يبدو أن التمويل المخصص لخفض استهلاك الغاز في قطاع السيراميك بمصر لا يزال دون المطلوب، رغم توقيع 25 شركة متخصصة في صناعة السيراميك على اتفاق لخفض استهلاك الغاز الطبيعي بنسبة تصل إلى 25%. وتتعاون هذه المصانع مع موردي الأفران وشركات تصنيع خطوط الإنتاج وشركات خدمات كفاءة الطاقة من أجل تحقيق هذا الهدف. لكن ما يظهر حتى الآن لا يتعدى الدعم العام للامتثال البيئي، ولا تزال هناك حاجة إلى التمويلات اللازمة لتحديثات الأفران والمجففات، وفق ما ورد في بيان حكومي وبحسب ما أفادت به مصادر بالصناعة.
ثمة مسار مواز ضمن مبادرة "شمس الصناعة" التابعة لوزارة الصناعة، التي تحظى بدعم تمويلي دولي نشط، إذ سيقود هذا المسار الشركات ذاتها نحو تركيب محطات الطاقة الشمسية على أسطح المصانع، بهدف خفض استهلاك الكهرباء بنسبة تصل إلى 15%.
تمويلات مشاريع الطاقة الشمسية تسير بخطى أسرع: "أبدت المصانع مخاوفها بشأن التكاليف الاستثمارية المرتفعة المطلوبة، ونعمل حاليا على تأمين تمويل دولي جديد لتمكين التنفيذ الفوري لمبادرة شمس الصناعة"، وفق ما قاله مسؤول حكومي لإنتربرايز. وأضاف المسؤول: "سيساعد هذا في تحسين جودة الإنتاج ويدعم زيادة الصادرات إلى الأسواق الأوروبية".
💡 نظريا، يبدو هدف الـ 25% قابلا للتحقيق. ففي دراسة مقارنة أجرتها منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو) عام 2016 (بي دي إف)، تبين أن مصانع بلاط السيراميك المصرية تستهلك في المتوسط 6.76 جيجا جول لكل طن، وهو أكثر من ضعف المؤشر العالمي لأفضل التقنيات المتاحة، الذي يبلغ 3.31 جيجا جول لكل طن. وتعد هذه الفجوة واسعة لدرجة أن حتى التحديث الجزئي قد يكون كافيا لتحقيق الهدف. وقد استندت هذه الدراسة إلى بيانات الفترة من 2013 إلى 2015 التي تخص 19 مصنعا تمثل 58% من القدرة الإنتاجية للقطاع حينها. وأشارت الدراسة إلى أن الأدوات المتاحة تشمل أفرانا ومجففات أكثر كفاءة، واستعادة الحرارة المهدرة، وتحسين التحكم في العمليات، وإعادة تشكيل هياكل السيراميك.
تذكر: تدرك مصر هذا الوضع منذ قرابة عقد زمني؛ حتى أن اليونيدو، والمركز الإقليمي للطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة، وجهاز شؤون البيئة المصري أسسوا معا "صندوق كفاءة الطاقة الصناعية" في عام 2018، استنادا إلى برنامج ممول من مرفق البيئة العالمية (جيف) امتد من عام 2012 إلى 2018. لكن مصر لم تقرن أبدا هذا التشخيص برأس مال يتناسب معه. ويكرر هذا البرنامج النمط ذاته؛ إذ يتجه التمويل نحو الطاقة الشمسية بدلا من توجيهه إلى كفاءة استهلاك الغاز، وهو الهدف الذي تأسس صندوق 2018 من أجله في الأساس.
لا يمكن استبدال الطاقة الشمسية على الأسطح بكفاءة الأفران. صحيح أن الطاقة الشمسية قادرة على خفض مشتريات الكهرباء، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الغاز الطبيعي المستخدم لتوليد درجات الحرارة المرتفعة المطلوبة داخل الأفران. ويعتمد تحقيق هدف خفض استهلاك الغاز بنسبة 25% على الاستثمار في عملية الإنتاج ذاتها، وليس في الألواح التي توضع على الأسطح.
ومن ثم فإن الجمع بين الطاقة الشمسية وكفاءة الغاز يستحق قراءة متأنية؛ لأن الهدفين يحملان فرص نجاح متفاوتة بشدة، والتمويل يتتبع هذه الفجوة بالفعل. إذ لا تتطلب محطات الطاقة الشمسية على الأسطح إعادة تصميم العمليات؛ فهي تحل محل الكهرباء التي تشتريها المصانع بالفعل وتحصل عليها من الشبكة القومية، كما أنها الهدف الذي يحظى بدعم تمويلي نشط.
وفي المقابل، يحتاج الهدف المتعلق بالغاز إلى رأس مال يُوجه لعملية الإنتاج نفسها؛ لتوفير أفران ومجففات جديدة وتقنيات لاستعادة الحرارة المهدرة، ولم يُعلن عن أي مساع مماثلة لتحقيق ذلك. إذ إن دمج هدف يسهل تحقيقه ويحظى بتمويل جيد مع هدف آخر يتطلب رأس مال ضخم ويكون تمويله ضعيفا، يسمح للبرنامج بأن يعزو الفضل لنفسه في تحقيق النصر السهل، بينما يتوارى الهدف الأصعب والأكثر أهمية بهدوء في الخلفية.
في تعليقه لإنتربرايز، قال أحمد كمال، مدير مكتب الالتزام البيئي والتنمية المستدامة باتحاد الصناعات المصرية: "يتطلب تسريع التحول في قطاع الطاقة بيئة داعمة، تشمل تيسير إجراءات الربط بشبكة الكهرباء، وتوفير التمويل الميسر، وتوسيع برامج الدعم الفني وبناء القدرات". وأضاف كمال: "لم تعد الشركات تنظر إلى الطاقة المتجددة على أنها خيار بيئي فحسب، بل أداة لإدارة المخاطر وخفض التكاليف على المديين المتوسط والطويل". وأشار إلى أن سقف القروض الخضراء التي يقدمها المكتب يصل إلى 12 مليون جنيه لكل منشأة.
خصصت مصر 10.7 مليار دولار لواردات الغاز الطبيعي المسال والغاز عبر خطوط الأنابيب في العام المالي 2026-2027، بزيادة 26% على أساس سنوي، وذلك بعد أن كلفت واردات الغاز الدولة 2.5 مليار دولار في الربع الأول من عام 2026. وبحسبة بسيطة، سنجد أن كل وحدة غاز يتوقف أحد الأفران عن حرقها تعادل وحدة لن تضطر الدولة إلى استيرادها. ولذا فإن هدف تحسين كفاءة استهلاك الغاز — الذي لا يزال يحظى بتمويل ضعيف — هو بمثابة فرصة ضائعة لتعويض فاتورة تنمو بوتيرة أسرع من الخطة المحددة لتخفيفها.
تطمح المصانع إلى أن يمضي تمويل الطاقة الشمسية إلى أبعد من ذلك. "تمثل الطاقة نحو 60% من تكاليف الإنتاج، لذا نحتاج إلى مبادرات قوية مع البنوك لخفض أسعار الفائدة وزيادة توفر القروض الخاصة بالتحول للطاقة الشمسية"، وفق ما قاله أحد كبار مصنعي السيراميك لإنتربرايز. وأضاف المصدر: "من شأن هذا أن يساعد في تسريع التحول وتقليل الاعتماد على الغاز الطبيعي والكهرباء".
يمكن أن يؤدي خفض استهلاك الطاقة إلى تقليص تكاليف التشغيل وتحسين البصمة الكربونية للمصدرين المصريين. لكن آلية تعديل حدود الكربون التابعة للاتحاد الأوروبي لا تشمل قطاعي السيراميك والأدوات الصحية في الوقت الحالي. ولذلك تعتمد فرص تعزيز الصادرات على استيفاء متطلبات المشترين والاستعداد لمعايير الكربون المرتقبة الأكثر صرامة.
هناك زاوية أخرى أصغر مرتبطة بالتصدير، وتستحق تقييما صحيحا: صدرت مصر منتجات سيراميك بنحو 278 مليون دولار في عام 2025، وفقا لبيانات قاعدة بيانات الأمم المتحدة المجمعة للتجارة، في حين بلغت قيمة صادرات الأدوات الصحية وحدها نحو 152 مليون دولار في 2024، وهو ما يكفي لجعل مصر في المرتبة الـ 11 عالميا بين أكبر مصدري هذه الفئة، والمورد الأكبر لألمانيا بقيمة 36.9 مليون دولار.
رأينا: يبدو أن تصميم هذا البرنامج يحتاج إلى تحسين لاستهداف المكون الأهم؛ فالطاقة الشمسية تحظى بتمويل يدعمها. وفي المقابل، لا يحظى هدف تحسين استهلاك الغاز بالدعم ذاته، برغم أنه سيقلص فعليا فاتورة واردات مصر البالغة 10.7 مليار دولار. وكان هذا هو نفس المسار الذي سلكه صندوق 2018؛ إذ قدم تشخيصا للمشكلة دون توفير رأس مال يتناسب معها. ونظرا إلى أن الطاقة تمثل 60% من تكاليف الإنتاج، فإن وضع حد أقصى للقروض عند 12 مليون جنيه لم يكن أبدا ليمثل حلا كافيا.