Posted inبنية تحتية

فجوة تمويلية بقيمة 2.5 مليار دولار تعرقل ملء مخزون النفط الاستراتيجي في مصر

أنشأت مصر سعات تخزينية تستوعب 33 مليون برميل من النفط، لكنها لا تملك 2.5 مليار دولار لملئها، وفق ما قاله الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال منتدى مصر 2026 الأسبوع الماضي (شاهد، 4:05 دقيقة). وأوضح الرئيس السيسي أن هذه المنشآت، التي أُنشئت في عهد وزير البترول السابق طارق الملا، قادرة على تغطية احتياجات البلاد لفترة تتراوح بين 6 و8 أشهر بعد ملئها، مشيرا إلى أن هذه الخزانات فارغة. ولم تكشف الحكومة عن كميات النفط المخزنة حاليا أو موعد ملء الخزانات.

فاتورة النفط

خُصص جزء كبير من الأموال، التي كان من الممكن توجيهها للتخزين، من أجل سداد مستحقات المنتجين الأجانب. فقد سددت الحكومة في يونيو الماضي 6.1 مليار دولار من المتأخرات المستحقة لشركات النفط العالمية، مما أزال عقبة رئيسية أمام استثمار هذه الشركات في الإنتاج المحلي، ثم وضعت بعد ذلك آلية لسداد نحو 240 مليون دولار شهريا للشركاء الأجانب. وقال الرئيس السيسي خلال المنتدى إن الدولة دبرت نحو 7 مليارات دولار للشركاء الأجانب على مدار عامين، إلى جانب نحو 3 مليارات دولار شهريا تحتاجها لشراء المنتجات البترولية. وأضاف أن ذلك يضع الدولة أمام خيارات بشأن أولويات توجيه النقد الأجنبي، ما بين سداد مستحقات الشركاء الأجانب لضمان استمرارهم في الإنتاج، أو تغطية احتياجات البلاد الشهرية من الوقود، أو بناء احتياطيات تحسبا لأي اضطراب في الإمدادات.

الأولوية لاستمرار الإنتاج: قال بيتر ستيفنسون، محرر شؤون شرق المتوسط في نشرة ميس: "كان منح الأولوية إلى سداد مستحقات المنتجين الأجانب هو القرار الصحيح". وأوضح ستيفنسون لنشرة إنتربرايز الصباحية أن استمرار تدفق الاستثمارات في قطاع النفط والغاز المحلي أمر بالغ الأهمية لوقف تراجع الإنتاج والحد من اعتماد مصر المتزايد على الواردات.

ثم تأتي تكلفة ملء جزء فقط من هذه السعات؛ إذ تستهدف مصر تكوين احتياطي استراتيجي من النفط الخام يبلغ 16 مليون برميل بحلول نهاية العام الجاري، منها 10 ملايين برميل من ليبيا و6 ملايين برميل من العراق، بالإضافة إلى الإمدادات الشهرية المعتادة، بتكلفة تبلغ 1.36 مليار دولار، وفق ما تفيد به التقارير. ويفترض هذا الرقم أسعارا تعاقدية بنحو 85 دولارا للبرميل، ولا يشمل تكاليف الشحن والتأمين والتخزين. ويهدف تكوين الاحتياطي إلى ضمان استمرار إمداد مصافي التكرير عند تأخر الشحنات.

من أجل هذا، يفضل ستيفنسون بناء المخزون تدريجيا. إذ قال: "يصعب توفير 2.5 مليار دولار إضافية لملء منشآت التخزين في ظل الضغوط التي يتعرض لها النقد الأجنبي. ويكمن النهج الأكثر واقعية في بناء المخزونات تدريجيا، ربما عبر ائتمان الموردين، أو ترتيبات السداد المؤجل مع المنتجين الخليجيين، أو التمويل المضمون بالمخزون".

وفي غضون ذلك، يمكن تحقيق إيرادات من وراء هذه السعات الفارغة. فحتى أبريل الماضي، امتلكت مصر سعات تخزينية فائضة تبلغ نحو 29 مليون برميل في موانئها الرئيسية، وطرحت 10 منشآت على البحر الأحمر للتأجير، ولا تزال المفاوضات حول هذا الشأن جارية مع مجموعة موانئ أبوظبي. فمن شأن تأجير السعات الفائضة أن يشغل الخزانات المعطلة، لكن البراميل المملوكة للغير لن تكون متاحة تلقائيا لتلبية احتياجات مصر في حالات الطوارئ.

ويرى ستيفنسون أن موقع مصر ودورها المتنامي في توفير مسار بديل لعبور النفط، سيساعدان في جذب العملاء الأجانب وتوفير النقد الأجنبي الذي تشتد الحاجة إليه. لكنه أضاف أن إيرادات التأجير لن تغطي على الأرجح التكلفة الكاملة للمخزونات الاستراتيجية، مؤكدا على ضرورة احتواء العقود الخاصة بأية صفقات تجارية على بنود تضمن وجود سعات كافية لحالات الطوارئ المحلية.

سد فجوة التكرير

ثمة حاجة إلى سياق دقيق لترجمة التقديرات الخاصة بقدرة هذه المنشأت على تغطية احتياجات البلاد لمدة 6-8 أشهر. فقد ارتفع الطلب على النفط في مصر إلى نحو 1.02 مليون برميل يوميا في 2025، مقابل 971 ألف برميل يوميا في 2024، وفقا لما أوردته منصة "الطاقة" نقلا عن بيانات منظمة أوبك. وبهذا المعدل، تكفي الكمية البالغة 33 مليون برميل لتغطية نحو 32 يوما من إجمالي الطلب في حال امتلاء الخزانات، وفقا لحساباتنا. وقال ستيفنسون: "ربما كان الرئيس السيسي يشير إلى احتياجات استيراد محددة، وليس إلى إجمالي الاستهلاك. والمقياس الأكثر فائدة هو عدد أيام الطلب التي يمكن لمصر تغطيتها لكل منتج على حدة، لا سيما السولار والبنزين وغاز البترول المسال، استنادا إلى المخزونات الفعلية وليس السعات التخزينية النظرية".

ويظل الوقود المكرر نقطة ضعف؛ إذ إن اعتماد مصر على واردات السولار وغاز البترول المسال يبقى من أكبر نقاط الضعف في إمداداتها، وفقا لما قاله ستيفنسون لإنتربرايز. وأوضح أن معدلات التكرير ارتفعت بشكل كبير، لكن الإنتاج المحلي لا يزال أقل من الطلب على المنتجات الرئيسية. وأضاف أن الاحتياطيات الاستراتيجية يمكنها تخفيف حدة النقص قصير الأجل الناتج عن اضطرابات الشحن الإقليمية، لكنها لا توفر حماية من الاضطرابات الممتدة أو الارتفاعات المستمرة في الأسعار العالمية.

البنية التحتية الواصلة بينهما

يبقى التخزين مجرد حلقة في شبكة أكبر بكثير؛ فيجب أن يصل النفط الخام المُخزَّن إلى مصفاة ملائمة قبل أن يتحول إلى بنزين أو سولار، لتنتقل هذه المنتجات بعد ذلك عبر المستودعات وشبكات التوزيع. وتدير شركة أنابيب البترول نحو 6300 كيلومتر من خطوط الأنابيب و155 مستودعا، فيما تمضي الحكومة قدما في مشروع توسعة يضم 6 خطوط أنابيب بتكلفة 128 مليون دولار وبطول 317 كيلومترا، وتتوقع إتمامه بحلول أوائل عام 2027. وتعزز هذه الخطوط قدرة البلاد على نقل النفط والوقود، لكن ارتباطها بمستودعات الطوارئ غير واضح.

الاختناقات لا تقتصر على التخزين: قال ستيفنسون إن الطاقة التكريرية في مصر، وقدرتها على إنتاج كميات كافية من الوقود الأعلى قيمة، لا تزال واحدة من القيود القائمة، حتى مع تحسن نسبة الإشغال في المصافي. وأضاف أن نقل المنتجات النهائية من منشآت التخزين الساحلية إلى مراكز الاستهلاك الداخلية يمثل عقبة محتملة أخرى، مؤكدا أن "فعالية الاحتياطيات الاستراتيجية تعتمد في نهاية المطاف على المنتجات المخزنة والبنية التحتية للتوزيع بقدر ما تعتمد على السعة التخزينية المعلنة".

يقدم ميناء الحمراء نموذجا لما يمكن أن تكون عليه أي منظومة مترابطة؛ إذ يخضع الميناء الواقع على البحر المتوسط لتوسعة بقيمة 457 مليون دولار. وتهدف هذه التوسعة إلى رفع سعة تخزين النفط الخام إلى 5.3 مليون برميل من 2.5 مليون برميل بحلول ديسمبر. ومن المقرر أن ينقل خط أنابيب جديد المنتجات المكررة من مصفاة ميدور إلى ميناء الحمراء، ليكمل الخط القائم الذي ينقل النفط الخام إلى المصفاة. وكما يتضح في هذه الصورة، تربط هذه المنظومة بين التخزين والتكرير والنقل. ومع ذلك، لا ينبغي الخلط بين دورها التجاري في التخزين والتصدير وبين ضمان الوصول إلى احتياطيات الطوارئ.