Posted inالخبر الأبرز اليوم

الإمارات ما زالت الرهان الآمن في قطاع البنية التحتية بالشرق الأوسط.. لكن الحرب كشفت نقطة ضعف مهمة

تعتبر "بي إم آي" سوق الإمارات الأكثر جاذبية بقطاع الإنشاءات في المنطقة، رغم توقعها انكماش إجمالي القيمة المضافة لقطاع البناء فيها بنسبة 6.8% خلال العام الجاري

تظل الإمارات سوق البنية التحتية الأكثر جاذبية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حتى بعد أن أرغمت الحرب قطاع الإنشاءات على إعادة ضبط مساره على المدى القريب. إذ صنفت وحدة "بي إم آي" الإمارات في المرتبة الأولى إقليميا والسادسة عالميا في مؤشرها لمخاطر ومكاسب قطاع البنية التحتية (بي دي إف)، مسجلة 32.3 نقطة، علما بأن انخفاض النقاط يعني زيادة جاذبية السوق.

هذا لا يعني أن السوق الإماراتية منيعة؛ إذ تتوقع "بي إم آي" انكماش إجمالي القيمة المضافة لقطاع البناء في الإمارات بنسبة 6.8% خلال العام الجاري، بعد أن نما الإجمالي بنسبة 7.8% العام الماضي، لكن تشير التوقعات إلى أنه سينتعش مجددا بنسبة 7.4% في عام 2027 حال عودة التجارة والاستثمار إلى طبيعتهما.

لماذا إذن لا تزال الإمارات في الصدارة؟ تستند جاذبية الدولة إلى أسواقها المالية العميقة، واحتكاكها بسلاسل التوريد العالمية، وخبرة شركات المقاولات بها، والمشاركة القوية للمستثمرين الأجانب. كما يعني تصنيف "بي إم آي" أيضا انخفاض مستوى المخاطر في الإمارات نسبيا مقارنة بنظرائها، إذ سجلت درجات جيدة في مؤشرات مخاطر الدولة والقطاع.

لكن الأموال الساخنة سلاح ذو حدين: تقول وكالة "بي إم آي" إن الإمارات شهدت التراجع الأشد في تقييمات الأسهم بين أسواق دول الخليج منذ بداية الصراع، مما يشير إلى قاعدتها الكبيرة من رؤوس الأموال الأجنبية سريعة الحركة، والتحول الحاد في إدراك المخاطر بها مقارنة بالأسواق المجاورة.

هذا قد يكون صحيحا، لكن اعتماد الإمارات على رأس المال الأجنبي لا يتعارض مع تصدرها للتصنيف، بل هو أحد أسباب ذلك، حسبما صرح لنشرتنا ماتيو أدونيزيو، رئيس أبحاث البنية التحتية في "بي إم آي". وقال أدونيزيو إن "السوق لا تزال محتفظة بجاذبيتها رغم التحديات التي تواجهها منذ بداية الصراع في فبراير". غير أنه أشار إلى أن هذا يعتمد على استمرار تعافي حركة الشحن عبر مضيق هرمز وتراجع حدة التوترات الإقليمية.

وفي حال لم تتحقق هذه العوامل معا، فقد تتراجع جاذبية الإمارات بالنسبة للاستثمارات الخاصة. وحول ذلك يقول أدونيزيو: "هناك بالتأكيد مخاطر تهدد جاذبية السوق للاستثمارات الخاصة في قطاع البنية التحتية على المدى المتوسط".

هرمز هو العامل الحاسم

مفتاح الحل: يرى أدونيزيو أن "العامل الرئيسي الذي نحتاجه هو استمرار عودة حركة التجارة عبر مضيق هرمز إلى طبيعتها". فالاستيراد مهم لتوفير مستلزمات قطاع البناء، كما أن صادرات النفط والغاز تدعم الإيرادات الحكومية، وبالتالي تعزز الإنفاق العام في جميع أنحاء المنطقة.

وترى "بي إم آي" أن هناك أربعة عوامل تضغط على قطاع البناء في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهي التوقفات المرتبطة بالهجمات، واضطراب سلاسل التوريد، وضعف الاستثمارات العامة، وتراجع طلب القطاع الخاص. ورغم تراجع الاضطرابات المباشرة منذ وقف إطلاق النار، لا تزال الضغوط على سلاسل التوريد تؤدي إلى نقص الإمدادات وارتفاع تكاليف المستلزمات.

فاتورة المواد ستواصل الارتفاع: تتوقع "بي إم آي" استمرار تضخم أسعار مستلزمات البناء حتى النصف الثاني من عام 2026، مع بقاء أسعار الخرسانة والصلب مرتفعة بسبب كثافة استهلاك الطاقة في إنتاجهما والاعتماد على الخامات المستوردة. ويعد هذا مهما بالأخص في حالة الإمارات، إذ حذرت دراسة أجرتها شركة كوري آند براون ونشرتها منصة زاوية من أن تكاليف بناء مراكز البيانات والفنادق قد ترتفع بنحو 10%، بسبب الأنظمة الميكانيكية والكهربائية التي تتطلب مواد كثيفة، والحزمة الضخمة من المشاريع التي تشمل مراكز البيانات والفنادق والمشاريع العملاقة وتوسعات المطارات.

تشمل حزمة المشاريع هذه نحو 700 مشروع بقيمة تقدر بنحو 138 مليار دولار، وفقا لتقرير صادر عن غرفة تجارة وصناعة أبوظبي نقلته زاوية. هذا يعني أن الإمارات تتصدر دول الخليج من حيث حجم الطلب المؤكد على مشاريع البناء. تليها السعودية بحوالي 628 مشروعا مؤكدا بقيمة 168 مليار دولار.

لكن هذا الحجم الضخم للمشاريع المرتقبة لا يعني بالضرورة استمرار الزخم؛ إذ كانت الإمارات أكبر سوق للمشاريع في الخليج خلال الربع الأول، لكن وتيرة ترسية العقود تباطأت بعد الحرب، فانخفضت إلى 16 عقدا في مارس مقابل 52 عقدا في فبراير، وفقا لبيانات موقع ميد بروجكتس التي اطلعت عليها إنتربرايز. وانخفضت قيم العقود بنسبة 26% على أساس شهري لتصل إلى 9.7 مليار دولار في مارس، في حين تراجعت عقود الربع الأول بنسبة 18.5% على أساس سنوي، ما يدل على أن الفرص لا تزال موجودة، لكن التنفيذ أصبح أكثر انتقائية.

ضغوط العقود هي الخطر التالي: لم يُلجأ إلى بند القوة القاهرة على نطاق واسع في قطاع البناء حتى الآن، لكن وكالة "بي إم آي" ترى أن هذا الخطر يتزايد مع تعرض شركات المقاولات للضغوط. ويظهر إغلاق مصهر الطويلة التابعة لشركة الإمارات العالمية للألمنيوم بعد الهجمات كيف يمكن للاضطرابات أن تضغط على سلاسل التوريد؛ إذ لجأت الشركة إلى تفعيل بند القوة القاهرة في بعض العقود، لكن شحنات المعادن والمخزونات ساعدت في تلبية احتياجات العديد من العملاء.

الطرق البديلة لا تحل سوي جزء من المشكلة: يحدد تقرير "بي إم آي" الموانئ الخليجية وخطوط الربط البري والسكك الحديدية التي يمكن أن تساعد في إعادة توجيه التجارة، لكن استنتاجه كان واضحا: هذه البدائل لا يمكنها مضاهاة سعة الشحن بمضيق هرمز. وهذا أمر مهم في حالة الإمارات، التي تخطط لإنشاء ميناء جديد بالقرب من موانئها الشرقية، وخطوط أنابيب جديدة، وشبكة أوسع من خطوط السكك الحديدية والطرق لتقليل الاعتماد على المضيق. وربما يكون الطموح هو "الحد من الاعتماد على مضيق هرمز تمامًا"، لكن تحليل وكالة "بي إم آي" يشير إلى أن المكسب الحقيقي على المدى القريب هو توفير متنفس إضافي لصادرات الطاقة، والتدفقات التجارية، وسلاسل التوريد الخاصة بقطاع البناء عند تصاعد المخاطر الإقليمية.

ما المشاريع التي تعرضت للتأجيل قبل غيرها؟

طال التأجيل أولا المشاريع التي لم تبدأ بعد، فقطاع البنية التحتية ينبني على التزامات طويلة الأجل تمتد لسنوات، وهو ما من شأنه أن يحد من النزوح الفوري لرؤوس الأموال، وفقا لأدونيزيو. لكنه يتوقع مزيدا من الحذر تجاه المشاريع واسعة النطاق خلال الربع الثالث وربما بعده، ما سيؤثر بالأخص "على المشاريع التي لم تبدأ فيها أعمال البناء بعد".

وتزيد مخاطر التأجيل في الدول التي تعتمد أكثر من غيرها على مضيق هرمز. في هذا الصدد، يوضح أدونيزيو أن "مخاطر انقطاع سلاسل توريد المشاريع تتضح أكثر في [...] أسواق مثل البحرين وقطر والكويت، وبدرجة أقل في الإمارات".

تكتسب هذه النقطة أهمية بالغة لأن الالتزام بالجداول الزمنية في قطاع الإنشاءات يمثل بالفعل المؤشر الأضعف ضمن مخاطر القطاع في المنطقة، مسجلا 72.6 نقطة مقارنة بالمعيار العالمي البالغ 50 نقطة. وبالتالي، فإن الحرب تفاقم من خطر كان مترسخا بالفعل في مشهد البنية التحتية بالمنطقة.

الصورة الإقليمية: عام سيئ وتوقعات بالتحسن

انكماش متفاوت في الخليج: تتوقع "بي إم آي" انكماش إجمالي القيمة المضافة لقطاع الإنشاءات في دول مجلس التعاون الخليجي بنسبة 6.2% هذا العام، بعد أن نما بنسبة 6.1% في عام 2025. ومن المتوقع أن تشهد البحرين وقطر والكويت أعلى معدلات الانكماشات في الخليج، بنسب 10.2% و9.7% و7.6% على التوالي، في حين يُتوقع أن تنكمش سوق الإمارات بنسبة 6.8% والسعودية بنسبة 4.7%. وتمثل عُمان الاستثناء الوحيد، إذ تتوقع الوكالة انكماشا أقل بنسبة 2.2%، بسبب قلة الاضطرابات المرتبطة بالصراع وإمكانية الوصول إلى موانئ خليج عُمان.

كما تتوقع "بي إم آي" انكماش إجمالي القيمة المضافة للقطاع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنسبة 3.3% بعد احتساب التضخم خلال العام، وهو تراجع حاد عن توقعات ما قبل الحرب التي كانت تشير إلى نمو القيمة المضافة للقطاع بنسبة 3.2%، بعد أن سجلت نموا يقدر بنحو 2.7% في عام 2025. ومع ذلك، من المتوقع أن يتعافى القطاع قريبا خلال العام المقبل، إذ تشير التوقعات إلى نمو إجمالي القيمة المضافة بنسبة 5.1% في عام 2027، ثم تسجيل معدل نمو سنوي يبلغ متوسطه 3.1% بين عامي 2028 و2030، بافتراض عودة التجارة والاستثمار إلى طبيعتهما في النصف الثاني من عام 2026.

لماذا سيصمد القطاع على الأجل الطويل؟ لا تزال مشاريع البنية التحتية والإنشاءات الضخمة تشكل الدعامة الرئيسية للمنطقة. ومن المتوقع أن تجذب قطاعات السكك الحديدية والطاقة استثمارات كبيرة، في حين أصبحت البنية التحتية للمياه أولوية استراتيجية مع تسبب النقص وتضرر الأنظمة القديمة في زيادة الطلب.

غير أن الفجوة آخذة في الاتساع: تقول "بي إم آي" إن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا تزال منطقة عالية المخاطر وعالية العوائد، وتتركز أقوى الفرص في أسواق دول مجلس التعاون الخليجي التي تتمتع بدعم حكومي أقوى، ومشاركة أجنبية أعمق، وأطر قانونية وتعاقدية أفضل.

ما نترقبه

السيناريو المرجح: يرى أدونيزيو أن استدامة وقف إطلاق النار وإعادة فتح مضيق هرمز من شأنهما تحسين مستويات الثقة تجاه قطاع البنية التحتية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتجنب حدوث تحولات دائمة في اتجاهات الاستثمار. وتتوقع "بي إم آي" أن ينتعش إجمالي القيمة المضافة لقطاع الإنشاء في الخليج بنسبة 6% في عام 2027، بفضل تأثيرات سنة الأساس وعودة الأوضاع إلى طبيعتها.

لكن هذا التعافي لن يكون سريعا. فستستغرق حركة الشحن أشهر لتعود إلى طبيعتها، وسيستمر التضخم في تكاليف المستلزمات لفترة، ومن المرجح أن يظل رأس المال الخاص حذرا تجاه المشاريع التي لم تنطلق أعمال البناء فيها بعد.

السيناريو السلبي: يحذر أدونيزيو قائلا إنه "إذا لم يُبرم اتفاق، واستمرت الاضطرابات في حركة الشحن عبر مضيق هرمز، فمن المرجح بشدة أن يترسخ بالفعل النهج الحذر للاستثمارات الخاصة تجاه المنطقة". وهذا ستكون له "تداعيات كبيرة متفاقمة" على تطوير البنية التحتية ونشاط البناء خلال السنوات المقبلة.

لذا فإن وضع الإمارات يبدو بسيطا للغاية: لا تزال الدولة تتمتع بأفضل معادلة للمخاطر والمكاسب بقطاع البنية التحتية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ولديها أكبر عدد من المشاريع المؤكدة في الخليج، وهي صاحبة القدرة الأكبر على جذب رؤوس الأموال الأجنبية في المنطقة. لكن إلى أن تعود حركة التجارة عبر مضيق هرمز إلى طبيعتها، فإن حتى أكثر أسواق الإنشاءات أمانا في المنطقة ستتحمل علاوة مخاطر بسبب الحرب.