Posted inتوظيف

هل يتحمل الذكاء الاصطناعي مسؤولية الجمود الحالي في التوظيف؟

مع الاعتماد المتزايد على أدوات الأتمتة لإنجاز مهام العمل الروتينية، أصبح المزيد من أصحاب العمل يفضلون عدم تعويض الموظفين المغادرين

دفع الصراع الإقليمي أصحاب العمل في الإمارات إلى تجميد التوظيف، ومنحهم الذكاء الاصطناعي أسبابا كافية لعدم التراجع عن هذا القرار في أي وقت قريب. فرغم صعود مؤشر مديري المشتريات الرئيسي إلى 55.3 نقطة في أغسطس، وهو أعلى مستوى له منذ ديسمبر 2024، تراجعت معدلات التوظيف في القطاع الخاص للمرة الثانية خلال 3 أشهر.

تغير في النهج: في أعقاب حالة الحذر المرتبطة بالصراع والاعتماد المتزايد على أدوات الأتمتة لإنجاز مهام العمل الروتينية، أصبح المزيد من أصحاب العمل يفضلون عدم تعويض الموظفين المغادرين، مما قطع فعليا الصلة بين نمو الإيرادات وزيادة عدد الموظفين.

تذكر: تهاوى نشاط التوظيف في الإمارات بنسبة 4% على أساس ربع سنوي في الربع الثاني من عام 2026، ليكون ذلك أكبر تراجع لمستويات التوظيف منذ أغسطس 2020. وحينها، أوضح محللون لإنتربرايز أن صدمة الثقة الناجمة عن الصراع كانت مساهما رئيسيا في تراجع التوظيف.

صار العملاء "يعينون عددا أقل من الموظفين، مع التركيز على الكفاءات القيادية"، حسبما أخبرنا رامي نعيم، الرئيس التنفيذي لشركة غيلدهول. ومنذ أواخر فبراير، جمد الصراع قرارات التوظيف، وانعكس هذا التأثير على فواتير الشركة المتخصصة في البحث عن الكوادر التنفيذية خلال الربع الثالث؛ إذ انخفضت أحجام التوظيف بأكثر من 50% على أساس ربع سنوي، بينما ارتفعت قيمة الرسوم بنسبة 16%.

السبب هو الصراع، وليس الذكاء الاصطناعي: في تعليقه لنشرة إنتربرايز الصباحية، قال تريفور مورفي، الرئيس التنفيذي لشركة كوبر فيتش، إن "انخفاض أعداد التوظيف كان مدفوعا بالكامل بالصراع، وليس بالذكاء الاصطناعي". وأوضح أن الذكاء الاصطناعي يساعد فقط في تحسين الكفاءات الفردية، وليس مهيئا في الوقت الحالي لإدارة العمليات بالكامل دون تدخل بشري. وكانت الشركات توظف ما بين 1.7 و1.8 شخص مقابل كل موظف يغادر قبل اندلاع الصراع، لكن هذه النسبة أصبحت أقرب إلى شخص واحد مقابل كل مغادر، وفقا لما قاله طلال بياع، الرئيس التنفيذي لمنصة بيزات لأتمتة الموارد البشرية والشؤون المالية.

ويقول بياع إن الشركات "منحت الكثير من الإجازات غير مدفوعة الأجر؛ ولذلك لم نرَ حتى اليوم أي عمليات تسريح جماعية للعمالة". وهناك درس مستفاد من مرحلة ما بعد الجائحة في هذا الصدد؛ فقد وجدت الشركات أن إعادة التوظيف "عملية شاقة جدا ومكلفة للغاية، لذلك تفضل منح الموظف إجازة غير مدفوعة الأجر حتى تجاوز الأزمة".

أما الوظائف المتعلقة بالذكاء الاصطناعي فالوضع فيها مختلف؛ إذ تعتبر الإمارات من بين أسرع أسواق مواهب الذكاء الاصطناعي نموا في العالم، فتضاعفت إعلانات الوظائف المرتبطة بهذا المجال 3 مرات لترتفع من 1% في 2021 إلى 3.2% في 2025، وفقا لشركة "بي دبليو سي". وفي الوقت نفسه، انخفضت نسبة المؤسسات التي تتوقع تقليص الوظائف بسبب الذكاء الاصطناعي من 34% في 2026 إلى 13% في 2027، وفقا لتقرير صادر عن كوبر فيتش (بي دي إف).

وحتى الآن، كانت الوظائف التي تقلصت في الغالب خاصة بالمبتدئين، وشملت تلك التي تركز على جمع المعلومات أو تنسيقها أو نقلها، مثل المحللين المبتدئين والباحثين وكتاب المحتوى والمنسقين، وبعض أدوار العمليات في الخطوط الأمامية، وفقا لما أكده مورفي ونعيم.

لكن الذكاء الاصطناعي سيؤثر في القرارات المستقبلية؛ إذ تتساءل الشركات حاليا عما إذا كان كل عامل يحتاج إلى بديل، بما في ذلك الوافدين الذين غادروا خلال الصراع. ويقول نعيم: "ما لا يفصح عنه العملاء في أغلب الأحيان هو أن أدوار الموظف المبتدئين الذين تؤجل شركاتهم شغلها في الغالب قد انتهت؛ إذ تُدمج تلك الأدوار في مهام الموظفين الحاليين إلى جانب الاستعانة بأدوات الذكاء الاصطناعي".

وعندما عجزت الشركات عن التوظيف، وجد الكثير منها أن بإمكانه الاعتماد على الأتمتة. والنسبة لشركة مثل نواة كابيتال، تمثل هذا في العمليات الإدارية والمساعدة الخاصة بالمستثمرين، مثل استبيانات الفحوص النافية للجهالة وأعمال التوثيق، والتي عادة ما تكون مهام متكررة وقائمة على قواعد ثابتة. ويقول أرناف دانثي، الشريك في نواة كابيتال: "قاعدتنا هي أتمتة المهام التي تكون فيها تكلفة خطأ الذكاء الاصطناعي رخيصة، والاحتفاظ بالعنصر البشري في المهام التي يكون فيها الخطأ باهظ التكلفة". كما عزز الذكاء الاصطناعي من مستوى التصميم والإنتاج في منصة إنهانس للتدريبات الشخصية واللياقة البدنية، بحسب ما قاله الرئيس التنفيذي طارق منير لنشرة إنتربرايز. فالمنصة تحلل بيانات سلوكية واسعة النطاق لرصد أنماط تفاعل العملاء، بالإضافة إلى أتمتة الأعمال الإدارية للمدربين.

أما بالنسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة، فيوفر الذكاء الاصطناعي طريقا للنمو دون إضافة أي أعباء. إذ تبلغ حصة هذه الشركات نحو 59% من إنفاق الشركات الإماراتية على الذكاء الاصطناعي، مع إعطاء الأولوية لأتمتة المبيعات، ومتابعة العملاء المحتملين، والعمليات والإدارة، يليها قطاعا الشؤون المالية والفوترة مع دخول متطلبات الفوترة الإلكترونية حيز التنفيذ، وفقا لليزا نايت، الرئيسة التنفيذية لشركة بينة إيه آي سوليوشنز. وأضافت: "في ظل صغر الميزانيات، يرغب المالكون في توجيه الرواتب للموظفين الذين يدرون الأرباح أو يخدمون العملاء".

السلم الوظيفي سيعاني قريبا: رغم أن تأثير الأتمتة على توظيف الكوادر التنفيذية العليا محدود للغاية، فإن الذكاء الاصطناعي "يقضي على المهام الأساسية المتكررة للمبتدئين، والتي تساعد الخريجين الشباب على تطوير التفكير النقدي اللازم لتقييم مخرجات الذكاء الاصطناعي"، حسبما يرى مورفي. وعلى مستوى الوظائف المبتدئة والمتوسطة، صارت الشركات تتوقع نفس المخرجات من عدد أقل من الموظفين.

قيمة أعلى للحكم البشري: أوضح نعيم أن "العملاء توقفوا عن الدفع مقابل الكم وبدأوا في الدفع مقابل القدرة على التقييم". وهو وضع مماثل في شركة إنهانس، إذ أخبرنا منير: "نحن نولي أهمية متزايدة للتفكير النقدي، والذكاء العاطفي، والقدرة على تفسير الرؤى لبناء علاقات أقوى".

لكن الذكاء الاصطناعي لا يحقق نفس النتائج بالنسبة لجميع الشركات في هذا الصدد. فبعض أصحاب الأعمال يدمجون مهارات الذكاء الاصطناعي والأتمتة في الوظائف الحالية. وفي منصة بيزات، أصبح الموظفون الذين تركز عملهم سابقا على إدخال البيانات المالية يديرون حاليا وكلاء الذكاء الاصطناعي لتقييم مخرجاتهم.

أما بالنسبة للآخرين، فينصب التركيز على العمل جنبا إلى جنب مع الآلة. فيقول أرناف من شركة نواة إن شركته الاستثمارية لم تلغِ أي أدوار وظيفية كانت تخطط لها؛ بل رفع الذكاء الاصطناعي بدلا من ذلك حجم العمل الذي يمكن لفريقها الحالي التعامل معه. وبالمثل، تقول إنهانس إن الذكاء الاصطناعي يسمح لقوتها العاملة باستيعاب أحجام أكبر من العمل دون تقليل التزامها بالتوظيف.

السؤال الحاسم هنا يتعلق بما سيحدث عند العودة إلى التوظيف بعد انتهاء الصراع. فيتوقع نعيم أن "التوظيف في مناصب دائمة بالمستويات القيادية يتعافى بأسرع وتيرة، إذ يرغب العملاء في تعيين قادة ملتزمين في مناصبهم قبل الربع الأول من عام 2027"، مضيفا أن المناصب المبتدئة والمتوسطة التي تعتمد على العمليات بكثافة لا تزال تحت الضغط. وقد انخفضت توقعات تقلص الوظائف بسبب الذكاء الاصطناعي بشكل حاد، حتى مع استمرار المؤسسات في استكشاف دمج الأدوار الوظيفية، وفقا لمورفي.

ويحذر بياع أيضا من إرجاع جزء كبير من مشهد التوظيف الحالي إلى الذكاء الاصطناعي؛ إذ لا تستخدم سوى أقلية صغيرة من الشركات الذكاء الاصطناعي في عملياتها اليومية بموجب استراتيجية محددة تشمل الشركة بأكملها.

وهذا يضع سوق العمل في الإمارات في مرحلة حرجة. فقد يفسر الصراع سبب إحجام الشركات عن التوظيف اليوم، لكن الذكاء الاصطناعي ربما يحدد عدد الأشخاص الذين ستحتاج إليهم الشركات عندما تستأنف التوظيف. أو كما عبر نعيم: "لقد كلف الصراع السوق نحو ربعين من العام. أما الذكاء الاصطناعي فسيغير شكل الفرق للسنوات العشر القادمة".