لم يأت تحول الإمارات إلى مركز عالمي للأصول الرقمية دون ثمن؛ إذ باتت الآن هدفا أكبر للمحتالين والقراصنة. وهذه هي التهديدات ذاتها التي تغذي نمو القطاع في المقام الأول، وهي نفس التهديدات التي أشرنا في وقت سابق من هذا الشهر إلى أنها أثرت على القطاع المالي في الإمارات عموما. وقد أشار جيمي جي من شركة غالاغر إلى التحول ذاته الذي تتحدث عنه مصادر في قطاع العملات المشفرة أدناه، وهو أن المراسلات والاتصالات المولدة بالذكاء الاصطناعي بات من شبه المستحيل تمييزها عن الاتصالات الحقيقة؛ ويتجلى ذلك بأوضح صورة في قطاع العملات المشفرة، لا سيما بسبب سرعة إنجاز معاملاته وطبيعته القائمة على إخفاء الهوية.
من الاختراقات إلى مخاطر غسل الأموال: صرح أوليفر سايكس، الشريك في فريق البلوك تشين والتكنولوجيا والأمن السيبراني لدى "بي دبليو سي الشرق الأوسط"، في تصريحات لنشرة إنتربرايز، بأن التهديدات الأمنية الرئيسية التي تواجه قطاعي العملات المشفرة والبلوك تشين تشمل الهجمات على منصات التداول وجهات الحفظ، والثغرات في العقود الذكية، والتلاعب بالأفراد لإفشاء معلومات سرية والتصيد الاحتيالي، بالإضافة إلى الجرائم المالية والتعرض لمخاطر غسل الأموال، والاختراقات عبر الأطراف الخارجية وسلاسل التوريد، إلى جانب نقاط الضعف في إدارة المحافظ والمفاتيح الخاصة.
ويزداد الأمر أهمية مع توسع الإمارات في نشاط الأصول الرقمية، إذ لم يعد الأمن السيبراني الصارم والحفظ الآمن والمرونة التشغيلية مجرد مزايا إضافية، بل أصبحت ركائز أساسية تحافظ على ثقة العملاء في المنظومة، حسبما قال سايكس.
ويبدو أن تحول الدولة إلى مركز عالمي للعملات المشفرة يجعل "بنيتها التحتية الرقمية محط أنظار التدقيق التنظيمي ومطمعا اقتصاديا ضخما بطبيعة الحال"، حسبما يرى رائد إحسان، مؤسس شركة الأمن السيبراني "آر تيليجنس". فحوالي 60% أو أكثر من عمليات الاحتيال عالميا تتم الآن من خلال الأصول الرقمية بشكل أو بآخر، حسبما قال جوناثان بنتون، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة "آي سانكتشواري" المتخصصة في التحقيقات الرقمية وجرائم الأصول الافتراضية ومقرها المملكة المتحدة، والتي تقدم خدماتها لعملاء في الإمارات. وسبق أن ترأس بنتون وحدة مكافحة الفساد الدولية في المملكة المتحدة، كما قاد فريق استرداد الأصول في المملكة المتحدة بعد ثورات الربيع العربي.
من يقف وراء هذه الهجمات؟ "تُعزى العديد من [حوادث الاحتيال العالمية المرتبطة بالعملات المشفرة] إلى مجموعات إجرامية سيبرانية منظمة، وفي بعض الحالات جهات تابعة لدول، رغم أن عملية تحديد الفاعل غالبا ما تكون معقدة ولا تفضي إلى نتائج حاسمة دائما"، حسبما يشير سايكس.
من هم الأكثر عرضة للخطر؟
في تسع مرات من أصل عشر، يكون القطاع الخاص هو المتضرر، وليس القطاع الحكومي أو البنية التحتية الحيوية، وفقا لما قاله إحسان، مضيفا أن "المخترقون يستهدفون الوجهات التي تضمن لهم الحصول على أسرع عائد، وتعد الكيانات التجارية صيدا أسهل بكثير".
ويتحمل قطاع الخدمات المالية العبء الأكبر من المخاطر؛ فمنصات التداول وجهات الحفظ والبنوك ومقدمو خدمات الدفع جميعهم يحتفظون بأصول رقمية أو يتداولونها مباشرة، حسبما قال سايكس. لكن عددا متزايدا من الجهات الحكومية وقطاعات العقارات والخدمات اللوجستية والرعاية الصحية أيضا بدأ يتبنى تقنية البلوك تشين لترميز الأصول والهوية الرقمية وتتبع سلاسل التوريد، مما يوسع قائمة الأهداف مع زيادة القطاعات التي تعتمد على هذه الأصول. ومن الناحية العملية، فإن أي مؤسسة تخزن الأصول الرقمية أو تتداولها أو تعتمد عليها تعد هدفا مشروعا. ولا تقتصر تداعيات هذه المخاطر على الخسائر المالية، بل تشمل الاضطراب التشغيلي، واختراق البيانات، والإضرار بالسمعة.
الشركات الصغيرة والمتوسطة هي الأكثر عرضة للخطر. إذ تفتقر العديد من هذه الشركات إلى التغطية التأمينية، أو خطة الاستجابة السريعة، أو الموارد اللازمة للمواجهة، مما يدفعها إلى الاستسلام ودفع الفدية المطلوبة لاستعادة بياناتها أو إعادة تشغيل أنظمتها، حسبما قال بنتون، مضيفا أن الأرقام الفعلية ربما تكون أسوأ مما يُعلن عنه، فالشركات غالبا ما تتكتم على الهجمات خوفا من الإضرار بسمعتها أو التعرض للتدقيق التنظيمي، وهو ما قد يأتي بنتائج عكسية ويؤدي إلى تكرار الهجمات عليها.
ما الذي يجعل قطاع العملات المشفرة أكثر عرضة للخطر؟
إن سرعة تداول وتحويل العملات المشفرة وحركتها العابرة الحدود تجعلها قناة سهلة لتنفيذ الهجمات. وعن ذلك يقول بنتون: "الاحتيال على شخص ما في الساحل الشرقي للولايات المتحدة، ونقل الأموال إلى أحد مقدمي خدمات الأصول الافتراضية في دبي، وكل ذلك أثناء العمل من تايلاند، يمكن أن يستغرق ثواني معدودة"، وهذه السرعة الفائقة هي تحديدا ما يعطل إنفاذ القانون. وأوضح أن إخفاء الهوية كان دائما الدرع الأكبر للجهات الاحتيالية في مجال العملات المشفرة، رغم وجود أدوات مثل تلك التي طورتها "آي سانكتشواري" لتحديد هوية مالكي المحافظ الرقمية ومواقعهم الجغرافية التقريبية.
الخطر الأساسي هو عدم إمكانية التراجع عن المعاملات، وفقا للدكتور محمد رضا بهشتي، الرئيس التنفيذي للذكاء الاصطناعي والابتكار في شركة سايبر سيارا، قائلا: "على عكس التمويل التقليدي، غالبا ما تكون معاملات العملات المشفرة فورية ولا رجعة فيها. فتعرض المفاتيح الخاصة للاختراق، أو هشاشة ضوابط الوصول، أو التهديدات الداخلية، أو الخلل في البنية التحتية للحفظ، كلها قد تؤدي إلى خسارة مالية ضخمة وسريعة".
لذا ففور وقوع الهجوم، يصبح أمام فرق الاستجابة بضع دقائق وليس ساعات طويلة. إذ يقول بنتون: "هناك نافذة زمنية محدودة قبل أن يصبح مسار [الأموال] شديد التعقيد وصعب التتبع"، إذ يعمد المحتالون إلى تقسيم المعاملة بين عدة محافظ لإخفاء مسارها. لكن الجانب الإيجابي هو أن المسار ذاته على شبكة البلوك تشين يتيح إمكانية حقيقية للرصد والاسترداد، لا سيما عند نقطة التسييل، أي النقطة التي تحول فيها العملات المشفرة المسروقة مرة أخرى إلى نقود تقليدية.
لا تعتمد المخاطر على نوع الأصل الرقمي بقدر ما تعتمد على كيفية إصداره وتخزينه وإدارته، كما يقول سايكس. فالعملات المشفرة معرضة في الأساس لسرقة المفاتيح الخاصة، واختراق منصات التداول، والاحتيال، بينما تضيف تطبيقات التمويل اللامركزي مخاطر أخرى عبر العقود الذكية، وتصميم البروتوكولات، والحوكمة اللامركزية. أما الأصول المرمزة، فتنطوي على المخاطر المرتبطة بالأصل الأساسي ذاته، بالإضافة إلى المخاطر المتعلقة بالمنصة المستخدمة لإصدار الرمز الرقمي وحفظه. ويوضح أن ترتيبات الحفظ، وإدارة الهوية والوصول، وأمان العقود الذكية غالبا ما تكون أهم من فئة الأصول في حد ذاتها.
وأصبح الذكاء الاصطناعي أداة تضاعف قدرات المهاجمين، إذ يساعد الجهات الاحتيالية على توليد مراسلات واتصالات مزيفة تكاد تطابق الاتصالات الحقيقية بوتيرة أسرع بكثير من ذي قبل. وعن ذلك يقول بهشتي: "الاتجاه الحالي هو التحول من "اختراق الأنظمة" إلى "اختراق الثقة". فلا يكتفِ المحتالون بالسؤال عن "كيفية اختراق النظام؟"، بل يسألون الآن "كيف يمكننا أن نجعل النظام يثق بنا؟"".
كما يلاحظ إحسان التحول ذاته في التكتيكات، إذ تتحول أساليب المهاجمين من الهجمات المكشوفة التي تعطل الأنظمة إلى عمليات خفية وطويلة الأمد كي لا تُكتشف أثناء سرقة الأصول بهدوء. ويصنف التهديدات إلى ثلاث مجموعات: الهندسة الاجتماعية المتقدمة وهجمات التصيد الاحتيالي المنفذة عبر طرف وسيط والقادرة على تجاوز أنظمة المصادقة التقليدية القائمة على عدة عوامل، واستغلال ثغرات العقود الذكية الآلية، والسرقات عبر جهات الحفظ من خلال المحافظ والبنى التحتية المخترقة.
لكن الفجوة في مستويات الاستعداد هيكلية وليست تقنية فحسب؛ فغالبا ما تمتلك شركات العملات المشفرة أدوات أمنية منفردة دون وجود بنية أمنية متكاملة تدعمها، كما أن برامج التوعية الأمنية التقليدية وحدها لم تعد كافية، حسبما يرى بهشتي. ويضيف إحسان إن الأمر يعتمد اعتمادا كبيرا على مدى جاهزية الشركات؛ فمنصات التداول الكبرى وجهات الحفظ الخاضعة للتنظيم تبني دفاعات تتطور بسرعة، في حين أن الشركات الناشئة التي تسعى وراء النمو على حساب الحوكمة ما زالت تعتمد على التعامل مع الحوادث بعد وقوعها بدلا من المرونة الاستباقية.
الجانب الإيجابي هو أن الإطار التنظيمي للعملات المشفرة في الإمارات يتفوق على العديد من الدول
كانت الإمارات من أوائل الدول التي أسست أحد أشمل الأنظمة التنظيمية للأصول الرقمية في العالم، بالإضافة إلى أنها تضم أول جهة تنظيمية مخصصة بالكامل للأصول الافتراضية، مع قواعد تغطي حاليا كل شيء بدءا من المشتقات المتداولة في المنصات المالية وصولا إلى الأوراق المالية والرموز المرتبطة بالسلع المرمزة. ويقول سايكس إن الإطار القائم على المخاطر، والذي يغطي الترخيص والحوكمة وحفظ الاصول والأمن السيبراني، وضوابط مكافحة غسل الأموال، يمنح المستثمرين حماية حقيقية ويدعم نزاهة السوق، حتى وإن لم يتمكن أي نظام تنظيمي من القضاء على مخاطر الاحتيال بالكامل.
ويشير إلى أن اللوائح التنظيمية سيتوجب أن تتكيف لتواكب التقنيات الجديدة وتطور طبيعة التهديدات. ويتفق بنتون على أن الإمارات "متفوقة بفارق كبير على بالعديد من الدول الأخرى"، لكنه يستدرك مضيفا أن "هذا لا يعني أنها محصنة ضد الاستغلال".
كيف تبدو آليات الدفاعات الآن؟
بعض الحلول تقنية، فأدوات المصادقة مثل "فايدو 2" و"ويب أوثن" تحمي من التصيد الاحتيالي عبر الوسيط عن طريق نقل عبء التحقق من هوية المستخدم من العنصر البشري إلى الأجهزة، حسبما أوضح إحسان.
💡 تستبدل أدوات المصادقة "فايدو 2" و"ويب أوثن" كلمات المرور بالتحقق القائم على الأجهزة، مثل مفتاح أمان أو فحص بيومتري مرتبط بجهازك، مما يجعل من الصعب على مواقع التصيد الاحتيالي اعتراض تسجيل الدخول حتى لو كانت تحاكي المواقع الحقيقية بدقة متناهية.
بينما يتعلق جانب آخر من الحلول بالحوكمة: مثل إنشاء لجان متخصصة لإدارة المخاطر ومجالس أمنية مستقلة للتريث في منح الموافقات الأمنية، بالإضافة إلى إجراء عمليات تدقيق منتظمة واختبارات اختراق، حسبما ذكر إحسان.
كما يتطلب الأمر أيضا تغيير طريقة التفكير، بحيث لا يقتصر التركيز على اكتشاف التهديدات فقط، بل تعزيز الجاهزية الجنائية التي يمكنها رصد التحركات المريبة على البلوك تشين فورا، وتفعيل تجميد الأصول أو تتبعها في اللحظة التي يبدو فيها أن هناك أمرا مريبا، وفقا لإحسان.