تتفاوض الحكومة مجددا مع بروكسل للحصول على "معاملة تفضيلية تمنح الصادرات المصرية مهلة أطول" لتكييف أوضاعها مع آلية تعديل حدود الكربون التابعة للاتحاد الأوروبي، مع اقتراب التطبيق الكامل للآلية، وفق ما قاله مسؤول حكومي بارز لإنتربرايز. كما تدرس الحكومة أيضا كيفية تعامل بعض دول آسيا وأمريكا اللاتينية مع هذه الآلية لتحديد البدائل المتاحة.
وقال مسؤول حكومي آخر لإنتربرايز: "ما نسعى إليه الآن هو جدول زمني متدرج، بما يتماشى مع عدد من الإجراءات البيئية المصرية، ليتيح استمرارية نفاذ السلع المصرية بالقطاعات المحددة إلى الاتحاد الأوروبي بصورة أبسط"، مضيفا أن "الاتحاد الأوروبي عادة لا يوافق على منح استثناءات".
وأوضح المسؤول أن "أحد السيناريوهات المطروحة يتمثل في تحمل المصدرين المصريين جزءا من تكلفة الرسوم في الأسواق التي تطبق الآلية"، بدلا من الإسراع في تطبيق منظومة محلية قد يصعب استكمال متطلباتها حاليا. إذ أشار إلى أن هذا الخيار يواجه صعوبات، بالنظر إلى المتطلبات الفنية والمؤسسية اللازمة لقياس الانبعاثات الكربونية والتحقق منها، فضلا عن الحاجة إلى إعداد منظومة محلية لتسعير الكربون.
تذكر: صرح لنا مسؤولون حكوميون في ديسمبر الماضي بأن مصر قدمت طلبا رسميا للحصول على إعفاء مؤقت، ثم علمنا في يناير أن الاتحاد الأوروبي وافق ضمنيا على الطلب، لكن لم يصدر أي قرار رسمي يوثق هذه الموافقة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن أي خطوة تُبقي جزءا من فاتورة الكربون داخل مصر ستخضع لقاعدة مختلفة؛ إذ يمكن لمستوردي الاتحاد الأوروبي خصم سعر الكربون المدفوع بالفعل في بلد الإنتاج، شريطة إمكانية توثيقه. لذا، فإن العمل المطلوب محلي بالأساس، ويتمثل في إقرار تسعير مصري للكربون، وتوفير بيانات موثقة لانبعاثات المصانع تتوافق مع المعايير الأوروبية، وهي القدرات التي أكد المسؤول الثاني أنها غير متوفرة بعد. وصحيح أن أحد النواب صاغ مشروع قانون لحوكمة الكربون نُشر في سبتمبر، ولا يزال يجمع التوقيعات اللازمة لتقديمه إلى البرلمان، لكنه يبقى في النهاية مبادرة نيابية وليس تشريعا مقدما من الحكومة. في حال عدم الامتثال أو الفشل في الحصول على معاملة تفضيلية، سيتكبد المصنعون المحليون نحو 317 مليون دولار سنويا في صورة ضرائب كربون إضافية، وفق دراسات وزارة البيئة التي أشرنا إليها العام الماضي. وسيتحمل قطاع الحديد والصلب 74% من تلك الأعباء الإضافية بنحو 236 مليون دولار سنويا، يليه الألومنيوم بنحو 43 مليون دولار.
كما يشير البنك الدولي إلى أن الدخل الحقيقي لمصر قد ينكمش بنحو 0.6% حال عدم التكيف مع آلية تعديل حدود الكربون، مع احتمال تراجع بعض الصادرات كثيفة الكربون بنسبة تصل إلى 8.3%. وستطبق هذه الرسوم أولا على مصدري الحديد والصلب والأسمنت والألومنيوم والأسمدة، مع إدراج المزيد من المواد لاحقا؛ فمن المقرر أن تُدرج البوليمرات والكيماويات العضوية في عام 2027، تليها منتجات الصلب والألومنيوم المصنعة مثل المسامير والمثبتات في عام 2028، وفق ما كشفه خبراء لإنتربرايز العام الماضي.
أي تكلفة تفرضها القاهرة للامتثال لضريبة الكربون لن تقتصر على الكميات الموجهة للتصدير، ومن ثم سيمر جزء منها إلى السوق المحلية في وقت يعاود فيه التضخم الارتفاع، حسبما أوضح المسؤول الثاني لإنتربرايز، مضيفا أن الشريحة الأولى من شهادات الكربون المعتمدة من الأمم المتحدة، التي أغلقت وزارة البيئة باب شرائها مؤخرا، لا يمكنها تعويض هذه الضريبة؛ إذ يتطلب الامتثال خفضا حقيقيا للانبعاثات الناتجة عن السلع المصدرة.
الخطوة التالية: لا ترغب الحكومة في التسرع في إقرار تدابير جديدة قبل دراسة آثارها، وفق ما قاله المسؤول الثاني، كما تسعى الحكومة بالفعل لإيجاد آلية تستوفي قواعد ضريبة الكربون دون الإضرار بالاستثمار. وأضاف أن هذا الملف لا يزال قيد الدراسة عبر مختلف الوزارات، تحت قيادة مجلس الوزراء. ولم يحدد المسؤول موعدا لاتخاذ قرار في هذا الشأن، لكنه يتوقع أن تتضح الصورة قريبا، مع اقتراب موعد استحقاق الالتزامات المفروضة على مستوردي السلع المصرية.