هل ورد إلى مسامعكم إمكانية تسجيل الطلاب في مدرسة دولية مرخصة دون الحضور إليها مطلقا، والحصول في النهاية على شهادة أجنبية معتمدة بنصف التكلفة تقريبا؟ يبدو أن هذا هو المنتج الجديد الذي بدأت بعض الأسر المصرية تقبل عليه عبر أكاديميات وسيطة غير مرخصة، حسبما كشفت مصادر لنشرة إنتربرايز. تتولى هذه الأكاديميات قيد الطلاب رسميا في مدارس دولية مرخصة، في حين يتلقون دروسهم في أماكن أخرى دون اشتراط الحضور أو المشاركة في الأنشطة أو الاختبارات. وقد قررت وزارة التربية والتعليم حظر هذا المسار، فيما يواجه التطبيق الفعلي لذلك الحظر أول اختبار حقيقي له مع بداية العام الدراسي الجديد يوم 6 سبتمبر 2026.
يُروج لهذه الممارسات تحت اسم التعليم المنزلي، وهي توفر للأسر بديلا أقل تكلفة للحصول على الشهادات الأجنبية المعتمدة، رغم عدم وجود إطار قانوني لها في مصر. لذا أعلنت وزارة التربية والتعليم عدم قانونية هذه الممارسات وحظرتها تماما.
كان عنصر التكلفة هو المحرك الرئيسي. إذ تقاضت الأكاديميات نحو 60 ألف جنيه سنويا، أي ما يعادل نصف الرسوم التي تفرضها بعض المدارس الدولية تقريبا، مقارنة بأكثر من 100 ألف جنيه في المدارس ذاتها التي يسجل فيها الطلاب، وفق ما كشفه مسؤول بإحدى المدارس الدولية لإنتربرايز. وأتاحت هذه الفجوة السعرية للأسر مسارا أرخص للحصول على الشهادات الدولية، في حين يظل التساؤل قائما حول مدى حصول الطلاب على تعليم مكافئ.
ويبدو أن المدارس المرخصة كانت الأكثر تضررا من هذه الممارسات؛ فقد أدى انتشار هذه الأكاديميات إلى الإضرار بالاستثمار في المدارس المرخصة، التي تتحمل تكاليف تأسيس وتشغيل أعلى، وتخضع لاشتراطات صارمة من الهيئة العامة للأبنية التعليمية، وفق ما قاله بدوي علام، رئيس جمعية أصحاب المدارس الخاصة، خلال حديثه مع إنتربرايز. وأضاف علام: "بعض المدارس قد تقبل تسجيل طلاب من خلال هذه الأكاديميات للحصول على عوائد مالية إضافية، رغم عدم حصول هؤلاء الطلاب على الحد الأدنى من الخدمة التعليمية التي تقدمها المدرسة للطلاب المنتظمين". وأوضح أن إنهاء هذه الممارسة من شأنه إعادة توجيه الطلب إلى المدارس المرخصة ودعم الاستثمار في هذا التعليم الخاص.
الشهادة ذاتها هي الضحية الأخرى: في تعليقه لإنتربرايز، قال صابر عمران، رئيس مجلس إدارة مدارس العمران الحديثة للغات، إن "الطالب غير المنتظم في الدراسة يحصل على درجات مرتبطة بأعمال السنة والحضور، رغم عدم تلقيه الخدمة التعليمية نفسها التي يحصل عليها الطالب المنتظم، مما يضر بسمعة التعليم الدولي في مصر". ورحب عمران بقرار الوزارة وقف هذه الممارسات.
"نظام مواز يديره وسطاء": في تعليق لإنتربرايز، وصف تامر شوقي، الخبير التربوي وأستاذ التربية بجامعة عين شمس، هذه الممارسة بأنها تعليم مواز تقدمه أكاديميات وسيطة غير مرخصة، يتيح للأسر الحصول على شهادات معتمدة دون حضور يومي أو تقييمات. وأضاف شوقي أن "ارتفاع مصروفات المدارس الدولية سنويا، مقارنة بتكلفة الأكاديميات، كان أحد العوامل التي ساعدت على انتشار هذه الممارسات خلال السنوات الماضية".
لا أحد يستطيع تحديد حجم هذه الظاهرة بدقة؛ فلا يوجد نظام رسمي لهذا النمط من التعليم المنزلي في مصر، وفق ما أكدته المصادر لإنتربرايز. كما لا توجد أرقام رسمية حول عدد الطلاب الذين سلكوا هذا المسار، إذ جرى قيدهم طلابا منتظمين رغم أن تجاربهم التعليمية الفعلية كانت مختلفة تماما.
سلطت إنتربرايز الضوء على هذه السوق الموازية في عام 2021؛ فحينها، وقبل أن تعترف مصر بالتعليم المنزلي رسميا، كانت بعض المدارس تسمح للطلاب بالدراسة من المنزل وأداء الامتحانات داخل الحرم المدرسي.
تحذيرات متكررة وقرارات تنظيمية: كرر وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف تحذيراته خلال اجتماع مع جمعية المدارس الدولية في مصر، كما فرض قيودا على التحويلات المباشرة إلى مسار التعليم الدولي خلال المراحل المتأخرة. كذلك سلطت إنتربرايز الضوء على التفاصيل الكاملة للاجتماع في أواخر يوليو الماضي، عندما كانت حزمة القرارات الخاصة بتنظيم المصروفات الدراسية هي الموضوع الرئيسي.
إجراءات صارمة على الورق: تدعم الوزارة هذه الحملة من خلال زيارات ميدانية للمدارس، ضمن حزمة أوسع أوضحها الرئيس التنفيذي لشركة إديوهايف كريم مصطفى خلال حديثه مع إنتربرايز، عقب اجتماع جمعية المدارس الدولية. وفي سياق متصل، كشفت مصادر إنتربرايز أن إحدى اللجان حصرت قائمة بالمدارس المخالفة لقواعد القيد، مع فرض عقوبات تصل إلى إلغاء الترخيص في حال تكرار المخالفة. ونقل مصطفى عن عبد اللطيف تأكيده خلال الاجتماع أن نظام التعليم المنزلي "غير مسموح به نهائيا، وأن المدارس الدولية وافقت على الالتزام بهذا التوجه ضمن إجراءات أخرى تستهدف ضبط منظومة التعليم الدولي".
وفضلا عن الحظر، تعيد الوزارة تنظيم منظومة القيد بالكامل. إذ لا يقتصر الأمر على إيقاف الدراسة خارج المدرسة بدون تراخيص، بل ربط القيد مباشرة بالحضور الفعلي واستحقاق الشهادة. وبدءا من العام الدراسي 2026-2027، يُحظر تماما تحويل طلاب الصف الثاني عشر إلى المدارس الدولية، على أن يمتد الحظر إلى الصف الحادي عشر في العام التالي، وفق بيان الوزارة الصادر في 14 يوليو. بهذا لم يعد القيد الصوري وسيلة مختصرة للحصول على شهادة أجنبية.
الخطوة التالية: سيتضح الاختبار الحقيقي لمدى جدية هذه الإجراءات مع بداية الفصل الدراسي في الخريف؛ فإما أن تترجم الوزارة عملية حصر المدارس المخالفة إلى إجراءات فعلية عبر إلغاء تراخيص مرتكبي التجاوزات، أو أن تنظم هذه السوق الموازية أوراقها مجددا تحت مسمى جديد. ومع وجود آلاف المدارس، يظل الإشراف والمتابعة هما المهمة الأصعب، التي ستحدد ما إذا كان هذا القرار سياسة فعلية أم مجرد بيان صحفي.