هدأ زخم سوق العقارات في أبوظبي خلال الربع الثاني من العام؛ إذ سجلت القيم الرأسمالية ارتفاعا هامشيا بلغ 2.1% على أساس فصلي في تلك الفترة، وهي أبطأ وتيرة نمو فصلية منذ عامين، في حين استقر النمو السنوي عند مستوى قوي بلغ 17.8%، وفقا لأحدث تقرير ربع سنوي صادر عن شركة فاليوسترات (بي دي إف). وفي غضون ذلك، تراجعت القيمة الإجمالية للمعاملات بنسبة 25.1% على أساس ربع سنوي مقارنة بالمستوى القياسي المسجل في الربع الأول، لتصل إلى 46.6 مليار درهم، رغم أن هذا المستوى ما زال يشكل قفزة بنسبة 81.7% على أساس سنوي.
وشهد النشاط العقاري تباطؤا في مايو متأثرا بالتوترات الجيوسياسية الإقليمية، مما فرض ضغوطا على مبيعات العقارات على المخطط ومعاملات الرهن العقاري، حسبما ذكرت شركة "إي إف جي هيرميس" في مذكرة بحثية اطلعت عليها إنتربرايز.
يعكس هذا التباطؤ دخول السوق مرحلة أكثر نضجا وليس تعرضه لضغوط. إذ قال حيدر طعيمة، العضو المنتدب ورئيس قسم الأبحاث العقارية في شركة فاليوسترات، لإنتربرايز إن "العاصمة لا تزال في مرحلة مبكرة من دورتها العقارية مقارنة بدبي"، مشيرا إلى أن الأسعار المنخفضة نسبيا تواصل دعم الطلب من جانب المستخدمين النهائيين.
تحديات القدرة على تحمل التكاليف باتت تشكل عائقا: ويضيف طعيمة: "يرجع تباطؤ نمو الأسعار على الأرجح إلى ظهور تحديات تتعلق بالقدرة الشرائية، لا سيما وأن الطلب المحلي هو المحرك الأساسي لسوق العقارات السكنية في أبوظبي، سواء لشراء وحدات للسكن أو لأغراض الاستثمار من المواطنين أو الوافدين".
الشقق السكنية تقود قاطرة النمو: ارتفع مؤشر فاليوسترات لأسعار الشقق السكنية بنسبة 24.1% على أساس سنوي، وهو ما يتجاوز ضعف الزيادة المسجلة في أسعار الفيلات البالغة 12%، مدفوعا بطلب المستخدمين النهائيين على المناطق السكنية التي تجمع بين الأسعار المناسبة والمواقع المميزة مثل جزيرة الريم، إلى جانب استمرار الطلب القوي في المناطق الفاخرة مثل جزيرة السعديات. وأشار طعيمة إلى أن أبوظبي بدأت تشهد تكرار الدورة السابقة لسوق دبي، حيث دفعت ضغوط القدرة على تحمل التكاليف الطلب تدريجيا ليتحول من الفيلات نحو الشقق السكنية في المجتمعات القائمة.
ويتركز التباطؤ في الطروحات الجديدة لا في حجم الطلب؛ إذ تعزو "إي إف جي هيرميس" انخفاض مبيعات السوق الأولية بنسبة 27% على أساس فصلي إلى إرجاء المطورين لطرح مشروعات جديدة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية. ومع ذلك، قفزت قيمة مبيعات العقارات قيد الإنشاء إجمالا بنسبة 227% على أساس سنوي لتبلغ 27.1 مليار درهم، رغم تراجعها بنسبة 23% على أساس ربع سنوي. كما تواصل العقارات قيد الإنشاء هيمنتها على السوق من حيث عدد الصفقات أيضا؛ إذ مثلت 84% من إجمالي المعاملات السكنية في الربع الثاني، وفقا لبيانات فاليوسترات، بينما تراجعت أحجام صفقات الوحدات الجاهزة بنسبة 28.3% على أساس سنوي، ما يشير إلى أن ثقة المشترين لا تزال قوية حتى الآن. ولفت طعيمة إلى أن العديد من تسجيلات العقارات قيد الإنشاء ترتبط على الأرجح بصفقات جرى الاتفاق عليها قبل تصاعد التوترات الإقليمية.
تراجع حصة الرهون العقارية من إجمالي السوق: ارتفعت المعاملات الممولة بالرهن العقاري بنسبة 7% على أساس سنوي، لكنها انخفضت بنسبة 12% على أساس ربع سنوي، لتشكل حاليا 16% فقط من إجمالي قيمة المبيعات، انخفاضا من 31% قبل عام، وفقا لـ "إي إف جي هيرميس". وفي المقابل، نمت مبيعات الأراضي بمقدار 1.9 مرة على أساس سنوي، بينما ظلت معاملات المساحات المكتبية محدودة للغاية.
القطاع التجاري يتصدر مكاسب السوق
قفزت إيجارات المكاتب في المناطق الرئيسية بأبوظبي بنسبة 27.3% على أساس سنوي، مع وصول نسبة الإشغال في منطقة الأعمال المركزية إلى 90%، في حين لا يزال ملاك العقارات الصناعية يواجهون ضغوطا جراء النقص في المساحات اللوجستية من الفئة "أ"، وفقا لتقرير فاليوسترات.
السياق: تُبرم عقود الإيجار الجديدة منذ يونيو في ظل سقف مؤقت يمنع رفع القيمة الإيجارية للعقارات السكنية والتجارية والصناعية.
وقال شون سوينبورن، رئيس تقييم العقارات في أبوظبي لدى فاليوسترات، في تصريحات لإنتربرايز، إن "الوحدات الشاغرة من المستبعد أن تمنح المؤجرين فرصة لإعادة تسعير الإيجارات فورا، لأن قرار تجميد الإيجار يُحسب بناء على القيمة المسجلة في آخر عقد إيجار". وأوضح أن سقف منع رفع القيمة الإيجارية يحمي المستأجرين من أي زيادات إضافية، مما يسهم في تخفيف ضغوط القدرة على تحمل التكاليف.
لم يعد الطلب في سوق المكاتب يقتصر على قطاع الطاقة وحده، بل بات يشمل بوتيرة متزايدة قطاعات التمويل، والجهات الحكومية، والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، والخدمات المهنية، والطاقة النظيفة، والتعليم، والرعاية الصحية، بما يتماشى مع أهداف التنويع الاقتصادي الأشمل لأبوظبي، حسبما أضاف سوينبورن.
تذكر: شهد سوق تأجير المكاتب في أبوظبي انكماشا على أساس سنوي أيضا؛ إذ تراجعت معاملات النصف الأول من عام 2026 بنسبة 13%، في حين انخفضت العقود الجديدة بنسبة 15% على أساس سنوي وتراجعت التجديدات بنسبة 8%.
نظرة مستقبلية
من المتوقع أن يركز المطورون مؤقتا على التنفيذ بدلا من التوسع، وفقا لطعيمة، وذلك في ظل ارتفاع تكاليف البناء، واضطرابات الشحن، وتحديات سلاسل التوريد. ومن المرجح أن تهدأ وتيرة الطروحات الجديدة مع إفساح المجال لإحراز تقدم في المشروعات الحالية قيد الإنشاء، وهو ما قد يسهم في الحفاظ على مستويات الأسعار عبر منع زيادة المعروض.
قد يتكرر السيناريو ذاته في دبي، غير أن كبار المطورين هناك لم تهدأ وتيرة نشاطهم بعد بصورة فعلية، صحيح أن الوحدات العقارية المطروحة في الإمارة تراجعت إلى 5,300 وحدة فقط، مقابل 45 ألف وحدة في الربع السابق، إلا أن كبرى الشركات العقارية تواصل المراهنة على المشروعات الضخمة، وفي مقدمتها مشروع إعمار متعدد الاستخدامات بقيمة 200 مليار درهم، ومجمع ماجد الفطيم العقاري العملاق بقيمة 62 مليار درهم. ويعزو المحللون ذلك إلى اعتماد المطورين ذوي الملاءة المالية القوية على تطوير مجمعات سكنية متكاملة ومقسمة إلى مراحل، مما يساعدهم على إدارة مخاطر التسعير والتنفيذ خلال فترات التباطؤ. كذلك تواصل شركة الدار العقارية في أبوظبي طرح مشروعات جديدة خلال الأشهر الأخيرة دون تأثر ملموس، بدءا من مشروع مرسى السعديات بقيمة 100 مليار درهم وصولا إلى توسعة جزيرة ياس بقيمة 6 مليارات درهم.
معدلات التسليم: تم تسليم 18.8% فقط من المعروض السكني المتوقع في أبوظبي خلال عام 2026 بنهاية النصف الأول، بواقع 3.4 ألف وحدة مقابل 18.3 ألف وحدة متوقعة للعام بأكمله، وفقا لشركة فاليوسترات التي أشارت إلى أن التسليمات الفعلية عادة ما تأتي دون التوقعات. وسيكون تأجيل الوحدات المتبقية، البالغ عددها نحو 14,900 وحدة، إلى 2027 من عدمه الاختبار الحقيقي التالي لمعرفة ما إذا كان الطلب على الشقق السكنية ذات الأسعار المعقولة سيظل متفوقا على المعروض.