يهدف اتفاق مصر الجديد مع البنك الدولي إلى رفع مساهمة قطاع التعدين في الناتج المحلي الإجمالي إلى 6% بحلول عام 2030، صعودا من أقل من 1% حاليا. ويستهدف الميثاق الوطني، الذي أُطلق الأحد الماضي، الوصول بالصادرات التعدينية إلى 9.8 مليار دولار بحلول عام 2040، بحسب ما ورد في بيان للبنك الدولي، وذلك عبر تنفيذ إصلاحات تشريعية ومالية، وتوفير بيانات جيولوجية أدق، وإنشاء مراكز للمعالجة. لكن ما لم تتضح معالمه حتى الآن هو حجم التمويل الذي سيضخه البنك.
محفظة تمويل عالمية: يعتزم البنك الدولي زيادة دعمه لقطاع المعادن والتعدين بخمسة أضعاف، ليصل إلى 19 مليار دولار خلال الفترة الممتدة من العام المالي 2026 إلى العام المالي 2030، وهي محفظة تمويل عالمية تشمل استثمارات خاصة يأمل البنك في حشدها، وفق ما أعلنته وزارة البترول. ومع ذلك، لم تحدد حصة مصر من هذا التمويل حتى الآن، فقد قال ياسر رمضان، رئيس الهيئة المصرية العامة للثروة المعدنية والصناعات التعدينية، لنشرة إنتربرايز الصباحية: "لا يوجد مبلغ محدد"، موضحا أن البنك الدولي يدرس حاليا المشاريع التي تتطلب تمويلا ودعما، و"بناء على ذلك، سيحدد حجم الدعم الذي سيقدمه".
لم يكن المسح الجوي قد بدأ حتى انعقاد منتدى مصر للتعدين الشهر الماضي؛ إذ يستهدف هذا المسح إرشاد المستثمرين إلى مواقع التنقيب. ففي تعليقه لنشرة إنتربرايز أمس، قال أندريس بلانكو، الرئيس التنفيذي لشركة إكس كاليبور الإسبانية، إن شركته "لا تزال تنتظر التصاريح النهائية لبرنامجها على مستوى البلاد، البالغ تكلفته 60 مليون دولار". ومن غير المتوقع صدور نتائج هذا المسح قبل نهاية 2027، أي قبل نحو 3 سنوات فقط من الموعد النهائي المستهدف في 2030. وفيما يتعلق بالمسح، أشار رمضان إلى أن تمويل البنك الدولي يوجه إلى "الدعم الفني والبنية التحتية نفسها وخلق الوظائف في قطاع التعدين". ففي غياب البيانات الجيولوجية، تميل الحكومات إلى منح الأراضي بنظام أسبقية الحجز، وهو ما يصب في مصلحة صغار المستكشفين المضاربين، وفق ما ذكرته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في أحدث تقاريرها حول المعادن الحيوية في أفريقيا (بي دي إف). أما في وجود بيانات قوية، يمكن للحكومات طرح عطاءات تنافسية والحصول على شروط أفضل.
ثم تأتي مسألة تكلفة البيانات: انقسم المستثمرون في منتدى مصر للتعدين الشهر الماضي حول الطرف الذي ينبغي له تحمل هذه التكلفة. إذ يرى نجيب ساويرس، رئيس مجلس إدارة شركة "إن تو ميتالز"، أن الدولة يجب أن تتحمل التكلفة وتمنح المستكشفين النتائج مجانا أو بتكلفة رمزية. لكن تونو فاك، الرئيس التنفيذي لشركة أتون ريسورسيز، يرى ضرورة تقاسم التكلفة، مشيرا إلى أن مصر لا تملك الموارد المالية الحكومية التي تنفقها السعودية على بياناتها الخاصة.
ولكن على الأقل، ثمة اتفاق بين المقرضين على أوجه إنفاق هذا التمويل. فقبل نحو أسبوع من إطلاق الميثاق، التقى رؤساء بنوك التنمية المتعددة الأطراف في العاصمة الفلبينية مانيلا واعتمدوا إطارا مشتركا للمعادن الحيوية يهدف إلى "زيادة القيمة المضافة المحلية، وتسريع استثمارات القطاع الخاص، وخلق فرص العمل"، وفق بيان مشترك لهذه البنوك (بي دي إف). ويُعدد تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ركائز أساسية مشابهة لما جاء في اتفاق مصر مع البنك الدولي، تتمثل في تحسين نظم المعلومات الجيولوجية، وتحديث الأطر التشريعية والمالية، وتعزيز الروابط مع الاقتصاد الأوسع.
تشير أرقام مصر أيضا إلى أهمية القيمة المضافة المحلية: لا تزال مصر تستورد السيليكون منجنيز بأكثر من 200 مليون دولار سنويا بسعر يقارب 900 دولار للطن، أي ما يعادل 220 ألف طن على الأقل وفق حساباتنا، رغم امتلاكها خام المنجنيز نفسه في أراضيها. وقال محمد زادة، نائب وزير الصناعة للصناعات الاستراتيجية، خلال المنتدى إن توسعة المصانع وعمليات الحفر والنقل يمكنها إحلال هذه الواردات في غضون عامين فقط. ويبرهن الفوسفات أيضا على القيمة المضاعفة للمنتج المعالج؛ إذ يباع الفوسفات الخام بنحو 70 إلى 140 دولارا للطن حسب جودته، في حين تصل قيمة الأسمدة الفوسفاتية إلى ما بين 700 و1000 دولار للطن. وتجدر الإشارة إلى أن مصر تمتلك نحو 3.1 مليار طن من الفوسفات، ما يضعها في المرتبة الثالثة عالميا من حيث حجم الاحتياطيات، وفق بيانات وزارة البترول.
وتدعم منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية هذا الطموح، ولكن بتحفظ. وتوصي المنظمة بربط خطط التعدين بعمليات المعالجة المحلية، لكنها تحذر في الوقت ذاته من أن العديد من مشروعات النقل والتصنيع "تظل غير مجدية اقتصاديا في السوق العالمية الحالية"، وأنه من "غير الواضح على الإطلاق" ما إذا كان ينبغي للحكومات إنفاق أموالها العامة المحدودة لدعم مثل هذه المشروعات.
شركات التنقيب الخاصة لا تنتظر الممولين. أنفقت شركة عنخ ريسورسز أكثر من 500 مليون جنيه في مصر حتى شهر سبتمبر الماضي، وتخطط لضخ أكثر من مليار جنيه خلال عامي 2027 و2028، وفق ما قاله رئيسها التنفيذي مصطفى طلعت في تصريحات خاصة لإنتربرايز، وهو ما سيرفع إجمالي استثماراتها إلى أكثر من 1.5 مليار جنيه بحلول نهاية 2028، وفق حساباتنا. وتُنفذ حاليا المرحلة الثانية من عمليات الحفر "رغم أنه من السابق لأوانه إعلان نتائجها"، وفق ما قاله مدير الاستكشاف بالشركة عبد الحليم عسران لإنتربرايز. ومن أجل تمويل هذه العمليات، تتجه أنظار الشركة نحو الخارج، مع احتمالية إدراج أسهمها في بورصة تورونتو خلال النصف الثاني من عام 2027.
المحطات التالية تبدو أكثر وضوحا: يتوقع رمضان ظهور نتائج المزايدة العامة بنظام المناطق المفتوحة "في غضون أسابيع"، رغم أنه كان من المفترض إعلانها في المنتدى. وفي سبتمبر المنقضي، قالت شركة ريد سي ريسورسز الكندية، التي تركز نشاطها في مصر، إنها تستهدف الإدراج في بورصة تورونتو في يناير. فضلا عن أن إكس كاليبور بإمكانها بدء الطيران لتنفيذ المسح في غضون 30 إلى 45 يوما من حصولها على التصاريح، بينما يحل موعد تحقيق نسبة الـ 6% المستهدفة في الميثاق عام 2030. لكن تقديرات تونو فاك تمتد لفترة أطول، فقد توقع في المنتدى أن يستغرق الأمر "10 سنوات قبل أن نرى الفوائد الفعلية".