☕ يمر سوق القهوة العالمية بحالة من الفائض الضخم في المعروض خلال العام الجاري، إذ أدى زيادة المحصول في البرازيل — والذي يتوقع وصوله إلى نحو 76 مليون كيس بحلول العام المقبل — إلى هبوط حاد في الأسعار العالمية للسلعة. في أي سوق أخرى، كان من المفترض أن نشهد بداية عهد القهوة الرخيصة، لكن في مصر حيث تضاعف متوسط استهلاك الفرد من القهوة بين عامي 2017 و2021، لا يزال الواقع مختلفا تماما.
بالنسبة لشركات تحميص القهوة المصرية، لا يعد هذا الانخفاض العالمي إشارة لخفض أسعار البيع، بل يمثل طوق نجاة لإعادة بناء ميزانيتها التي تضررت جراء تقلبات العملة والأزمات اللوجستية السابقة. ورغم الفائض البرازيلي، تظل أسعار التجزئة المحلية ثابتة عند مستويات مرتفعة، مع إعطاء أصحاب الأعمال الأولوية لاستعادة هوامش الربح والاستثمار في الجودة بدلا من الانخراط في حرب الأسعار.
حاورنا مؤسس شركة ريتشوال كوفي، حسين بهجت (لينكد إن)، للوقوف على أهم تطورات مشهد صناعة القهوة في مصر. فمن خلال عمله في توريد البن لكبرى العلامات التجارية وتقديم الاستشارات عبر أكاديمية ريتشوال، يرى بهجت أن الأزمة الحقيقية لا تتعلق بأسعار البن العالمية، بل بسلامة واستدامة المنظومة ككل. ناقشنا كذلك تأثير تقلبات إنتاج البرازيل ولماذا لا يترجم انخفاض الأسعار العالمية إلى انفراجة محلية، ولم يتوقع أن تنطلق الموجة التالية الشاهدة على نمو السوق في مصر محليا.
إنتربرايز: ما هو حجم الأثر الفعلي الذي قد تلمسه الشركات المصرية من هذا التراجع العالمي في أسعار البن؟
بهجت: على عكس السنوات الماضية، قد يترجم أثر تراجع الأسعار العالمية هذه المرة بصورة مباشرة هذه المرة. تتمتع السوق المصرية بديناميكيتها الخاصة في تسعير البن الأخضر، والتي تنفصل أحيانا عن المؤشرات العالمية، فعندما تهبط الأسعار العالمية، يميل الموردون المحليون غالبا إلى الاحتفاظ بالمخزون بدلا من البيع بخسارة، وهو ما يؤدي إلى نقص في المعروض يرفع الأسعار محليا رغم تراجع الأسعار العالمية.
ولكن إذا انخفضت الأسعار عالميا بنسبة تتراوح بين 10% إلى 20%، قد تشعر شركات التحميص المصرية بانفراجة واقعية بنسبة تتراوح بين 6 إلى 8% فقط على مستوى الجملة، بعد مراعاة تقلبات أسعار الصرف وديناميكيات السوق المحلية وعوامل سلاسل التوريد. كان العام الماضي كارثيا على هوامش الربح، لذا فإن أي تحسن في عام 2026 هو بمثابة مرحلة تعاف وليس أرباحا استثنائية.
إنتربرايز: كيف تستعد ريتشوال للاستفادة من الانخفاض المحتمل في تكاليف الإنتاج؟
بهجت:نحن نستثمر دائما في الابتكار وتحسين عمليات التوريد وتحديث الآلات، كما نخطط حاليا للتوسع في أتمتة عملياتنا بهدف تحسين كفاءة التشغيل وتقديم خدمة أفضل لعملائنا. كما نركز هذا العام على المنتجات الموجهة للمستهلكين، والبناء على أفكار سابقة مثل صندوق هدايا عيد الميلاد، إلى جانب دراسة طرح منتجات القهوة الجاهزة للشرب وغيرها. أما بالنسبة لخفض الأسعار، فهو أمر غير واقعي في الوقت الحالي، إذ أن تقلبات العام الماضي قد عصفت بهوامش الربح تماما، وما زلنا في مرحلة التعافي.
إنتربرايز: إذا انخفضت تكاليف البن الأخضر، فأين ستتجه هذه الهوامش الربحية في رأيك؟
بهجت: ستتجه نحو التعافي، لقد كان العام الماضي صعبا، وأي تحسن في الهوامش سيخصص لإعادة بناء الأعمال. ففي هذا القطاع، بعض السنوات تكون قوية جدا، وبعضها يكون صعبا للغاية، لذلك عليك الانتظار والتحليل بدقة قبل التفاعل مع تقلبات الأسعار. إذا استمر المصنع في تغيير أسعاره، سيفقد العملاء ثقتهم به، لأن استقرار السعر هو الأساس. ولا أتوقع أن يخفض أي مصنع أسعاره إلا إذا بادرت الشركات الكبرى بهذه الخطوة، وهو أمر أستبعد حدوثه، لأن المستهلك إذ اعتاد على مستوى سعري معين، يميل إلى الثبات عليه.
إنتربرايز: إذا انخفضت الأسعار، هل تتوقع دخول موجة من المنافسين الجدد إلى سوق التحميص أو المقاهي في مصر؟
بهجت:لم يعد دخول السوق معقدا كما كان قبل خمس سنوات، إذ يتوفر الآن موردون متميزون وموزعون للآلات وأكاديميات مثل أكاديميتنا، هذه البنية التحتية لم تكن موجودة من قبل. لذا نعم، أعتقد أن كثيرين سيدخلون السوق، ولكن التحدي الحقيقي يكمن في الاستمرار والبقاء في السوق وليس الدخول فيها، إذ لا تخفق المشروعات بسبب جودة القهوة التي تقدمها، إنما بسبب عجزها عن تحديد ميزتها التنافسية.
الفرص الواعدة في كل ركن: تتجاوز الفرص مجرد فكرة فتح مقاهي جديدة، بل تمتد لتشمل المنافسة في قطاعات التحميص وتجارة البن الأخضر والمرافق الأكاديمية وغيرها. كما لم يعد الأمر مقتصرا على القاهرة وحدها، إذ نشهد حاليا ظهور نماذج أعمال قوية في مدن أخرى، إذ بدأت ثقافة القهوة المختصة تنتشر تدريجيا وبثبات في جميع أنحاء مصر.
إنتربرايز: في حال دخول المزيد من رواد الأعمال إلى سوق القهوة المختصة المتنامي في مصر، أي من خدماتكم تتوقع أن تشهد الطلب الأكبر؟
بهجت: يحتاج الوافدون الجدد عادة إلى معرفة عامة حول القهوة في البداية، ثم تأتي مرحلة بناء المفهوم والتوصية بالمعدات والآلات المناسبة وتدريب الباريستا، قبل الوصول أخيرا إلى مرحلة توريد القهوة. غالبا ما يبدأ الرواد الجدد بشراء القهوة منا فحسب، ثم الانضمام لبعض الدورات التدريبية، وفي النهاية تدريب فرقهم بالكامل معنا، إذ تتيح الأكاديمية للأفراد تعلم التفاصيل التقنية الحقيقية لصناعة قهوة ممتازة.
إنتربرايز: ما هي أكبر مخاوفك التي قد تعرقل هذه التوقعات المتفائلة؟
بهجت:تظل العوامل الجيوسياسية بمثابة تهديد دائم، كما تمثل تقلبات أسعار الصرف مصدر قلق مستمر، إلا أن البرازيل تظل العامل الأهم والأكثر تأثيرا. فمن الحقائق الثابتة أنه عندما تتحسن زراعة البن في البرازيل، ينعم الجميع بآثار ذلك. وقد تراجع محصول بن أرابيكا البرازيلي لموسم 2026/2025 بنحو 13% على أساس سنوي متأثرا بموجات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة. ونراقب حاليا عن كثب موسم 2027/2026، فإذا جاءت معدلات هطول الأمطار دون التوقعات مرة أخرى، فإن الانفراجة السعرية التي يتوقعها الجميع لن تتحقق على أرض الواقع.
يؤثر أي اضطراب في البرازيل على الجميع، وقد رأينا ذلك في عام 2025 عندما وصلت الرسوم الجمركية الأمريكية على القهوة البرازيلية مؤقتا إلى 50%، ما أدى إلى إعادة تشكيل تدفقات الإمدادات العالمية ورفع أسعار المصادر البديلة التي نشتري منها أيضا، ورغم إلغاء تلك الرسوم لاحقا إلا أن القلق من التكرار يظل قائم دائما.
إنتربرايز: إذا شهد عام 2026 انفراجة في تكاليف الإنتاج، فبماذا تنصح شركات التحميص المصرية؟
بهجت: الجودة، دون أدنى شك. عندما تنخفض تكاليف الإنتاج، فإن أذكى ما يمكن لشركات التحميص فعله هو الاستثمار في آلات تحميص أفضل، وفي تقنيات أكثر تطورا وعمليات مراقبة جودة أكثر دقة، وحبوب بن ذات جودة أعلى. لا يجب استغلال هذه الانفراجة في خفض الأسعار أو التوسع المفرط، بل في تقديم منتج أفضل.
نصيحتي هي: عزز علاقتك مع موردك، وكن واضحا بشأن حجم استهلاكك، والأهم من ذلك استثمر في قهوة أفضل لأن المستهلك يلاحظ هذا الفارق. لا تبحث عن أفضل سعر، بل ابحث عن أفضل قيمة.
إنتربرايز: هل تتوقع زيادة إقبال المصريين على الاستثمار في مهارات الباريستا ومعدات التحضير المنزلي؟
بهجت:يشهد مجال التحضير المنزلي للقهوة نموا متسارعا، فالكثير من غير مفضلي القهوة في السابق أصبحوا الآن من عشاقها، وأعتقد أن السنوات المقبلة ستشهد إقبالا متزايدا على تحضير القهوة في المنزل. الأمر أشبه بتناول الطعام في الخارج، فأنت لا تتناول كل وجباتك في المطاعم بل تطهو في منزلك وتستمتع بذلك، والقهوة تسير في هذا الاتجاه أيضا.
ونخطط في أكاديمية ريتشوال لتلبية هذا الطلب، من خلال توسيع الجانب التعليمي في أعمالنا وتنظيم المزيد من الدورات التدريبية وورش العمل الموجهة للمستهلك النهائي هذا العام.
إنتربرايز: كيف تطور مشهد القهوة المختصة في مصر منذ أن بدأت عملك؟
بهجت:بدأت رحلتي قبيل جائحة كوفيد-19 مباشرة، عندما كان قطاع القهوة المختصة لا يزال في بدايته. ومنذ ذلك الحين، شهدنا تحولا جذريا، إذ نما الوعي بالثقافة الجديدة للقهوة بشكل هائل لتصبح ركنا أساسيا في نمط حياة الشباب، حتى بدأت المقاهي الحديثة تحل محل مقاهي الشيشة التقليدية كوجهة للتجمع الاجتماعي.
ومع انحسار الجائحة، انفجر حجم الطلب الاستهلاكي والإنتاج المحلي على حد سواء، ما أغرى كبار اللاعبين في قطاع الأغذية والمشروبات لدخول هذا المجال. واليوم، أصبح المستهلك المصري أكثر وعيا وتمييزا بين مذاق القهوة التجارية التقليدية، وتجربة القهوة المختصة.
** لقراءة القصة كاملة مصحوبة بكل الروابط، اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى **
مرتبط