قد تجاوزت مرحلة القاع التي سجلتها في الربع الثاني؛ فقد تراجع مؤشر مديري المشتريات للقطاع الخاص غير النفطي في الإمارات إلى 50.8 نقطة في يونيو، مسجلا بذلك أقل قراءة لشهر يونيو منذ أكثر من خمس سنوات، في ظل التحديات التي واجهت الشركات جراء تراجع الطلب السياحي وتأجيل قرارات الإنفاق وارتفاع التكاليف. وتُظهر أحدث بيانات الناتج المحلي الإجمالي كيف أدت هذه الضغوط إلى انكماش الاقتصاد عموما خلال الربع الثاني، رغم استقرار مؤشر مديري المشتريات بالكاد داخل نطاق النمو.
لكن التعافي ليس مكتمل الأركان؛ إذ رفعت الشركات أسعار البيع بأسرع معدل لها منذ أكثر من 15 عاما في سبتمبر الماضي، بسبب ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج والشحن، في حين يظل التفاؤل بشأن آفاق الأعمال مشوبا بالحذر. كما تتوقع وكالة ستاندرد آند بورز غلوبال استمرار المخاطر على القطاع الخاص غير النفطي في ظل الصعوبات التي تواجهها الشركات لمواصلة الاستعانة بما لديها من مخزونات دون تقليص هوامش أرباحها، وذلك نظرا إلى اعتمادها على مستلزمات الإنتاج المستوردة والأسواق الخارجية، وفقا لموقع اقتصاد الشرق. ومع ذلك، لا تتوقع وكالة التصنيف الائتماني أن ينكمش الاقتصاد الإماراتي على مدار العام بأكمله، مستندة في ذلك إلى قاعدته الاقتصادية المتنوعة.
الصورة الأشمل- منطقة الخليج تواجه مشكلة أكبر: يتوقع البنك الدولي أن تنكمش اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي بنسبة 4.3% خلال العام الجاري، متراجعا بذلك عن توقعاته السابقة التي رجحت نمو تلك الاقتصادات، وذلك في ظل ما تسببه الحرب من اضطرابات في إنتاج وتصدير الطاقة. ويرى البنك أن الاقتصاد الإماراتي سينكمش بنسبة 1.6% هذا العام، كما أشرنا يوم الجمعة. صحيح أن خط أنابيب حبشان - الفجيرة يتيح للإمارات متنفسا لتجاوز مضيق هرمز، لكن ذلك لا يحمي قطاعات السياحة والنقل والتجارة من التداعيات الأوسع لتلك الاضطرابات.