Posted inتحت الأضواء

قطاع الخدمات المصرفية الخاصة بالمشرق يرى أن مخاوف نزوح الثروات من الإمارات مبالغ فيها.. ويراهن على لحظة انتقال الثروات فيما بين الأجيال

يرى كابور أن سمعة الإمارات كملاذ آمن ليست هشة كما توحي عناوين الأخبار، وأن الاختبار الحقيقي يتمثل في انتقال الثروات وليس التوترات الجيوسياسية

يتجه بنك المشرق هذا العام نحو تسجيل أقوى أداء له في قطاع الخدمات المصرفية الخاصة خلال السنوات الخمس الماضية، وفقا لما صرح به فيبول كابور، رئيس الخدمات المصرفية الخاصة بالبنك، وذلك رغم المخاوف السابقة بشأن مغادرة الأثرياء للإمارات مع تأثر سمعة البلاد كملاذ آمن بسبب التوترات الجيوسياسية. وبدافع من الثقة في آفاق الأعمال ومسار النمو، وسع البنك فريق الخدمات المصرفية الخاصة لديه بنسبة 30% هذا العام، ليعين متخصصين في الاستثمار ومديري علاقات لتلبية الطلب المتزايد من العملاء.

ما هو تحليل كابور للمشهد؟ يرى كابور أنه لا يمكن بسهولة "نقض" ما تحقق في السنوات الماضية من جذب للأثرياء بالتأشيرات الذهبية، ومن تطور للمنتجات، إلى جانب الأطر التنظيمية التي صممت لتناسب أصحاب الثروات طويلة الأجل. وأشار إلى أن مراكز الثروات الراسخة الأخرى مثل سنغافورة ولندن وزيورخ واجهت اضطرابات في مناطقها وتجاوزتها، وأن الاختبار الحالي الذي تمر به الإمارات يبدو أقرب إلى تلك الاضطرابات وليس صدمة نظامية.

وأضاف كابور أن العائلات التي أسست مكاتب عائلية في الإمارات تدير صناديق ائتمانية ومؤسسات لآجال تتراوح من 20 إلى 100 عام، وليس لعامين أو ثلاثة أعوام. وقد اتخذت هذه العائلات قرار الانتقال إلى هنا لعدة أسباب، ويوضح ذلك قائلا: "إنهم يبحثون عن مكان يتمتع باللوائح المناسبة، وبه بنية تحتية قوية، وله طابع عالمي. ولا يمكن إنكار حقيقة أن الإمارات لا تزال مركزا معفى من الضرائب، ومكانا يسهل العيش فيه، ويتمتع ببنية تحتية رائعة، ويحقق نموا مستمرا".

كما لعبت تغييرات اللوائح التنظيمية دورا كبيرا في جذب الأفراد. فوفقا لكابور، تلك التدابير والتغييرات التنظيمية — مثل القانون الإماراتي الذي صار يتيح لغير المسلمين تحديد وصاياهم وودائعهم، في تحول ملحوظ عن النظام السابق الذي كان يطبق الشريعة الإسلامية على الجميع تلقائيا حتى وقت قريب — توفر ركيزة قوية لتلك العائلات، وتحسن الآفاق المستقبلية لثرواتها. وإلى جانب أطر القانون العام المعمول بها في مركز دبي المالي العالمي وسوق أبوظبي العالمي، تحول تلك اللوائح الإمارات إلى وجهة استثمارية يمكن فيها التخطيط لإدارة رؤوس الأموال طويلة الأجل.

ويوضح كابور أن الإمارات أصبحت بالفعل واحدة من عدة أسواق رئيسية تسعى العائلات إلى تغطيتها في محافظها الاستثمارية متعددة المناطق. وهذا هو الفارق ذاته الذي أشارت إليه شركة هينلي آند بارتنرز خلال حديثنا معها في أبريل الماضي، بين العائلات التي تحاول زيادة خيارات الإقامة المتاحة وتلك التي تعيد نقل ثرواتها بالفعل. إذ كشف لنا الخبراء آنذاك أن من يدرسون خيارات الإقامة الأخرى يهدفون بذلك غالبا إلى التحوط وتنويع محافظهم، وليس اتخاذ قرار بالرحيل عن المنطقة.

وعلاوة على ذلك، ليس كل من يتعامل مع البنوك في الإمارات يعيش فيها بالضرورة. فنحو 40% من قاعدة عملاء الخدمات المصرفية الخاصة ببنك المشرق لا يقيمون في الإمارات على الإطلاق، بل يعتبرونها بمثابة وطن ثان لهم، على حد تعبير كابور، نظرا لزياراتهم المتكررة وممارسة أعمالهم فيها.

وهنا يأتي دور استراتيجية الممرات التي ينتهجها بنك المشرق؛ إذ أسس البنك فرقا للخدمات المصرفية الخاصة ضمن شبكة قطاع الخدمات المصرفية للشركات التابعة له في أماكن مثل هونغ كونغ والمملكة المتحدة وقطر ومصر. وتعد أفريقيا ممرا مهما آخر، فرغم عدم امتلاك البنك فروع هناك، يخدم المشرق من لديهم إقامات أو مصالح تجارية في الإمارات. وهذا يعني أن قاعدة عملائه عالمية ولا تقتصر على المقيمين في الإمارات.

كما أن هوية المشرق كبنك محلي تمنحه ميزة تنافسية حقيقية أمام المنافسين الدوليين. ويوضح ذلك كابور قائلا: "نحن محظوظون لأننا كبنك خاص محلي ليست لدينا فقط القدرة على إتاحة صناديق الاستثمار المشتركة القياسية والسندات والتفويضات التقديرية، وإنما يمكننا أيضا السماح للعملاء بتداول الأسهم المحلية، والاستثمار في الصكوك المحلية، وحتى العقارات".

ومع جذب الإمارات لمزيد من أصحاب الثروات على اختلاف مستوياتها، بدأ هؤلاء في طلب مجموعة أكثر تنوعا وأطول أجلا من المنتجات. ويفسر كابور ذلك قائلا: "يزيد الأفراد من مخصصاتهم في مجالات مثل المحافظ التقديرية والأسواق الخاصة، وطروحات ما قبل الاكتتاب العام، وهذا لم يكن يحدث سابقا". ولهذا السبب، عقد المشرق شراكة مع غولدمان ساكس لإدارة الأصول العام الماضي لتقديم خدمات المحافظ التقديرية، وهي مبادرة حققت "نجاحا كبيرا"، وفقا لكابور.

الموجة التالية من الطلب

يرى كابور أن موجة الطلب التالية ستأتي من الثروات المتوقع انتقالها فيما بين الأجيال خلال العقد المقبل، والتي تتراوح قيمتها بين 5 و10 تريليونات دولار (باستثناء الولايات المتحدة)، وتمتلك الإمارات حصتها الخاصة من هذه الثروات المنتظرة. ويشير كابور إلى أن الرقم الذي ينبغي أن يثير قلق كل البنوك الخاصة هو معدل استبدال المستشارين مع انتقال تلك الثروات، ويقول عن ذلك: "تشير التقديرات إلى أنه في كل مرة تنتقل فيها الثروة من الجيل الأقدم إلى الأجيال الجديدة، تغير تلك الأجيال مستشاريها في حوالي 80-90% من الحالات".

ويمثل هذا خطرا على البنوك فيما يتعلق بالاحتفاظ بعملائها الحاليين، وفي الوقت نفسه يعد فرصة للاستحواذ على عملاء البنوك الأخرى. ويستعد المشرق لهذا الواقع الجديد من خلال تنويع منتجاته، بإضافة منتجات مثل تداول الأسهم وإدارة العملات المشفرة إلى مجموعة منتجاته التي كانت محافظة إلى حد ما. كما يعمل على بناء حلول رقمية تتيح للأجيال الأكثر إلماما بالتكنولوجيا من مديري الثروات الاطلاع على معلوماتهم على الفور، إلى جانب إقامة علاقة شاملة تغطي قطاعات الثروات والشركات والخدمات المصرفية للأفراد بدلا من إدارة الثروات فحسب؛ نظرا لأن الورثة الأصغر سنا الذين يرثون الشركات يبحثون بشكل متزايد عن الدعم في جمع رؤوس الأموال والاتفاقيات المهيكلة، وليس فقط إدارة المحافظ.

وبدأ البنك بالفعل في الاستعانة بأدوات الذكاء الاصطناعي لاستهداف الجيل الأصغر، إذ يدمج معلومات العملاء وبياناتهم السلوكية مع بيانات السوق شبه اللحظية، لتطوير ما يصفه كابور بوكلاء الذكاء الاصطناعي المخصصين لكل عميل على حدة، ليتوقف بذلك البنك عن الاعتماد على المذكرات البحثية الموحدة التي اعتمدت عليها البنوك الخاصة لعقود. ويخضع هذا النظام حاليا لاختبارات تجريبية داخلية على مستوى "أصدقاء الموظفين وعائلاتهم"، ومن المتوقع طرح أولى حالات الاستخدام الموجهة للعملاء في وقت لاحق من العام الجاري. ويأتي هذا جنبا إلى جنب مع تطبيق إدارة الثروات الخاص بالبنك، والذي يواصل تطويره باستمرار.

والأهم من ذلك أن كابور لا يعتبر وكلاء الذكاء الاصطناعي بديلا عن مديري العلاقات، بل يرى أنهم أدوات تُمكّن أولئك المديرين من أداء عملهم بالسرعة التي صار العملاء يتوقعونها. وبهذا فإن نموذج المشرق يقوم على نهج هجين؛ إذ يطلع مديرو العلاقات على نشاط العملاء على تطبيق إدارة الثروات مباشرة، وبالتالي لا يضطر العميل إلى إعادة شرح المنتج الذي بحث عنه على التطبيق في المكالمات الهاتفية. يقلل هذا من الوقت المستغرق، ويبسط المحادثات، ويجعل العميل أكثر دراية.