Posted inفاتورة الشهر

الحسبة الاقتصادية لإنتاج الأفلام في مصر

بينما يختتم مهرجان الجونة السينمائي دورته التاسعة الليلة، تعكس كواليس الصناعة واقعا صعبا، إذ قد يخسر المنتج حتى لو حقق فيلمه نجاحا على المستوى المحلي، وبطرق لم يكن يتوقعها. تبلغ تكلفة إنتاج الفيلم متوسط الميزانية في مصر حاليا ما يتراوح بين 70 و80 مليون جنيه، وفقا لما قاله مصطفى الفرماوي، مؤسس شركة بروديجي فيلمز ومنتجها المنفذ، لإنتربرايز. وإذا حقق أي فيلم إيرادات بقيمة 100 مليون جنيه في دور العرض المحلية، يجني المنتج نحو 40 مليون جنيه فقط.

التكلفة تواصل الارتفاع: بلغت التكلفة الإجمالية لإنتاج نحو 15 فيلما مصريا ملياري جنيه (نحو 40 مليون دولار) خلال عام 2025، أي حوالي 133 مليون جنيه للفيلم الواحد. وقد تضاعفت تكاليف الإنتاج 4 مرات، حسبما قالت المنتجة شاهيناز العقاد لموقع اليوم السابع العام الماضي، إذ باتت الأموال التي كانت تكفي في السابق لإنتاج 3 أو 4 من أفلامها لا تغطي الآن سوى فيلم واحد.

ما الذي يتطلبه تصوير الأفلام؟

تحويل أي سيناريو إلى فيلم هو عملية صعبة من الأساس، إذ يشتري الجمهور المصري التذاكر من أجل البطل، لذا يحصل البطل على أجره أولا. ومع نجوم الصف الأول مثل كريم عبد العزيز أو منى زكي "قد يستهلك أجر البطل وحده ما بين 8% و10% من ميزانية الفيلم بالكامل"، وفقا للفرماوي، الذي أضاف أن "كثيرا من شركات الإنتاج لن تقيم السيناريو من الأصل ما لم يكن مرتبطا بأحد نجوم الصف الأول بالفعل".

ولكن تبدأ العملية فعليا بإعداد سيناريو لا يتطلب ميزانية كبيرة: يطور الكتاب فكرتهم المختصرة إلى معالجة تتراوح بين صفحتين و4 صفحات، ثم إلى مخطط تفصيلي يوضح المشاهد، وبعدها ينتهون من كتابة السيناريو، وفقا لما قاله زين أحمد، الذي عمل مساعدا في مجال الإخراج قبل أن يتجه إلى كتابة السيناريو، موضحا أن الكاتب لا يمكنه كتابة مشاهد تدور أحداثها في إيطاليا في حين لا توجد ميزانية للسفر إلى هناك: "كلما كان السيناريو محدودا وقابلا للتنفيذ، زادت فرص إنتاجه فعليا".

كما أن تصاريح التصوير تتغير أسعارها بحسب الشارع، كان المنتج في السابق يستخرج تصريحا واحدا لحي كامل مثل المعادي، أما الآن فيحتاج كل شارع إلى تصريح خاص به. "إذا كنت تحتاج إلى التصوير في خمسة شوارع، فعليك دفع هذا الرسم خمس مرات"، حسبما أوضح أحمد، وقد وصلت تكلفة الشارع الواحد إلى حوالي 15 ألف جنيه قبل بضع سنوات.

تبدو مواقع التصوير المصرية مزدحمة دائما: "السبب يعود صراحة إلى أننا نوظف عددا كبيرا من الأشخاص"، حسبما قال أحمد، فقد يتولى مهام التصوير خمسة مساعدين للمخرج إلى جانب المتدربين، ليصل عدد العاملين في قسم الإخراج إلى 15 شخصا. "نأخذ مهمة واحدة يتولاها شخص واحد في أي مكان آخر في العالم، ونقسمها إلى 3 أو 4 أدوار منفصلة، ونضعها جميعا ضمن قسم الإخراج".

وتمتد الورديات عادة في مواقع التصوير 14 ساعة، وعادة ما يُحتسب وقت العمل الإضافي بنصف يوم. من حق فرق العمل الحصول على فاصل مدته 12 ساعة بين الورديات، لذا إذا انتهى التصوير في الثانية صباحا يبدأ اليوم التالي في الثانية ظهرا. كما قد تتسبب أمور صغيرة في ضياع أيام كاملة، فمواقع التصوير "في جوهرها عبارة عن فوضى منظمة تحاول السيطرة عليها باستمرار" حسبما يصفها أحمد، مضيفا أنك "قد تخسر يوم تصوير كامل لأن قطعة إكسسوار واحدة لم تصل".

عندما تشح الأموال، يكون السيناريو أول المتضررين، إذ يعود المنتج إلى النص بحثا عن مشاهد يمكن الاستغناء عنها. "في المجال نسمي هذه المشاهد بالدهون"، بحسب الفرماوي مضيفا أن "زمن الظهور على الشاشة يكلف المال". أما استبدال الممثل الرئيسي أو استخدام كاميرات وإضاءة أقل جودة فيأتي في نهاية القائمة، "التنازل عن الجودة هو دائما آخر الخيارات المطروحة".

عرض الفيلم

يبدأ التسويق مع دوران الكاميرا: "لا يمكنك الانتظار حتى مرحلة ما بعد الإنتاج للتفكير في التسويق، لأن المواد التسويقية الأساسية يجب تصويرها في موقع التصوير خلال مرحلة التصوير الرئيسية"، وفقا للفرماوي. فمن يتحمل تكاليف التسويق مقدما إذن؟ تتولى شركة ماد سولوشنز التسويق داخليا وتضع حدا للإنفاق في وقت مبكر، وفقا لما قاله عبد الرحمن أمين، رئيس قسم المبيعات والاستحواذات بالشركة، في تصريح لإنتربرايز: "منذ البداية، ننص في العقد على ألا تتجاوز مصروفات التسويق مبلغا محددا"، وتغطي الشركة هذه النفقات ثم تستعيدها لاحقا، مضيفا أنه "إذا كانت مصروفات التسويق 10 جنيهات، أدفعها مقدما ثم أستردها من الإيرادات". وبعد ذلك تحصل الشركة على نسبة ثابتة من إيرادات الفيلم.

أما أفلام السينما المستقلة فتعتمد على خطة أقل تكلفة: "إذا كنت أسوق لفيلم تجاري، فسأستخدم اللوحات الإعلانية والفعاليات الميدانية ووسائل التواصل الاجتماعي وغيرها، أما الأفلام الفنية فنعتمد فيها بشكل أساسي على وسائل التواصل الاجتماعي والعلاقات العامة والعرض الأول للفيلم في المهرجانات"، بحسب أمين.

ماذا عن الحقوق والتراخيص؟ عادة ما تحصل شركة ماد للتوزيع على الحقوق الحصرية في العالم العربي فيما يتعلق بالعروض السينمائية والمهرجانات وعروض التلفزيون ومنصات البث، بينما تحصل شركة ماد وورلد على الحقوق العالمية أو الدولية. ويفضل أمين التعاقد لأجل 10 سنوات، نظرا لأن دورة العرض الأول والعرض السينمائي وحدها تستغرق أكثر من عام، فيما تمتد تراخيص منصات البث عادة ما بين عامين و5 أعوام.

تسير جولات المهرجانات وفق ترتيب محدد: "إذا عُرض فيلمك لأول مرة في مهرجان كان، ثم انتقل إلى مهرجان كارلوفي فاري، وأنهى جولته الدولية، ثم جاء إلى الجونة أو البحر الأحمر قبل أن ينتقل إلى قرطاج، فإن هذه الرحلة تحقق أقصى قدر من الاهتمام والتغطية الإعلامية والرواج الجماهيري"، بحسب أمين.

إلا أن استرداد التكاليف صار أصعب من ذي قبل، نظرا لأن الموزعين في الخارج باتوا يترددون بشأن المخاطرة، وكذلك المنتجين. لذا أصبح الأمر أصعب، لكن ليس مستحيلا، حسبما كشف أمين، مشيرا إلى أن أفلاما مثل وداعا جوليا وصوت هند رجب غطت ميزانياتها.

.. ومنصات البث تلاحق النجوم: صارت كل من نتفليكس وشاهد و"أو إس إن بلس" تشتري عددا أقل من الأفلام المستقلة وأفلام المهرجانات بعدما زاد الإنتاج التجاري خلال السنوات الثلاث الماضية. "يهتم الجمهور بدرجة أقل بالأفلام المستقلة وأفلام المهرجانات، وبدرجة أكبر بالأفلام الكبرى التي يقودها النجوم"، بحسب أمين.

عن تقسيم الإيرادات: تذهب نسبة 60% من الإيرادات المحلية التي لا يحصل عليها المنتجون إلى دور العرض والموزعين والضرائب والمصروفات التشغيلية للعروض، وفقا للفرماوي. ووفقا لهذه الحسبة، يحتاج فيلم تكلفته 75 مليون جنيه إلى ما يقرب من 190 مليون جنيه من مبيعات التذاكر في مصر لتغطية تكلفة الإنتاج. لذا يتجه المنتجون إلى الخليج، إذ تدفع دور العرض في السعودية ودول الخليج بالدولار والريال السعودي، وهذه العملة الصعبة صارت هي مصدر هامش ربح المنتجين حاليا. "هذا التحول أعاد تعريف نموذج أعمالنا بالكامل خلال العقد الماضي"، وفقا لما أضافه الفرماوي، موضحا أن الحل يكمن في إنتاج فيلم "يجذب كلا من الجمهور المصري المحلي وجمهور الأسواق الإقليمية الأوسع".

أين يجد صناع الأفلام الجدد التمويل المطلوب؟

المنح تتيح الفرص: تتلقى الصناديق الإقليمية الطلبات عبر الإنترنت، لكن "الإنتاج التجاري في مصر يتركز في أيدي قلة بالمجال، مما يصعب على الوافدين الجدد اقتحامه دون علاقات"، وفقا لأحمد. وتبرز في هذا الصدد منصة سيني جونة، لكنها ليست الوحيدة، فالصناديق في أنحاء المنطقة تدعم الأفلام العربية في كل مراحلها، ويتلقى معظمها الطلبات عبر الإنترنت سنويا.

قد أُغلق باب التقديم في معظم دورات عام 2026، لكن إليكم قائمة بأبرز الجهات استعدادا لدورة عام 2027:

  • سيني جونة (مصر): تمنح 15 ألف دولار لأفضل المشروعات في مرحلة التطوير ومرحلة ما بعد الإنتاج، وذلك من إجمالي جوائز وخدمات تتجاوز قيمتها 300 ألف دولار سنويا، تمنحها المنصة للأفلام الروائية الطويلة والأفلام الوثائقية العربية.
  • ملتقى القاهرة السينمائي (مصر): يوفر منح وخدمات إنتاجية وجوائز عينية للأفلام الروائية الطويلة والأفلام الوثائقية العربية في مرحلتي التطوير وما بعد الإنتاج، والتقديم متاح للمخرجين الذين أنجزوا فيلما واحدا على الأقل.
  • صندوق البحر الأحمر (السعودية): قدم منحا بقيمة 15 مليون دولار لأكثر من 280 مشروعا حتى الآن، عمل عليها مخرجون من الجنسيات العربية أو الأفريقية أو الآسيوية، وتحل الدورات الخاصة بمرحلة ما بعد الإنتاج في يناير ويوليو، ومرحلة الإنتاج في مارس، ومرحلة التطوير في مايو.
  • منح مؤسسة الدوحة للأفلام (قطر): تقدم الدعم لمراحل التطوير والإنتاج وما بعد الإنتاج لصناع الأفلام في تجاربهم الأولى والثانية حول العالم، عبر دورتين في الربيع والخريف.
  • الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق) (لبنان): يمنح ما يصل إلى 50 ألف دولار لإنتاج الأفلام الطويلة، و25 ألف دولار لمرحلة ما بعد الإنتاج، و10 آلاف دولار لمرحلة التطوير، ويتلقى الطلبات عبر مسارين منفصلين للأفلام الروائية والوثائقية.
  • صندوق أفلامنا (لبنان): يوفر تمويلا تأسيسيا لتعيين فريق للتواصل وتنفيذ حملات ترويج للأفلام العربية المنتجة.
  • صندوق مهرجان مالمو للسينما العربية (السويد): يوفر دعما لمرحلة التطوير للإنتاجات السويدية العربية المشتركة أو الأفلام التي تتناول الهوية أو الثقافة العربية أو الموضوعات المتعلقة بالمنفى، بشرط مشاركة منتج سويدي.