Posted inالخبر الأبرز اليوم

المستثمرون الإماراتيون مستعدون لاستثمار المليارات في سوريا.. لكن عوائقها لم تختفي بعد

حذر محللون من أن هناك عقبات تتمثل في المقاولين وإمدادات الطاقة والقدرات التمويلية والإمكانات الإدارية اللازمة

أبدى المستثمرون الإماراتيون استعدادهم لاستثمار مليارات الدولارات في سوريا، لكنها قد لا تملك الإمكانات اللازمة لتنفيذ أكثر من مشروع أو مشروعين عملاقين في الوقت ذاته. إذ علق محللون لنشرة إنتربرايز الصباحية بأن العائق الأكبر على المدى القريب لم يعد شهية المستثمرين، وإنما القدرة على التنفيذ؛ فسوريا ما زالت تفتقر إلى العدد الكافي من المقاولين، وإمدادات الطاقة الموثوقة، والقدرات التمويلية، والإمكانات الإدارية اللازمة للتعامل مع عدة مشاريع تطوير ضخمة في نفس الوقت.

يرى المحللون أن المنظومة في سوريا "يمكن لها أن تستوعب تنفيذ مشروع رئيسي أو مشروعين فقط في الوقت ذاته"، حسبما قال بنجامين فيف، المستشار الأول في كرم شعار للاستشارات، مضيفا أن الكثير من المشروعات قيد التنفيذ حاليا لا تزال في مرحلة الإعلانات ومذكرات التفاهم والاتفاقيات الإطارية، ولم تستكمل مرحلة الإغلاق المالي أو يبدأ العمل فيها على أرض الواقع؛ وهو ما يعني أن سوريا لم تُختبر بعد من حيث قدرتها على استيعاب عدة مشاريع تطويرية ضخمة في وقت واحد

لكن الاستثمارات الإماراتية المرتقبة هناك مستمرة في الزيادة:

  • أبرمت شركة أراد اتفاقية بقيمة 7 مليارات دولار هذا الشهر لتطوير مشروعها دمشق الجديدة على مساحة 4 ملايين متر مربع.
  • يخطط محمد العبار لاستثمار ما يصل إلى 18 مليار دولار من خلال شركة إيغل هيلز الواقع مقرها في أبوظبي، وذلك لتنفيذ مشاريع في دمشق واللاذقية.
  • تتابع مجموعة ماجد الفطيم السوق السورية عن كثب.
  • كانت شركة روتانا لإدارة الفنادق بأبوظبي تتفاوض بالفعل مع مطورين سوريين بشأن مشاريع محتملة العام الماضي، وتدرس الشركة العودة حاليا بعد غياب دام قرابة 12 عاما، وتقيم ما بين فرصتين وثلاث فرص بالدولة، وفقا لصحيفة البيان.

ويحظى هذا التوجه بدعم حكومي: التقى رئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد والرئيس السوري أحمد الشرع عدة مرات منذ تولي الشرع منصبه العام الماضي، وكان أحدثها هذا الأسبوع، في ظل مساعي سوريا لإعادة بناء علاقاتها مع دول الخليج والسعي لجذب الاستثمارات.

ولا يقتصر هذا الدعم على الإمارات؛ إذ تعهدت السعودية باستثمار مليارات الدولارات في سوريا، بقطاعات اللوجستيات والبنية التحتية والطاقة ومشروعات التطوير العقاري.

ما الفائدة المأمولة للمستثمرين الإماراتيين؟

المطورون الإماراتيون لديهم خبرة في المناطق ذات البنى التحتية الضعيفة: يمتلك كبار المطورين الخليجيين "سجلا حافلا" في تسليم المجتمعات المتكاملة التي تضم شبكات طرق وكهرباء ومياه وصرف صحي خاصة بها، حسبما أوضح أوليفر كورنوك، رئيس التحرير العالمي لمجموعة أكسفورد للأعمال، في تعليقات لنشرة إنتربرايز الصباحية. وأضاف كورنوك أن "نقل هذه التجربة إلى سوريا يعني أن مشروعات مثل تلك التي أعلنتها أراد وإيغل هيلز يمكنها المضي قدما وفق جدولها الزمني الخاص، بدلا من أن تظل رهينة لتحديثات الشبكة الوطنية".

وحتى على الصعيد اللوجستي: يقول كورنوك إن موانئ دبي العالمية و"سي إم إيه سي جي إم" بدأتا تستحوذان بالفعل على حصص مباشرة في الموانئ "بدلا من انتظار تطور الخدمات اللوجستية الحكومية". وتنفذ موانئ دبي العالمية بالفعل مشروعها لتطوير ميناء طرطوس بقيمة 800 مليون دولار، في حين وافقت مجموعة موانئ أبوظبي على الاستحواذ على حصة 20% في محطة حاويات اللاذقية الدولية، وأعدت الشركة الوطنية للاستثمار بأبوظبي خطة لمشروع مترو دمشق بقيمة ملياري دولار. وهذه المشاريع مجتمعة قد بدأت في معالجة الاختناقات اللوجستية ومشكلات النقل التي ستعتمد عليها مشاريع التطوير الأكبر.

وتقدم مصر سابقة في هذا الصدد من أحد الجوانب؛ إذ تجمع مشاريع مراسي التابعة للعبار بين المنازل والفنادق ومتاجر التجزئة والمراسي والمدارس والمستشفيات والمرافق الترفيهية ضمن وجهات متكاملة كبيرة، بينما يمتلك كبار مطوري الساحل الشمالي القدرة بالفعل على توفير البنية التحتية للكهرباء والمياه والصرف الصحي بأنفسهم عندما تتأخر الشبكات العامة. بيد أن مصر بخلاف سوريا لديها نظام مصرفي فعال، ولم تخرج لتوها من عقود من الحرب والعقوبات.

ومع ذلك، فإن تلك الآلية قد تسمح للمشاريع الإماراتية بالمضي قدما دون انتظار إصلاح البنية التحتية في سوريا كاملة. ويوضح كورنوك أنه يمكن للمطورين تولي أعمال البنية التحتية بأنفهم، وجلب شركات أجنبية في مجالات الهندسة والمشتريات والبناء، إلى جانب المواد والعمالة المتخصصة والتمويل، بدلا من الاعتماد كليا على سلاسل التوريد المحلية الضعيفة.

لكن هذا سيعني ارتفاع النفقات الأولية، إلى جانب احتمالية أن تنجح المشاريع في تجاوز القيود بسوريا دون تقوية منظومة البناء المحلية، بحسب ما يراه فيف. وأضاف أن المشاريع المدعومة من الخارج عادة ما تأتي بالفعل ومعها شركات مقاولات خاصة بها والدعم المصرفي اللازم، لكن هذا في رأيه "يستثني الاقتصاد المحلي. وبالتالي لن تتحسن قدرته الاستيعابية، بل ستتعرض للتجاوز".

ويؤكد المطورون أن السوريين من المفترض أن يكونوا جزءا من النموذج، وليسوا مجرد متفرجين؛ فقد صرح العبار بأن السوريين سيمتلكون حصة الأغلبية في الشركة التي ستؤول إليها في النهاية ملكية مشروعي "إيغل هيلز"، إلى جانب الحكومة السورية والمستثمرين الخليجيين، وفقا لتغطيتنا السابقة. وبالمثل، أكدت شركة أراد أن مشروع دمشق الجديدة يهدف إلى خلق فرص عمل، وتطوير المهارات المحلية، ودعم الشركات السورية.

وهذا يجعل الاختبار الحقيقي متمثلا في مدى استمرار المشاركة المحلية في مرحلة التنفيذ، فإذا كان يتعين جلب التمويل والمقاولين والعمالة المتخصصة والمدخلات الرئيسية من الخارج، فإن السؤال يصبح إلى أي مدى ستنمي هذه الطفرة في الاستثمارات قدرات سوريا الإنشائية.

ما الذي تفعله سوريا وما تحتاجه للحاق بالركب

أسست سوريا أو أعادت تفعيل هيئات للاستثمار وصناديق سيادية وهيئات للتنمية والسياسات الاقتصادية، في محاولة لتنمية قدرتها الاستيعابية، كما يوضح كورنوك. ومع ذلك "فمن المفهوم أن القدرات المؤسسية لا تزال تحاول اللحاق بالركب".

أدى تخفيف العقوبات وإتاحة وصول الدولة إلى نظام سويفت من جديد إلى تحسين ترابط النظام المصرفي، كما أفادت سابقا نشرة إنتربرايز الشرق الأوسط الصباحية، غير أن البنوك لا تزال حذرة في التعامل مع النظام المصرفي السوري، كما أن الرقابة المستمرة من جانب مجموعة العمل المالي ما زالت تتسبب في تعقيدات تتعلق بالامتثال. ورغم ذلك، تشكل وزارة المالية السورية لجنة تضم جهات مختلفة، لقيادة الجهود الرامية إلى شطب البلاد من القائمة الرمادية لمكافحة عمليات غسل الأموال، وتترقب خضوع البلاد لمراجعة في أكتوبر.

وفي ظل الوضع الحالي، قد لا تستطيع البنوك المحلية إقراض كل مقاول سوى 5 ملايين دولار بحد أقصى، مع أن المشروعات يمكن أن تصل فيها متطلبات الضمان وحدها إلى 10-15 مليون دولار، وفقا لكورنوك.

وحتى المشروعات الممولة ما زال يتعين عليها اختيار المواقع، لكن ملكية الأراضي وتقييماتها ما زالت موضع خلاف بعد سنوات من النزوح، كما أن بعض المواقع لا تزال بحاجة إلى إزالة الألغام. ويشير فيف إلى عقبات أخرى لم تحل تتعلق بتوفر سندات ملكية الأراضي والتراخيص وعدم شفافية عمليات طرح العطاءات. وبالنسبة لكورنوك فإن هذا يسهم في دفع المستثمرين نحو الشركاء السياديين والامتيازات والتسليم على مراحل، بدلا من افتراض سلاسة الوضع من الاتفاق حتى بدء أعمال البناء.

وربما تكون الكهرباء هي العائق المادي الأكثر إلحاحا، إذ يرى فيف أن "المشروعات ذات الأحجام المماثلة لا يمكنها أن تعتمد على شبكة توفر الكهرباء لبضع ساعات يوميا". ويقدر كورنوك حجم التوليد الحالي بحوالي 1.6 غيغاوات، مقابل نحو 9.5 غيغاوات قبل عام 2011، ويشير إلى أن التوليد وحده لن يحل المشكلة إذا لم تتمكن شبكات النقل والمحطات الفرعية وعمليات إدارة الشبكة من مواكبة التطور.

ويعاني أيضا قطاع المقاولين والعمال المهرة من نقص مماثل. فقد أدت سنوات النزوح الطويلة إلى تقليص قاعدة سوريا من المهندسين ومديري المشاريع وعمال اللحام وغيرهم من أصحاب الحرف المتخصصة، كما أن الرواتب المحلية تعجز عن منافسة الأجور في دول الخليج، وفقا لفيف. وهناك عدد قليل من المقاولين السوريين الذين سلموا مؤخرا مشاريع تقترب من الأحجام المقترحة في تلك الاستثمارات المرتقبة، مما يجعل من الصعب تجنب جلب القدرات التنفيذية من الخارج.

أما بالنسبة للموارد التي يلزم توفيرها محليا فقد تزداد تكلفتها سريعا؛ فكل هذه المشاريع العملاقة ستتنافس على الوقود والأسمنت والعملة الأجنبية والعمالة الماهرة. ويوضح فيف أن المشاريع الكبيرة المدعومة من الخارج سيمكنها عرض أسعار أكبر من الشركات السورية، ما قد يرفع الأجور وتكاليف الإنتاج بالنسبة للمصنعين وشركات البناء المحلية.

ماذا بعد؟

يؤكد كورنوك أن الاختبار الرئيسي خلال العام المقبل يتمثل في مدى تحول خطط المشاريع المعلنة إلى عقود ممولة وأعمال حقيقية. وقد بدأت قطاعات المطارات والموانئ والكهرباء والمياه تظهر بعض التحركات المبكرة بالفعل، لكن التحدي يكمن في تكرار ذلك بالقطاعات الأخرى.

ويرى فيف أن تقييم الوضع يعتمد على عدد مذكرات التفاهم التي ستستكمل مرحلة الإغلاق المالي ويبدأ العمل فيها بالمواقع؛ وكمية الكهرباء الناتجة من المحطات التي ستخضع للتشغيل فعليا؛ وما إن كانت الحكومة ستوفر نظام عطاءات يتسم بالشفافية؛ وما إذا كان المقاولون والبنوك والشركات الصناعية السورية ستبدأ في الحصول على حصة مجدية من الأعمال. وستبين هذه المعايير ما إذا كان رأس المال الإماراتي قد وجد نظاما قادرا على التنفيذ حقا على نطاق واسع، أم أن المستثمرين قد صاروا ببساطة أكثر مهارة في البناء رغم القيود.