لم تعد أزمة المستوردين تكمن في تدبير العملة الصعبة من البنوك، بل في التكلفة المتزايدة لاستيراد البضائع، في ظل تجاوز سعر الدولار 56 جنيها، فضلا عن ارتفاع رسوم التخزين في الموانئ، وفق ما قاله مستوردون وتجار لنشرة إنتربرايز الصباحية. وأكد مصدر مصرفي لإنتربرايز عدم وجود أزمة في توفر العملة الأجنبية داخل الجهاز المصرفي، مضيفا أن البنك المركزي المصري وجه البنوك بإعطاء الأولوية لاحتياجات القطاعات الإنتاجية من النقد الأجنبي، مع مواصلة تلبية احتياجات مستوردي السلع الاستراتيجية بالوتيرة نفسها المطبقة على القطاعات الأخرى.
لكن تدبير العملة الصعبة له تكلفته أيضا؛ إذ تفرض عدة بنوك تجارية عمولة تدبير تتراوح ما بين 0.1%-0.25% حسب طبيعة النشاط، وفقا لما قاله أحمد الملواني، رئيس لجنة التجارة الخارجية بالشعبة العامة للمستوردين في الاتحاد العام للغرف التجارية المصرية. ومع ذلك، ليست هذه الرسوم بالشيء الجديد، فالبنوك تفرضها منذ مدة طويلة على المستوردين لفتح الاعتمادات المستندية وتغطيتها، غير أن بعضها رفع هذه العمولات ونسب الغطاء النقدي في وقت سابق من العام الجاري.
وتختلف التكلفة التي يتحملها المستورد أيضا باختلاف البنك الذي يتعامل معه، إذ تختلف سياسات تدبير العملة والعمولات بين البنوك الحكومية وغيرها، بحسب محمد العرجاوي، رئيس لجنة الجمارك بالشعبة نفسها. ومع ذلك، يرى العرجاوي أن توفر العملة الأجنبية هو المكسب الأكبر لحركة التجارة حاليا، حتى وإن كان تراجع الجنيه يرفع حتما أسعار السلع النهائية.
ثم يأتي سعر الصرف نفسه الذي تحرك بسرعة. إذ تجاوز الدولار حاجز 55 جنيها للمرة الأولى الأسبوع الماضي، بعدما سجل المستثمرون العرب والأجانب صافي بيع لأدوات الدين المحلية بقيمة 1.13 مليار دولار على مدار 3 جلسات، قبل أن يتخطى 56 جنيها هذا الأسبوع. ولم يبدأ المستوردون بعد في التسعير التحوطي، أي إضافة هامش إلى أسعار البيع للتحوط من تحركات سعر الصرف المحتملة خلال الأشهر الثلاثة فهم يأملون أن تنتهي الأزمة قريبا، وفقا للملواني. وأضاف أن السلع المستوردة تُسعَّر في الوقت الحالي وفقا لسعر الصرف في يوم وصول الشحنة ودخولها إلى البلاد.
فاتورة الموانئ
يضيف التأخير في الموانئ تكاليف إضافية بالعملات الصعبة، إذ يبلغ متوسط رسوم التخزين وغرامات التأخير نحو 150 دولارا للحاوية يوميا، وترتفع هذه الرسوم حسب حجم الحاوية والميناء ومكان التخزين، وفق ما أوضحه العرجاوي. ويدعو العرجاوي إلى إجراءات طارئة مؤقتة لخفض هذه التكلفة، أولها السماح بخروج معظم الحاويات من الميناء مباشرة إلى مخازن المستوردين بنظام الإفراج المؤقت، على أن تُستكمل الجمارك إجراءات الفحص لاحقا بعد الإفراج عن الشحنة.
وتواجه شحنات الترانزيت عقبة أخرى تتمثل في التسجيل المسبق للشحنات (ACI). ونتيجة لذلك، علقت الجمارك العمل بنظام التسجيل المسبق لشحنات الترانزيت القادمة من الخليج في مارس الماضي، بعد أن عطل إغلاق مضيق هرمز أحد أهم مسارات التجارة الخليجية. ويقترح العرجاوي توسيع نطاق الإعفاء ليشمل جميع شحنات الترانزيت، بدلا من قصره على الشحنات الخليجية.
وتتسبب اتفاقيات التجارة التفضيلية في تأخيرات إضافية، إذ ينتظر المستوردون عدة أيام ريثما تتحقق الجمارك من أحقية شحناتهم في الإعفاءات، مما يراكم رسوم التخزين عليهم، وفقا للعرجاوي، الذي يقترح تطبيق الإعفاءات فور وصول البضائع، على أن تحصِّل الجمارك أي رسوم لاحقا إذا تبين عدم أحقية الشحنة في الإعفاء. وفي غضون ذلك، تمر معظم البضائع، فقد أفرجت الموانئ المصرية عن بضائع تتجاوز قيمتها 65 مليار دولار منذ يناير، في حين تبلغ قيمة البضائع المتراكمة بالموانئ أقل من 5 مليارات دولار، وفقا لما ذكرته جريدة البورصة نقلا عن مصادر حكومية.
لا زيادات في أسعار المصانع
يحصل مصنعو الأغذية أيضا على احتياجاتهم من النقد الأجنبي؛ فالعملة الصعبة يجري تدبيرها بصورة طبيعية وفقا لتوجيهات البنك المركزي، وتمر مستلزمات الإنتاج أيضا من الموانئ دون عقبات، بحسب أشرف الجزايرلي، رئيس غرفة الصناعات الغذائية باتحاد الصناعات المصرية. ويعني ذلك أن المصانع ليس لديها مبرر يذكر لرفع الأسعار، وهو ما يصفه الجزايرلي بـ "الخيار الأخير" لأي مصنع، لا سيما أن الوضع الراهن يتزامن مع استمرار تعافي القوة الشرائية للمستهلكين.
وتمثل المنافسة عاملا آخر من عوامل كبح الأسعار. فمع تسجيل أكثر من 30 ألف منشأة لدى الغرفة وتصاعد المخاوف من الركود، يضطر المنتجون للمنافسة على السعر للحفاظ على حصصهم السوقية، وفقا للجزايرلي. وأضاف أن مصانع الأغذية تحقق أرباحها من حجم المبيعات، عبر تسريع دوران المخزون والتشغيل بمعدلات أقرب إلى طاقتها القصوى.
ولكن في كل الأحوال، يتكبد المستهلك النهائي ارتفاعات الأسعار الناتجة عن الوضع الحالي، التي تنعكس على البضائع بعد خروجها من المصانع؛ نظرا إلى أن بعض التجار يبيعون بأسعار أعلى من تلك التي يدفعونها للمصنعين، في ظل إقبال المستهلكين على التخزين خوفا من نقص المعروض، وفقا لحازم المنوفي، عضو شعبة المواد الغذائية بالاتحاد العام للغرف التجارية المصرية. وأوضح المنوفي أن ذلك الوضع رفع أسعار الجبن وبعض أنواع زيوت الطعام على المستهلكين، مضيفا أن الاتحاد يتابع هذه الزيادات من خلال آلية لرصد الأسعار، تكشف الموزعين الذين يرفعون أسعارهم دون أن يرفعها المصنع.
وتدير الحكومة شبكتها الخاصة من منافذ البيع بالتجزئة منخفضة التكلفة جنبا إلى جنب مع السوق. فقد قال وزير التموين شريف فاروق أمام مجلس الشيوخ أمس إن مبادرة خفض الأسعار تشمل 30 سلعة أساسية بنسب تصل إلى 25%، من خلال 284 منفذا موزعة على 190 مركزا، مضيفا أن الوزارة تعمل على توسيع نطاق منظومة "رادار الأسعار"، ومنظومة الشكاوى الحكومية الموحدة، وكارت المفتش لرصد حركة الأسعار والاستجابة للمخالفات.
الخطوة التالية: تجتمع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري غدا الخميس، ويرجح معظم المحللين الذين استطلعت إنتربرايز آراءهم تثبيت أسعار الفائدة رغم تراجع الجنيه. وكان التضخم السنوي في المدن قد تباطأ إلى 13.9% في سبتمبر الماضي، لكن الأسعار ارتفعت بنسبة 1.3% على أساس شهري، مقارنة بـ 0.1% في أغسطس. ويرى مؤيدو التثبيت أن رفع الفائدة لن يجدي كثيرا في مواجهة تضخم مدفوع بارتفاع التكاليف العالمية، وسيزيد من فاتورة الفوائد على الدولة. في حين ترى أقلية أن رفع الفائدة صار مطروحا مرة أخرى، مستندة إلى تراجع الجنيه وبيع الأجانب أدوات الدين المحلية، وهو ما قد يساعد رفع الفائدة في إبطائه.
واردات القمح تعود للارتفاع
عادت الجهات الحكومية المصرية المشترية للقمح إلى الاستيراد، وبدأت الشحنات تُفرغ بالفعل في الموانئ المصرية خلال الشهر الجاري، وفق ما قاله مصدر حكومي رفيع المستوى لنشرة إنتربرايز الصباحية. وأوضح المصدر أن الدولة لم تشتر أي شحنة منذ مايو الماضي، لكن التوقف كان موسميا مع امتلاء الصوامع بعد موسم حصاد محلي ناجح إلى حد كبير. ورغم ذلك، ارتفع إجمالي واردات القمح بنسبة 1.9% على أساس سنوي إلى نحو 9.03 مليون طن خلال الفترة من يناير إلى سبتمبر، إذ واصل المستوردون من القطاع الخاص الاستيراد طوال الفترة، وفقا للمصدر.
كما أن أرقام العام كله لا تعكس تراجعا حادا في واردات القمح، وفقا لمحمد المنسي، رئيس الإدارة المركزية للحجر الزراعي، الذي قال في تعليقه لنشرة إنتربرايز الصباحية: "شحنات القمح لم تتوقف تماما، وانخفاض الواردات في بعض الشهور لا يعني بالضرورة تراجع إجمالي الكميات على مدار العام". وأوضح أن أي تراجع يقتصر على الأرجح على المشتريات الحكومية بعدما استلمت الدولة كميات كبيرة من القمح المحلي، بينما واصل القطاع الخاص الاستيراد لتغطية احتياجاته.
غير أن خريطة الموردين تتغير. إذ وفرت روسيا وأوكرانيا نحو 84% من واردات مصر من القمح خلال الفترة من يناير إلى أغسطس، قبل أن تؤدي الهجمات الروسية على الموانئ الأوكرانية إلى توقف شحنات الحبوب منها. وأوضح المصدر أن العقود الروسية تأثرت أيضا إلى حد ما، لذا تعاقدت الدولة على شحنات من فرنسا والولايات المتحدة وبولندا ودول أخرى، معتمدة على الشراء بخيار التوريد الفوري للحفاظ على انتظام الإمدادات. وأضاف المصدر أن باكستان والمكسيك انضمتا مؤخرا إلى قائمة الدول التي تستورد منها مصر القمح، ليرتفع عددها إلى 22 دولة، فيما يرسي جهاز مستقبل مصر العقود على أساس السعر، بصفته الجهة الحكومية المسؤولة عن الشراء.
من المتوقع أن ترتفع الواردات مجددا في نوفمبر وديسمبر لسد الفجوة حتى موسم الحصاد المقبل، وفقا للمصدر، الذي يرى أن زيادة السعة التخزينية هي المفتاح لشراء كميات أكبر من المزارعين المحليين، إذ لم تسمح السعة المحدودة للدولة سوى باستلام نحو 5 ملايين طن خلال الموسم الحالي، أي نحو نصف المحصول المقدر بنحو 10.3 مليون طن.
الفجوة في السعات التخزينية واضحة بالأرقام: تقدر وزارة التموين السعة التخزينية للصوامع بنحو 4.4 مليون طن موزعة على 85 صومعة، مقارنة بـ 1.2 مليون طن في 39 صومعة عام 2014، فيما تستهدف رفع السعة إلى 6 ملايين طن بحلول 2030، بحسب فاروق.