ستحصل الخزانة العامة على حصة قد تصل إلى نصف حصيلة الطرح العام الأولي لبنك القاهرة، البالغة 36.37 مليار جنيه (نحو 658 مليون دولار)، لتوجهها نحو "خفض الدين العام وتخفيف الفجوة التمويلية من مصادر إيراد حقيقية"، وفق ما قاله مسؤول حكومي بارز لنشرة إنتربرايز الصباحية. ويعادل ذلك نحو 18.2 مليار جنيه (نحو 329 مليون دولار). وأوضح المسؤول أن حصيلة الطرح ستؤول أولا إلى بنك مصر، المالك لبنك القاهرة، ثم تتولى وزارة المالية التسوية. وأغلق سهم البنك المملوك للدولة مرتفعا بنسبة 0.19% في ختام أول أيام تداوله أمس، وذلك بعد طرح عام أولي تاريخي شهد إقبالا قويا من المستثمرين المؤسسيين الأجانب والأفراد، رغم الحرب الإقليمية الدائرة وموجة البيع التي هيمنت على البورصة المصرية لأسابيع.
غير أن اقتناص نصف الحصيلة ليس مقتصرا على عائدات طرح بنك القاهرة؛ فقد وافق مجلس الوزراء على منح وزارة المالية نصف حصيلة الطروحات الحكومية عموما، حسبما أضاف المسؤول. وتعتبر الوزارة هذا البرنامج وسيلة لخفض نسب المديونية في قطاع الموازنة العامة دون تحمل تكاليف فوائد إضافية، مع تقليص الاعتماد على الاقتراض التقليدي لسد الفجوة التمويلية.
تذكر: باع بنك مصر 6.86 مليار سهم، بواقع 45% من أسهم بنك القاهرة، مقابل 36.37 مليار جنيه (نحو 658 مليون دولار)، في أكبر طرح عام أولي تشهده البورصة المصرية منذ عقد على الأقل، وأول تخارج من أصول الدولة تنفذه الحكومة عبر طرح عام منذ عامين. وتعهدت أربعة صناديق أجنبية بضخ 256 مليون دولار قبل فتح باب الاكتتاب، قبل أن ينضم البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية ومؤسسة التمويل الدولية في وقت لاحق. وفي المجمل، بلغت طلبات المؤسسات نحو 205.8 مليار جنيه، لتغطي الطرح الخاص بواقع 5.95 مرة، أو 19.79 مرة باستبعاد المستثمرين الرئيسيين. فيما تمت تغطية شريحة الأفراد بواقع 27 مرة.
يعد هذا الطرح ثاني أكبر صفقة خصخصة عبر الطرح العام في تاريخ مصر، وفق ما ذكرته "إي إف جي هيرميس"، المنسق العالمي المشترك للطرح، في بيان (بي دي إف) أمس. ووصف ماجد العيوطي، الرئيس المشارك لقطاع الترويج وتغطية الاكتتاب بالشركة، الطرح بأنه مؤشر على "العمق المتزايد لأسواق رأس المال المحلية، وتجدد إقبال المؤسسات الأجنبية على الأصول المصرية من الفئة الأولى". كما ذكرت "إي إف جي" أن لديها المزيد من الطروحات المدرجة على جدول أعمالها قبل نهاية العام وأوائل عام 2027.
يأتي هذا الطرح فيما تستعد الحكومة للمراجعة الأخيرة قبل انتهاء برنامج صندوق النقد الدولي في 15 ديسمبر، كما ذكرنا في عددنا الخاص أمس. ويعد التخارج من الأصول الحكومية من بين متطلبات البرنامج، لذا أعلنت الحكومة في مارس الماضي خطتها لإدراج أو بيع حصص في 20 شركة حكومية على الأقل، مستهدفة جمع عائدات تتراوح بين 3 و4 مليارات دولار قبل نهاية العام.
تداولات نشطة في البداية وإغلاق مستقر
فقد سهم بنك القاهرة مكاسبه المبكرة ليغلق مرتفعا بنسبة 0.19% فقط عند 5.31 جنيه للسهم، بحسب التقرير اليومي (بي دي إف) الصادر عن البورصة المصرية. وكان السهم قد وصل إلى 5.68 جنيه في الدقائق الأولى من الجلسة، قبل أن يتراجع إلى 5.25 جنيه، أي دون سعر الطرح البالغ 5.30 جنيه، قبل الإغلاق. وبناء على سعر الإغلاق، تبلغ القيمة السوقية للبنك 80.98 مليار جنيه (نحو 1.5 مليار دولار)، مقارنة بنحو 80.83 مليار جنيه بناء على سعر الطرح. ويمثل ذلك نحو 2.1% من إجمالي رأس المال السوقي للبورصة المصرية، حسبما صرح رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية إسلام عزام للصحفيين على هامش جلسة الافتتاح.
وبذلك كان أداء سهم بنك القاهرة في أول أيام تداوله دون مستوى الطروحات الأخرى التي شهدتها البورصة هذا العام. فقد أغلق سهم الذراع المصرية لشركة "إم إن تي-حالا" مرتفعا بنسبة 6.9% عند 26.20 جنيه في أول أيام تداوله في 20 أكتوبر. وحقق سهم جورميه الحد الأقصى للارتفاع في اليوم الأول البالغ 40% في فبراير، فيما أغلق سهم قرة لمشروعات الطاقة مرتفعا بنسبة 19.5% في يونيو.
لكن بنك القاهرة تصدر قائمة الأسهم الأكثر تداولا في البورصة، إذ جرى تداول نحو 373.1 مليون سهم بقيمة 2.02 مليار جنيه عبر 30.1 ألف صفقة، مستحوذا على 21.2% من إجمالي قيم التداول في السوق الرئيسية. ويعادل ذلك 4.1 أمثال متوسط قيم التداول اليومية لسهم البنك التجاري الدولي على مدار الأشهر الستة الماضية والبالغ نحو 488 مليون جنيه، كما أشرنا في عددنا الخاص أمس، وأعلى بحوالي 1.6 مرة من قيم تداول سهم "إم إن تي-حالا" في يومه الأول والبالغة 1.26 مليار جنيه. وعادة ما تشهد الجلسات الافتتاحية تداولات كثيفة، لذا يتمثل التساؤل الأهم بالنسبة للصناديق فيما إذا كانت التداولات على سهم بنك القاهرة ستستمر بأحجام كافية خلال الأسابيع المقبلة، بما يتيح لتلك الصناديق بناء أو تصفية مراكز مؤثرة دون التأثير على السعر.
توقيت الطرح: جاء الطرح الأولي في سوق تشهد تحديات، إذ أغلق المؤشر الرئيسي للبورصة EGX30 متراجعا بنسبة 0.70% أمس ليصل إلى 48.4 ألف نقطة بعد أن انخفض إلى 47.79 ألف نقطة خلال الجلسة، في حين خسر كل من مؤشري EGX70 وEGX100 الأوسع نطاقا أكثر من 2.2%، وفق بيانات البورصة المصرية. وكان المؤشر الرئيسي قد فقد نحو 8.4% من قيمته خلال الجلسات الثلاث المنتهية في 26 أكتوبر (أثناء فترة فتح باب الاكتتاب للمؤسسات للمشاركة في طرح بنك القاهرة)، بما في ذلك انخفاض بنسبة 3.56% يوم الأحد 25 أكتوبر، مع اتجاه مديري الصناديق لتسييل جزء من محافظهم لتوفير سيولة لاكتتاب بنك القاهرة والطروحات التي تليه. وبختام جلسة أمس، تتقلص مكاسب المؤشر الرئيسي منذ بداية العام إلى نحو 15.7%، انخفاضا من 18.6% بنهاية جلسة الخميس.
التسعير يحد من فرص الصعود
يبدو أن تسعير السهم بكامل قيمته العادلة حد من فرص تحقيق صعود قوي في اليوم الأول، وفق ما قالته راندا حامد، العضو المنتدب لشركة عكاظ لإدارة الأصول، لنشرة إنتربرايز. إذ باع بنك مصر الأسهم عند الحد الأقصى للنطاق السعري، بعد تحديد سقف هذا النطاق وفق القيمة العادلة التي حددها المستشار المستقل بيكر تيلي. وأوضحت حامد أن التسعير لم يتضمن خصما يحفز المستثمرين لشراء المزيد من الأسهم بعد الإدراج، وبالتالي فإن تداول السهم عند قيم قريبة من سعر الطرح يعد نتيجة طبيعية.
وأشارت حامد إلى أن تسعير سهم بنك القاهرة بمضاعف ربحية يبلغ نحو 5 مرات، يجعله متماشيا تقريبا مع البنك التجاري الدولي وبقية أسهم القطاع. ومن حيث القيمة الدفترية، يعد السهم أرخص، إذ يُتداول بمضاعف 1.2 مرة مقابل متوسط يبلغ نحو 1.4 مرة للقطاع، وهو خصم تراه حامد مبررا نظرا إلى انخفاض ربحية البنك. وأضافت: "لكي يحقق المستثمرون مكاسب من هذه المستويات السعرية، سيتعين عليهم التعويل على أرباح البنك".
السيولة تهيمن على المشهد
ترى حامد أن المتداولين على المدى القصير ربما اتجهوا لجني الأرباح مبكرا. وأوضحت أنه في ظل تقلبات السوق وتصاعد التوترات الجيوسياسية، "يتحكم المتداولون في السوق حاليا، وسيكتفي الكثيرون بمكاسب تصل إلى 5% فقط في يوم واحد ليتخارجوا". ويمتلك المستثمرون الأفراد 2.25% فقط من أسهم البنك، لذا فإن عمليات البيع "ارتبطت بمعنويات المستثمرين أكثر من ارتباطها بحجم التداولات". وعلى مستوى السوق، سجل الأجانب صافي مبيعات بقيمة 138.2 مليون جنيه في الأسهم المدرجة (باستثناء الصفقات)، بينما اتجه المستثمرون العرب والمصريون نحو الشراء، بحسب بيانات البورصة المصرية.
ربما يتجه المستثمرون لتخفيض حيازاتهم في البنوك الأخرى لإفساح المجال لبنك القاهرة. فقد أغلق سهم البنك التجاري الدولي أمس مرتفعا بنسبة 2.88%، في حين تراجع سهم مصرف أبوظبي الإسلامي مصر بنسبة 3.44% وكريدي أجريكول مصر بنسبة 2.96%. وترى حامد أن هذا التباين كان مفاجئا، خاصة أن البنوك كان يفترض أن تستفيد من رفع أسعار الفائدة الأسبوع الماضي. ويعد هذا إشارة إلى تركيز المستثمرين على التجاري الدولي باعتباره السهم الأكثر سيولة، وربما يتخارجون من البنوك الأخرى لتوفير سيولة لبنك القاهرة. وتؤكد حامد أن "التقييم وحده لا يحرك الأسعار في الوقت الحالي، بل السيولة وبناء المراكز".
زيادة أسعار الفائدة تعمق التحديات أمام أسواق الأسهم. إذ توضح حامد قائلة: "ليس لدى المستثمرين دافع يذكر لتحمل مخاطر الأسهم في حين تتجاوز عوائد أذون الخزانة حاجز الـ 20%". وأضافت أن ضمان استمرارية إقبال الأجانب على الشراء سيتطلب خفض أسعار الفائدة. وحتى ذلك الحين، فإن ما قد يدعم سعر السهم هو تحقيق نتائج ربع سنوية تبدأ في تضييق فجوة الربحية بين بنك القاهرة ونظرائه، فضلا عن إدراجه في مؤشر EGX30، وهو ما سيجذب الطلب من الصناديق التي تتتبع المؤشر.
وفي غضون ذلك، سيظل حاجز حماية السعر بمثابة صمام أمان؛ إذ يمكن للمكتتبين الأفراد بيع أسهمهم مرة أخرى لشركة "سي آي كابيتال" بسعر 5.30 جنيه حتى الأول من ديسمبر، كما أشرنا سابقا، علما بأن السهم أغلق عند سعر أعلى من هذا المستوى بقرش واحد بعد أن هبط دونه خلال تداولات الجلسة. وعن ذلك تقول حامد: "الاختبار الحقيقي سيأتي بعد انتهاء فترة الحفاظ على استقرار السعر".
درس للطروحات المقبلة
ترى حامد أنه ينبغي على الدولة تسعير طروحاتها المقبلة بخصم، موضحة أن "التسعير بكامل القيمة العادلة لا يترك مجالا كبيرا لصعود السهم بعد الإدراج". وأضافت، في حديثها عن الطروحات المقبلة، أن "منح خصم ملموس على القيمة العادلة سيضمن تداولات أقوى وسمعة أفضل لبرنامج الطروحات الحكومية بأكمله". كما تأمل حامد أيضا في إتاحة هناك فترات زمنية فاصلة بين الطروحات نظرا إلى حالة الضبابية التي تكتنف الأسواق العالمية.
ما زالت الدولة تحتفظ بحصة تبلغ 55% من أسهم بنك القاهرة لبيعها، وقد وصف الرئيس التنفيذي للبنك حسين أباظة الطرح بأنه الخطوة الأولى في عملية تقليص للحصة على غرار مسار البنك التجاري الدولي. وقال أباظة عبر بودكاست Making It الذي تقدمه إنتربرايز: "السوق هي التي ستقيم البنك فعليا".
الخطوة التالية: من المقرر أن يبدأ تداول أسهم شركة مصر لتأمينات الحياة في أواخر نوفمبر أو أوائل ديسمبر، وشركتا النصر للزجاج وصناعة اليايات ومستلزمات وسائل النقل (يايات) في ديسمبر، وفق ما قاله الأسبوع الماضي هاشم السيد، مساعد رئيس الوزراء والرئيس التنفيذي لوحدة الشركات المملوكة للدولة بمجلس الوزراء.
المستثمرون الرئيسيون باقون على المدى الطويل: يمنح استثمار كل من البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية ومؤسسة التمويل الدولية البالغ 100 مليون دولار لكل منهما حصة تبلغ نحو 7% من أسهم بنك القاهرة، وفق ما ذكرته المؤسستان في بيانين منفصلين (هنا وهنا) أمس. كما سيقدم البنك الأوروبي لإعادة الإعمار دعما متخصصا لبنك القاهرة في مجالات التحول الرقمي والأمن السيبراني وإدارة المخاطر البيئية والاجتماعية. أما مؤسسة التمويل الدولية، فقالت إن استثمارها سيساعد بنك القاهرة على مضاعفة عدد العملاء الذين يمولهم إلى 1.9 مليون عميل بحلول 2030 مقارنة بنحو 899 ألف عميل حاليا، مع زيادة حجم إقراضه إلى 8.9 مليار دولار ارتفاعا من نحو 5 مليارات دولار.
المستشارون: تضطلع شركة "سي آي كابيتال" بدور المنسق العالمي الرئيسي ومدير سجل الاكتتاب المشترك، بينما تتولى "إي إف جي هيرميس" دور المنسق العالمي المشترك ومدير سجل الاكتتاب المشترك. وتضطلع شركة إنتربرايز أدفايزوري بدور مستشار علاقات المستثمرين.