لن تعود هناك حاجة إلى تقدير حجم المعاملات التجارية مع بدء تطبيق منظومة الفوترة الإلكترونية. وبالنسبة لأي شخص يشتري أو يبيع أو يقيم شركة ما، فإن تلك المنظومة ستغير مكامن المخاطر وسرعة رصدها.
خلفية: ستطبق الإمارات نظام الفوترة الإلكترونية على مراحل، تبدأ بالتطبيق الطوعي في يوليو 2026، ثم التطبيق الإلزامي اعتبارا من يناير 2027 بالنسبة للشركات التي تتجاوز إيراداتها السنوية 50 مليون درهم. وستُلزم بتطبيقها الشركات الأصغر في المراحل اللاحقة.
آلية عمل المنظومة: ستمر جميع فواتير المعاملات فيما بين الشركات ومعاملاتها مع الجهات الحكومية عبر مزودي خدمة معتمدين، وستُقدم الفواتير للهيئة الاتحادية للضرائب على الفور تقريبًا، مما يعني عدم الحاجة إلى الوثائق والمستندات، والتحول بدلا من ذلك إلى تقديم البيانات بطريقة منظمة يمكن قراءتها آليا. واعتمدت الحكومة بالفعل نحو 26 مزود خدمة، من بينهم ساب وسنتك لخدمات الأعمال، كما سمحت بمشاركة الفواتير الإلكترونية عبر منصة إمارات تاكس، شريطة أن تكون الشركات قد اختارت بالفعل مزود خدمة.
من ناحية، ستحد تلك التقارير شبه الآنية من جرائم الاحتيال المتعلقة بضريبة القيمة المضافة والتهرب الضريبي، من خلال السماح للسلطات الضريبية بالتحقق من المعاملات فورا، وتقليل الاعتماد على عمليات التدقيق اليدوية الدورية.
كما سيؤثر هذا التغيير أيضا على تكاليف الأعمال والفحوص النافية للجهالة وعمليات الدمج والاستحواذ. إذ أوضحت وزارة المالية أن تكاليف معالجة الفواتير بالشركات قد تنخفض بما يصل إلى 66%، بفضل تقليل الحاجة إلى إدخال البيانات يدويا، والحد من الأخطاء، وتسريع دورات الدفع. كما ستتيح المنظومة للشركات الصغيرة والمتوسطة فرصا أسرع وأفضل للحصول على التمويل، إذ ستعزز الفواتير الرقمية الموثقة من تقييماتها الائتمانية.
وبالنسبة لمبرمي الصفقات، ستتيح الفواتير الآلية الرصد المبكر للمخاطر التي كان سيتأخر ظهورها، أو ربما لم تكن لتظهر على الإطلاق. إذ صرح لنشرتنا بيير أرمان، المدير الإداري في شركة ألفاريز آند مارسال، قائلا إن "بعض المخاطر والتحديات المحتملة ستُكتشف في مرحلة مبكرة جدا من دورة حياة الصفقة لأنك تمتلك بيانات منظمة ومتاحة بسهولة. حينها ستصبح كل معاملة قابلة للتدقيق".
وبدلا من الاعتماد على عينات من الفواتير أو على بيانات مالية متأخرة، سينظر المشترون في مجموعات بيانات كاملة مصحوبة بتوقيتاتها الزمنية، توضح كيفية سير معاملات الشركات.
هذا يتيح الشفافية التامة، حسبما قال علي أنور، المدير الإداري ورئيس استشارات المعاملات العالمية بالشرق الأوسط لدى ألفاريز آند مارسال، في تصريحات لنشرة إنتربرايز، مشيرا إلى أن خطر الفواتير المزيفة أو المكررة أو الاحتيالية سيصبح "منخفضا جدا جدا".
وستعزز هذه الرؤية المفصلة لسير المعاملات من الثقة في تقييمات الشركات، لا سيما بالنسبة لمقاييس مثل الأرباح المرتبطة بالأداء والدفعات المؤجلة. كما ستسهل الفواتير بتوقيتاتها الزمنية اكتشاف أنماط مثل الارتفاعات المفاجئة في الإيرادات في نهايات الفترات المالية.
كما أن المتابعة شبه الآنية لمعاملات الشركات ستتيح مزيدا من الوضوح بعد الاستحواذ عليها. فيقول أنور إنه "لا بد أن يكون بمقدور المشترين الحصول على تقارير شهرية في وقت قصير للغاية، أو حتى تقارير أسبوعية أو يومية، وفهم طبيعة أداء الشركة".
تمييز الشركات قوية الحوكمة
على جميع الأصعدة، ستحول منظومة الفوترة الإلكترونية عملية إصدار الفواتير من مهمة إدارية إلى أداة أساسية للحوكمة، يمكن فيها استخدام الذكاء الاصطناعي والتحليلات للخروج برؤى عن العمليات التشغيلية، حسبما صرح لنا براشانت جانتي، نائب رئيس استراتيجية وتطوير المنتجات العالمية والتحالفات في شركة زوهو. ويمكن للشركات المستعدة لهذا التحول إثبات سيطرتها التشغيلية وزيادة كفاءة تسجيل المعاملات.
وأضاف أنور أن هذا سيمنح الشركات "فرصة جيدة لتنظيف بياناتها"، والتأكد من "عدم وجود مفاجآت قد يكتشفها المشتري لاحقا". وبالنسبة للمشترين، سيقلل ذلك من مخاطر أخطاء التسعير الناتجة عن نقص المعلومات أو عدم دقتها، وسيجعل الفحوص النافية للجهالة أكثر دقة وتفصيلا.
وربما تستخف الشركات الصغيرة والمتوسطة بالتداعيات التشغيلية لهذا التغيير. لكن أوضح جانتي أن "الشركات متناهية الصغر والصغيرة تشكل 80-82% من الشركات في الإمارات، وقد تواجه تحديات إذا كانت لا تزال تعتمد على برنامج مثل إكسيل أو الحلول القديمة عند بدء التطبيق الإلزامي للمنظومة".
كما أن العديد من الشركات الصغيرة والمتوسطة "ما زالت ترى تلك المنظومة مشروعا ضريبيا أو متعلقا بتكنولوجيا المعلومات"، حسبما أوضح سودهير باديار، نائب الرئيس الأول والرئيس الإقليمي لأوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا ورئيس المنظومة العالمية في شركة سنتك لخدمات الأعمال، مضيفا أن الشركات "تستخف بمدى تعقيد المنظومة لأنها لا تفكر في تغيير العمليات وجودة البيانات". وأشار إلى أن الأنظمة الضعيفة ومشكلات البيانات الرئيسية والضوابط غير الكافية يمكن أن تؤدي إلى إعادة العمل والتأخير وزيادة التعرض للتدقيق.
إذن، ما الذي يتعين على الشركات فعله؟ بعيدا عن الإعداد الفني، يجب على الشركات أن تأخذ في الاعتبار إعادة تصميم العمليات وتدريب الموظفين وإرساء ممارسات الحوكمة السليمة، وفقا لباديار.
المشهد العالمي
على الصعيد العالمي، ستنضم الإمارات بذلك إلى الدول الكثيرة التي تتجه نحو تطبيق الفواتير الإلكترونية. فتشير شركة ديلويت إلى أن عام 2026 سيشهد تحول الاستخدام الطوعي لمثل تلك المنظومات إلى التطبيق الإلزامي لها في جميع أنحاء أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا، كما أن دولا مثل بولندا وبلجيكا وفرنسا والإمارات وألمانيا وأيرلندا والمملكة المتحدة ستفرض في نهاية المطاف استخدام الفواتير الرقمية المنظمة.