Posted inإنتربرايز تشرح

مصر ترغب في أن يكون الجنيه قابلا للتحويل والإيداع بالبنوك خارج البلاد خلال خمس سنوات.. فما الذي يجب أن يتغير؟

ترغب مصر في أن يكون الجنيه "قابلا للتحويل قانونيا" خارج البلاد، ما يعني إمكانية مبادلته خارج حدودنا وإيداعه في حسابات بنكية بالخارج، وفقا لما قاله محافظ البنك المركزي المصري حسن عبد الله خلال منتدى مصر 2026 أواخر الشهر الماضي (شاهد، 15:23 دقيقة). ويرى عبد الله أن هذا الهدف قابل للتحقيق خلال خمس سنوات، لكن سرعة الوصول إليه تعتمد على مدى احتياج العالم إلى شراء السلع والخدمات المصرية، ومدى ثقة المستثمرين في العملة. وفيما يلي نوضح المعنى العملي لقابلية التحويل، وما ينبغي تغييره لتحقيق ذلك.

لو سافرت إلى مطار هيثرو وبحوزتك 100 جنيه، يمكنك مبادلتها هناك، لكن هذا ليس متاحا "في كل مكان بلندن"، حسبما قال هاني جنينة، رئيس قطاع البحوث في شركة الأهلي فاروس، لنشرة إنتربرايز الصباحية. ويضيف جنينة أن هناك عددا محدودا من المنافذ التي تقبل تحويل الجنيه، وهي الأماكن التي تتعامل مع عملاء مستعدين لحيازته، موضحا أن هذا هو الفارق بين العملات المتداولة بكثرة والعملات الشحيحة.

وفي المقابل، يتجسد النقيض التام في "عملات الاحتياطي العالمي" الخمس، أي الدولار واليورو والجنيه الإسترليني والين واليوان، وفقا لجنينة، موضحا أن تلك العملات يمكن استخدامها في أي مكان لشراء السلع والخدمات والأصول المالية، وهي الأغراض الثلاثة لأي عملة. وتشكل هذه العملات الخمس السلة التي تدعم حقوق السحب الخاصة لدى صندوق النقد الدولي. ويضيف جنينة أن حقوق السحب الخاصة ليست عملات مادية بحد ذاتها، وإنما توجد فقط في الدفاتر المحاسبية للصندوق.

يقسم الاقتصاديون هذه الفكرة إلى مصطلحين مترابطين؛ أحدهما هو "قابلية التحويل" الذي يشير إلى "القدرة على مبادلة عملة بأخرى وتحويل الأموال في ظل منظومة مستقرة واضحة"، حسبما قال إسلام مجدي، الخبير الاقتصادي ومحلل الاقتصاد الكلي، لنشرة إنتربرايز الصباحية. أما الآخر فهو "تدويل العملة"، الذي ينتقل بها إلى مستوى أوسع نطاقا يشمل "استخدامها في تسوية المعاملات التجارية والمالية عبر الحدود، وربما كوعاء لحفظ القيمة خارج اقتصادها المحلي"، حسبما أضاف مجدي، معتبرا أن تطلعات المُحافظ الطامحة إلى تحقيق هذا الهدف خلال خمس سنوات بمثابة "توجه مستهدف للسياسات، وليس دليلا على تحقيق قابلية التحويل أو التدويل بالكامل".

💡 تنقسم قابلية التحويل الكاملة إلى شقين: الشق الأول هو قابلية التحويل المرتبطة بمعاملات الحساب الجاري (أي السلع والخدمات) وهو الشق الذي يتولى صندوق النقد الدولي تنظيمه والإشراف عليه، فبموجب المادة الثامنة، لا يجوز لأي دولة عضوة فرض قيود على المدفوعات والتحويلات الخاصة بالمعاملات الدولية الجارية دون موافقة الصندوق. أما الشق الثاني، فهو قابلية التحويل المرتبطة بحساب رأس المال، أي السماح للأموال الأجنبية بالاستثمار في الأصول المحلية والتخارج منها، وهو جانب منفصل تسمح فيه قواعد الصندوق للأعضاء بفرض قيود على حركة رأس المال (المادة السادسة، القسم الثالث). وهنا يضرب جنينة مثلا بالصين، التي تتيح قابلية التحويل لأغراض الحساب الجاري، بينما لا تزال تفرض قيودا على حركة رأس المال.

ما الذي يجعل العملة قابلة للتحويل؟

أولا، يجب أن يكون عليها طلب عالمي: إذ يوضح جنينة أن هذا يتطلب "شيوعها في جزء كبير من التعاملات العالمية"، مشيرا إلى أن العالم يقبل على التعامل بأي عملة لسبب واحد رئيسي، وهو ضخامة حجم تجارة الدولة المصدرة لها، وعلى رأسها الصادرات. ويضيف أنه كلما اتسعت القاعدة التصديرية للدولة، زاد عدد الدول التي تستورد منها، ومن ثم تتزايد حاجتها إلى تلك العملة.

ثانيا، يجب أن تحظى بثقة المستثمرين: "لا يحتاج المستثمرون بالضرورة إلى سعر صرف ثابت، بل يحتاجون إلى ضمان أن إطار السياسات سيظل واضحا وغير متقلب حتى في أوقات الأزمات"، بحسب مجدي، مضيفا أن الحق القانوني في تحويل الأموال ليس له قيمة إلا إذا "أمكن تنفيذ تلك التحويلات فعليا وفق ضمانات يمكن التعويل عليها، حتى خلال فترات الضغط على سوق الصرف الأجنبي". ويشير إلى أن أبرز مثال على ذلك هو أزمة شح العملات الأجنبية في مصر خلال الفترة من 2022 إلى 2024، والسوق الموازية التي رافقتها.

ثم نأتي إلى الطلب من جانب المستثمرين؛ فالمستثمر الأجنبي الراغب في دخول البورصة المصرية أو شراء أذون الخزانة أو السندات يتعين عليه أن يحول أمواله إلى الجنيه أولا، نظرا إلى أن هذه الأصول مقومة بالجنيه. ويوضح جنينة أن الاقتصاديين يطلقون على هذه الحالة مصطلح "الطلب المشتق"، مضيفا: "الأصول التي يقبل عليها المستثمرون هي أصول مصرية، لذا يتعين عليهم تحويل أموالهم إلى الجنيه لشرائها". ومن ثم، فإن وجود سوق ضخمة بما يكفي لأذون الخزانة والسندات والأسهم كفيل بخلق طلب تلقائي على الجنيه.

لماذا ترغب الدولة في ذلك؟

تحتفظ العملة القابلة للتحويل بقيمتها، وهو ما يصفه جنينة بأنه يمثل "بديلا للذهب"، مضيفا أن ما يدعم المكانة الدولية للعملة هو "ألا تنخفض قيمتها بمرور الوقت"، غير أن ذلك يستلزم انضباطا نقديا وانخفاض التضخم. ويشير جنينة إلى أن وجود طلب عالمي كاف سيضمن لكل بائع أن يجد مَن يشتري منه، في حين تنهار العملة عندما تتصاعد الشكوك الناس تجاه السياسة النقدية الداعمة لتلك العملة، ليجد البائع نفسه دون أي مشترٍ على الطرف الآخر.

كما سيؤدي ذلك إلى خفض تكلفة الاقتراض: يثق المقرضون في العملة التي يمكنهم تداولها بسهولة كما يثقون في عملات الاحتياطي المذكورة أعلاه، لذا لا يفرضون علاوة كبيرة لتعويض احتمالية انخفاض القيمة. فضعف التداول على الجنيه يجعله محملا بعلاوة إضافية للتحوط ضد انخفاض قيمته، مما يعني أن كل مستثمر أجنبي يضع في الحسبان احتمالية تراجع سعر العملة. وفور زوال هذه العلاوة، "يمكننا الاقتراض بتكلفة أرخص بكثير في الأسواق الدولية"، وفقا لجنينة.

وسيحد أيضا من اعتماد مصر على الأموال الساخنة: لا تمثل الأموال الساخنة مشكلة بالضرورة لأنها تجذب تدفقات إلى أدوات الدين المحلية، بحسب مجدي. لكن الخطر يكمن في "الاعتماد الهيكلي على هذه التدفقات كمصدر للعملة الصعبة"، لأن "الاقتصاد حين يبالغ في الاعتماد على رأس المال الأجنبي قصير الأجل، فإنفإن التخارج المفاجئ لتلك التدفقات قد يفرض ضغوطا على سعر الصرف والاحتياطيات والأوضاع المالية المحلية". لذا يتمثل الهدف في أن تكون هذه التدفقات "مكملة لمصادر أكثر استدامة لعائدات العملات الأجنبية، كالصادرات والاستثمارات الأجنبية المباشرة في القطاعات الإنتاجية وتحويلات العاملين بالخارج، وليست بديلا لها"، وفقا لمجدي.

ويؤكد جنينة أن عمق السوق يمثل عاملا مهما أيضا. إذ يوضح قائلا: "عندما يخرج مليار أو مليارا [دولار]، فإن ذلك يهز سعر الصرف بنسبة 5% أو 6%"، أما في سوق التعاملات ما بين البنوك التي تتسم بعمق أكبر، فلا يتأثر السعر بخروج نفس هذه المبالغ.

لكن هذا لا يعني أن مصر ستستغنى عن العملة الخضراء. فقابلية التحويل أو التدويل لن تؤدي تلقائيا إلى تقليص الاحتياج الأساسي إلى الدولار في مصر، بحسب مجدي. فالدولة ستظل بحاجة إلى العملات الأجنبية للاستيراد وسداد الديون والالتزامات الأخرى، إلا أن التوسع في استخدام الجنيه قد يقلل من تكاليف التحويل والحاجة إلى عملة وسيطة في بعض المعاملات، وفقا لمجدي، مضيفا أن "الفارق الرئيسي بين تقليل استخدام الدولار كعملة وسيطة وتقليص حاجة الاقتصاد الأساسية إلى العملات الأجنبية يكمن في أن الأول ممكن في معاملات محددة، في حين يتوقف الثاني على تعزيز التوازن الخارجي وضمان تدفقات مستدامة من النقد الأجنبي."

هل تمتلك مصر المقومات اللازمة؟

"الأمر ممكن، ولكن يجب أن يحقق اقتصادنا نموا قويا"، وفقا لجنينة. فعلى صعيد الصادرات، يجب أن تسارع مصر الخطى حتى تصل أحجام صادراتها إلى ما بين 100 و150 مليار دولار. أما على صعيد الأسواق، "فيجب أن نطرح المزيد من الشركات في البورصة"، بحسب جنينة. وخلال العام المالي 2025-2026، ارتفعت صادرات مصر غير البترولية إلى 37.3 مليار دولار، بزيادة 7.8% مقارنة بنحو 34.6 مليار دولار في العام السابق، بينما ارتفعت الصادرات البترولية إلى 6.6 مليار دولار. كما سجلت مصر فائضا صافيا في ميزان الخدمات بلغ 16.7 مليار دولار.

أما فيما يخص أسواق المال، فيبدو التقدم المحرز أكبر؛ إذ تستوعب سوق الدين المحلي بالفعل أغلب التدفقات "وإن كان لها سقف معين"، وفقا لجنينة، في حين أن سوق الأسهم لديها "حيز واسع للنمو". ويرى جنينة أن الثمرة المرجوة هنا هي خلق طلب فعلي يحفز إقبال المستثمرين الأجانب على حيازة الجنيه لشراء السلع المصرية وسداد رسوم قناة السويس، والإنفاق على السياحة، واقتناص الأسهم وأدوات الدين.، بحسب جنينة. ويرى أن إحراز تقدم جزئي نحو قابلية التحويل بات في المتناول، في حين أن تحقيق قابلية التحويل الكاملة "عادة ما تستغرق وقتا وتتطلب سرعة في تنفيذ الإجراءات اللازمة".

ويتمثل المحك الآخر في مدى إمكانية حيازة الجنيه وتداوله في الخارج، وهي الآلية الكامنة وراء فكرة "الحسابات البنكية بالخارج" المذكورة في مقدمة الخبر. وهنا يبدي مجدي حذرا واضحا؛ إذ يرى أن ظهور سوق خارجية لتداول الجنيه "قبل ترسيخ مصداقية سوق الصرف الأجنبي المحلية بقوة" قد "يكشف عن فروق بين سعر الصرف الرسمي وتوقعات السوق، ويفاقم تخارج رؤوس الأموال خلال فترات الأزمات، ويزيد الضغط على احتياطيات العملات الأجنبية". ويكمن جوهر تخوفه في التعاقب الزمني للخطوات، إذ يرى أن وجود سوق خارجية يجب أن يكون ""ثمرة لتعزيز قوة مؤسسات السوق المحلية، وليس بديلا لها".

رأينا: العملة القابلة للتحويل هي العملة التي يقبل العالم استخدامها في مقابل الحصول على السلع والخدمات والأصول المالية. ويأتي هذا القبول نتيجة لزيادة الصادرات وتعزيز عمق أسواق رأس المال. أما أمان حيازة العملة، فيعتمد على ضمان قدرة المستثمرين على بيعها بسلاسة، حتى خلال أوقات شح العملات الأجنبية. ويمكن لمصر تحقيق هذا الهدف، لكنها تحتاج إلى زيادة حجم صادراتها، وتعزيز الطلب عليها، فضلا عن سياسات مستقرة واضحة، وتضخم منخفض، وزيادة الثقة. لكن المقابل هنا قد يمس قدرة الدولة على تحديد من من يحصل على النقد الأجنبي ومن يوضع على قوائم الانتظار؛ فالعملة التي يمكن لأي شخص حيازتها وتداولها بالخارج لا يمكن إخضاعها لسياسة التقنين وتوزيع الحصص التي طبقتها مصر على الدولار في أزمات الشح السابقة.