تشهد مصر تحولين أخضرين يتقدمان بوتيرتين مختلفتين. الأول جذب استثمارات بالمليارات ومضى بخطى سريعة، من خلال مجمعات الطاقة الشمسية ومحطات الرياح ومشاريع الطاقة النظيفة في الصحراء. أما الثاني فيعتمد على ملايين القرارات الفردية التي اتسمت بالبطء إلى حد ما. فما الذي يفسر هذا الفارق في الوتيرة؟ وما الذي قد يقرب بين المسارين؟
يكمن جزء من الإجابة في طريقة تنظيم كل تحول منهما؛ يحتاج مجمع الطاقة الشمسية إلى أرض وتمويل ومطورين، وإلى الربط بالشبكة القومية، وإلى مشتر للكهرباء التي ينتجها، وبمجرد تشغيله يواصل إنتاج الكهرباء سواء عرف مستهلكوها مصدرها أم لا. أما إقناع الأسر بإعادة التدوير أو ترشيد استهلاك الكهرباء فيتطلب وعيا وحوافز وخدمات ميسرة، وأشخاصا مستعدين لتغيير ممارساتهم اليومية. وهذا يجعل المشاريع المركزية أسهل في تنظيمها وتمويلها وقياس نتائجها.
بعض هذه العادات جزء بالفعل من حياة الأسر في مصر، وفقا لما قالته سناء شريف، الأخصائية الاجتماعية والبيئية، في تعليقاتها لنشرة إنتربرايز. إذ اعتادت الأسر منذ زمن طويل إعادة استخدام الأكياس البلاستيكية والحاويات الزجاجية، وتبريد المياه في القلل الفخارية، غير أن تغير أنماط الحياة والبحث عن الراحة غيرا كثيرا من هذه العادات، بحسب شريف، التي قالت إن "السلوكيات المستدامة ترسخت في الحياة اليومية للمجتمعات المصرية على مدى أجيال، حتى وإن لم نكن ندرك بالضرورة أنها ضرب من الاستدامة".
وتوفر هذه العادات المال أيضا. إذ ترى شريف أن الإصلاح وإعادة الاستخدام وإعادة التوظيف كلها عادات تجنب الأسر المشتريات غير الضرورية وتطيل عمر المواد، وأن هذه القيمة راسخة بالفعل في طريقة معيشة المجتمعات. وهناك مجال أمام الشركات للبناء عليها، فبوسعها بيع حلول توفير الطاقة، ويمكن لمنصات إعادة التدوير تحويل المخلفات إلى مصدر دخل، كما يمكن للمطورين الترويج لانخفاض فواتير المرافق.
يستجيب الناس للحوافز، وهو ما يدرسه الاقتصاديون منذ عقود. فقد رأى الاقتصادي جاري بيكر الحائز على جائزة نوبل أن الناس يوازنون بين التكاليف والمنافع في قراراتهم اليومية، وليس فقط مواقف البيع والشراء. ومطالبة الملايين بتغيير عاداتهم بدافع مصلحة الكوكب ليست بالأمر السهل، ففرز القمامة يتطلب وقتا، والتكلفة المبدئية للأجهزة الموفرة للطاقة غالبا ما تكون أعلى، لذا يحتاج الناس إلى سبب واضح يدفعهم لتحمل عناء تلك القرارات.
هل تريد إقناع المصريين بالتحول الأخضر؟ عليك أن توفر لهم المال. فالناس لن يتحمسوا لشراء مكيفات الهواء الموفرة للطاقة فقط لأنها تقلل الانبعاثات، لكن انخفاض استهلاكها للكهرباء قد يوفر لهم سببا للتفكير في الأمر. وينطبق الأمر نفسه على إعادة التدوير، فالاحتفاظ بالكرتون والبلاستيك والخردة سيصير سهلا إن وجد الناس من يدفع لهم سعرا واضحا وثابتا مقابلها، مما يستلزم أن تصبح عمليات الجمع رسمية وميسرة ومجزية للجميع. والسيارات الكهربائية مثال جيد على ذلك، إذ يستند ملاكها في الدفاع عن قرار شرائها بالأساس إلى ما يوفرونه من تكاليف الوقود والصيانة، كما نستعرض في عدد اليوم.
لا يعني أي من ذلك أن على مصر التوقف عن بناء مشاريع الطاقة المتجددة العملاقة، بل العكس. فمن اللازم توفير كهرباء أنظف وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري وتطوير البنية التحتية الجديدة للطاقة، وكل هذه المساعي لها قيمة اقتصادية حقيقية تتمثل في خفض فاتورة الواردات وبناء سلاسل التوريد المحلية. لكن إنتاج الكهرباء النظيفة لا يعني بالضرورة تحقيق التحول الأخضر في الاقتصاد، إذ يمكن للدولة زيادة قدرات الطاقة المتجددة بينما تواصل الأسر إهدار الكهرباء، وتغفل الشركات عما يمكن أن توفره من زيادة كفاءة الطاقة، وينتهي المطاف بالمواد القابلة لإعادة التدوير في مكبات النفايات. ولأوجه القصور هذه تكلفتها، إذ تضغط على منظومة الكهرباء، وتهدر القيمة التجارية التي يمكن جنيها من المخلفات.
نجحت مصر في جعل البنية التحتية الخضراء جذابة للمستثمرين، والخطوة التالية هي أن تصبح الاستدامة مجزية لبقية الناس. وهذا يعني تسهيل إعادة التدوير، وانعكاس كفاءة استهلاك الطاقة على الفواتير، وتوفير خيارات أكثر مراعاة للبيئة تعود بالنفع على أصحابها. فبالنسبة لمعظم الأسر، السؤال الذي تحسم به قراراتها سؤال بسيط، يتعلق بما ستجنيه من تلك الممارسات.