Posted inالخبر الأبرز اليوم

أسواق الأسهم الإماراتية تتعافى.. لكن الأمر سيتوقف على استمرار السلام

سوق دبي في طريقه نحو تسجيل أفضل أداء ربع سنوي له منذ عام، لكن استمرار التعافي ما زال يعتمد على صمود وقف إطلاق النار

بدأت أسواق الأسهم الإماراتية تنتعش بعد الخسائر التي تكبدتها جراء الحرب، فالهدوء الحالي في التوترات الجيوسياسية دفع المستثمرين مجددا نحو بعض من الأسهم التي شهدت عمليات بيع مكثفة في المنطقة. وحقق المؤشر العام لسوق دبي المالي مكاسب بنحو 7.4% خلال الربع الثاني من عام 2026، ليمضي في طريقه نحو تسجيل أفضل أداء ربع سنوي له منذ عام، ويعوض إلى حد كبير خسائره التي تكبدها خلال العام الجاري. كما تعافى مؤشر سوق أبوظبي، وإن كان بدرجة أقل.

ما الذي يحفز هذا التعافي؟ يقول فيجاي فاليشا، الرئيس التنفيذي للاستثمار في شركة سنشري فايننشال، إننا "يمكن أن نعزو هذا التعافي بالأساس إلى تراجع المخاطر الجيوسياسية في المنطقة، إذ حافظت أسسها الاقتصادية على قوتها رغم التوترات". وأضافت كريستي أشقر، المحللة المالية في شركة "سي إف آي"، أن تراجع المخاوف بشأن مضيق هرمز ساعد المستثمرين على العودة إلى الأصول عالية المخاطر.

وأوضحت أشقر أن التقلبات ظلت حادة خلال الربع الثاني، لكن الأسواق أصبحت أكثر مرونة مع تراجع المخاوف من اتساع رقعة الصراع الإقليمي. وأضافت أن "الربع الثاني شهد تحولا من تجنب المخاطر إلى حدوث تحسن تدريجي في ثقة المستثمرين".

لكن هذا التعافي لا يقتصر على التداولات المدفوعة بآمال السلام فحسب. إذ ترى أشقر أن هناك عوامل أخرى ساعدت في هذا التعافي، منها المرونة التي أبدتها البنوك الكبرى وشركات العقارات باستمرارها في تحقيق الأرباح، واستمرار المشاركة الأجنبية في السوق، والثقة في آفاق الاقتصاد الإماراتي على المدى الطويل. وأضافت أنه "مع أن التطورات الجيوسياسية هي التي أوقدت شرارة التعافي، إلا أن السوق تمكنت من الحفاظ عليها بفضل قوة أسسها الاقتصادية".

بلغة الأرقام: ارتفع مؤشر سوق دبي بنحو 10% خلال الأشهر الثلاثة الماضية، وبحوالي 13% مقارنة بأدنى مستوى له يوم 16 مارس، بينما ارتفع مؤشر فوتسي سوق أبوظبي بنحو 2% خلال الربع الثاني، وبنسبة 4% مقارنة بأدنى مستوى له في مارس. وواصل المؤشران مكاسبهما خلال الشهر الماضي، ليرتفعا بنحو 3% و1.6% على التوالي.

لكننا لم نعد للوضع الطبيعي بعد: لا يزال مؤشر دبي منخفضا بنحو 12% عن ذروته قبل الحرب، بينما لا يزال مؤشر أبوظبي منخفضا بنحو 9%. وقد عوض هذا التعافي جزءا كبيرا من الخسائر التي تكبدها السوقان، لكنه لم يمحُ تماما بعد الخصم الذي صار المستثمرون يتعاملون على أساسه مع أسهم المنطقة تحسبا للمخاطر الأمنية الإقليمية.

خلفية

الاقتصاد انحنى.. لكنه لم ينكسر: انخفض مؤشر مديري المشتريات في الإمارات من 55 نقطة في فبراير إلى 52.9 نقطة في مارس ثم 52.1 نقطة في أبريل، قبل أن يرتفع مجددا إلى 52.6 نقطة في مايو. ومع ذلك فقد ظل المؤشر فوق مستوى 50 نقطة الذي يفصل بين النمو والانكماش طوال فترة الاضطرابات، ما يعني أن النمو تباطأ لكنه لم يتحول إلى انكماش.

السياق: قبل الحرب، كان نشاط الأعمال ينمو بأسرع وتيرة له منذ أبريل 2024، مدعوما بقطاعات البناء والعقارات والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا. وخلال الحرب تعرضت محركات الاقتصاد الأساسية للتعطيل وليس للتدمير، مما سهل على أسواق الأسهم التعافي بمجرد بدء تراجع علاوة المخاطر الأمنية.

دعم الدولة مثل عاملا حاسما: أشار فاليشا إلى قاعدة أصول مصرف الإمارات المركزي البالغة 1 تريليون درهم، والتي دعمت تدابير شملت حزمة مرونة خماسية المحاور طرحتها الدولة في بداية الحرب، لمنح البنوك قدرة أكبر على استخدام احتياطياتها، وسيولة إضافية بالدرهم والدولار، تلاها لاحقا ضخ سيولة بقيمة 31 مليار درهم. كما اشار فاليشا إلى الأصول السائلة للحكومة، والتي تقدر بنحو 200% من الناتج المحلي الإجمالي، وأنها لعبت دور المصد ضد التقلبات المالية والاقتصادية قصيرة الأجل.

وتجلت هذه المرونة أيضا في التوقعات متوسطة الأجل والتصنيفات السيادية؛ فأشار فاليشا إلى أن صندوق النقد الدولي رفع مؤخرا توقعاته لنمو اقتصاد الإمارات عام 2027 من 4.7% إلى 5.3%، بينما تتوقع ستاندرد آند بورز غلوبال أن يبلغ متوسط النمو 6% خلال الفترة بين 2027 و2029 مع تعافي إنتاج النفط وقطاع السياحة. كما ثبتت وكالة موديز تصنيف الإمارات عند "Aa2" مع نظرة مستقبلية مستقرة، بينما أبقت فيتش تصنيف أبوظبي عند "AA"، مما يشير إلى أن صدمة الحرب أضعفت النمو على المدى القريب دون تقويض القوة الائتمانية للبلاد أو آفاق التعافي.

دبي شهدت التراجع الأكبر.. لذا تتعافى أسرع

لماذا تضررت دبي أكثر؟ يعتمد سوقها بشكل كبير على شركات السياحة والطيران والعقارات وتدفقات رؤوس الأموال العالمية، وهي قطاعات حساسة جدا لاضطرابات رحلات الطيران وأي تهديد لمكانة المدينة كملاذ آمن. وقد دخلت دبي مرحلة السوق الهابطة في مارس مع تسبب الصراع في هز سوق الأسهم، الذي سجل سابقا مكاسب لخمس سنوات متتالية.

ولماذا لم تتأثر أبوظبي بالقدر نفسه؟ استفاد سوق أبوظبي من "دعم صناديق الثروة السيادية وعائدات النفط المحولة"، إلى جانب مزيج أكثر استقرار من الشركات المدرجة، بحسب فاليشا. ولذلك كان أمام المؤشر مساحة أقل لتعويض الخسائر بمجرد بدء تراجع علاوة الحرب، مما يفسر تباطؤ وتيرة تعافيه مقارنة بأدنى مستوى له في مارس.

التعافي شمل قطاعات واسعة: ارتفعت أسهم 34 شركة من أصل 41 شركة مدرجة في مؤشر دبي خلال الربع الثاني، وفقا لبلومبرغ. ويشير هذا النطاق الواسع إلى أن المستثمرين لم يعودوا ببساطة إلى الاستثمار في سهم أو سهمين من أسهم الشركات المستقرة، بل اشتروا أسهم في معظم قطاعات السوق مع تحسن مستويات الثقة.

الأسهم الأكثر تضررا تعافت أولا

قادت قطاعات السلع الاستهلاكية والطاقة والطيران حركة التعافي في سوق دبي؛ إذ ارتفعت أسهم شركات السلع الاستهلاكية الكمالية بنحو 49% مقارنة بأدنى مستوى لها يوم 16 مارس، مع صعود سهم طلبات بحوالي 60% خلال الربع، حسبما قال فاليشا لنشرتنا. كما ارتفعت أسهم قطاع الصناعة بنحو 19%، مدعومة بأسهم سالك والعربية للطيران وباركن، في حين حققت أسهم خدمات الاتصالات مكاسب بنحو 15%.

وبالنسبة لأبوظبي، فصعدت أسهم قطاع العقارات بنسبة تجاوزت 16% مقارنة بأدنى مستوى لها في مارس، تلاه قطاع الصناعة بنحو 15%، ثم قطاع الطاقة بحوالي 13%، وفقا لفاليشا.

الدور ربما يكون على قطاع الطاقة: ساهمت إعادة فتح مضيق هرمز في تقليص المخاوف من انقطاع الإمدادات، واستعادة الثقة في تدفقات الصادرات الإقليمية، والمساعدة في عودة ظروف الشحن والتشغيل إلى طبيعتها، حسبما ترى أشقر. ومن شأن ذلك أن يحسن توقعات القطاع إذا ظل الممر المائي مفتوحا واستمرت إزالة العراقيل التي عطلت الصادرات.

أداء قطاع العقارات كان أكثر تفاوتا: ارتفع مؤشر قطاع العقارات في سوق دبي بنحو 5% فقط من أدنى مستوى له في مارس، رغم تعافي سهم إعمار العقارية بنحو 20%. لكن لا يزال السهم أقل بنحو 30% من ذروته السابقة، ويوفر عائدا يبلغ حوالي 8.2%، وهو ما يصفه فاليشا بأنه "قيمة مذهلة" لإحدى أبرز الشركات المدرجة في دبي.

الأموال الساخنة بدأت تراهن بالفعل على السلام

المبادرون الأوائل: يقول فاليشا إنه "عندما يبدأ تطبيق اتفاقية موثوقة لوقف إطلاق النار، يبدأ المستثمرون في التخلي عن حذرهم، لكن بشكل تدريجي وليس دفعة واحدة". وعادة ما تتحرك أولا صناديق التحوط والمستثمرون الذين يتتبعون اتجاهات السوق، وذلك عبر تصفية مراكزهم التحوطية وشراء الأصول المتراجعة قبل توقيع أي اتفاق رسمي.

ويضيف فاليشا أن "الأموال الساخنة تتحرك أولا"، وأن علاوة الحرب "تبدأ في التلاشي من الأصول الأكثر تضررا قبل توقيع أي اتفاقية". وفي رأيه فإن تراجع خام برنت نحو نطاقه المعتاد قبل الحرب يعد أحد الأمثلة المبكرة على هذا التغير في المراكز الاستثمارية.

أما الأموال الأكثر حذرا فتتريث؛ إذ عادة ما ترغب صناديق التقاعد وشركات التأمين والمستثمرون الأفراد الأكثر حذرا في الحصول على تطمينات، قبل تحويل مخصصاتهم من الدولار وسندات الخزانة الأمريكية والذهب إلى أسهم شركات المنطقة وديون الأسواق الناشئة وأسهم الشركات المرتبطة بدورات الاقتصاد. وستكون هذه الموجة الثانية حاسمة لتحويل هذا التعافي المدفوع بهدوء الأوضاع إلى تعاف أكثر استدامة.

احذر.. اتجاه التعافي قد ينعكس بنفس السرعة

التعافي مسار ذو اتجاهين: تعافى سوق دبي مع تقدم محادثات السلام، لكنه "قد يتراجع مجددا بسرعة كبيرة" إذا انهار الاتفاق المؤقت، حسبما نقلت وكالة بلومبرغ عن دومينيك بوكور-إنغرام، مدير الصناديق في شركة فييرا كابيتال. ولا تزال نظرته طويلة الأجل لدبي إيجابية، لكن التداولات الفورية بالسوق لا زالت تعتمد بشدة على انتهاء الحرب فعليا.

وإن تجدد الصراع "ستزيد التقلبات زيادة حدة وليس تدريجيا"، حسبما يرى فاليشا. وسيجبر ذلك الصناديق المحكومة بقواعد صارمة — مثل تلك القائمة على مستويات المخاطر وتلك التي تستهدف مستويات تقلب محددة — على خفض استثماراتها، في حين ستتعرض الأصول المرجح نموها لضغوط بسبب "الطلب على الاستثمارات الآمنة، والمخاوف بشأن إمدادات الطاقة، والتضخم المدفوع بأسعار السلع الأساسية".

المستثمرون الأفراد هم المتغير الأبرز: يقول فاليشا إن "البعض يصابون بالذعر ويبيعون الأسهم عند أدنى الأسعار، بينما يندفع آخرون للشراء وقت التراجع دون تقييم المخاطر بشكل كامل". ونظرا لأن تدفقات المستثمرين الأفراد عادة ما تتأثر بالأخبار والمشاعر ولا تنبني على توجيهات استثمارية واضحة، فإن بإمكانها تضخيم التغيرات في أي من الاتجاهين.

ما نترقبه في الربع الثالث

يرى فاليشا فرصا في "الأسهم ذات الأسس القوية والتي توزع أرباحا عالية" في قطاعات البنوك والتأمين والسياحة العقارات. لكن المخاطر لم تختف في رأيه، إذ ينوه إلى ضرورة التركيز على العراقيل التشغيلية التي قد تواجه صادرات النفط على المدى القريب، وعلى الاضطرابات الأمنية، وتحديدا ما إذا كانت حركة الشحن في هرمز ستعود إلى طبيعتها خلال الربع الثالث دون حوادث، وما إذا كان وقف إطلاق النار المؤقت سيصمد حتى الجولة التالية من المحادثات. فأي انتكاسة في أي جبهة منهما ستحدث تفاوتا في تعافي القطاعات المختلفة، وستؤثر على الوضع الائتماني لدولة الإمارات.