هل أصبح الشراء بالتقسيط من أسهل الوسائل المتاحة للمصريين العاديين للتحوط من التضخم؟ بلغ لجوء المواطنين إلى القروض الاستهلاكية لشراء الذهب حدا دفع الهيئة العامة للرقابة المالية إلى منع شركات التمويل الاستهلاكي من تمويل شراء الذهب والمعادن الثمينة الأخرى. وصنفت الهيئة السبائك والمشغولات الذهبية على أنها أدوات استثمارية وليست سلعا استهلاكية، وقد شمل الحظر أيضا الفضة والبلاتين. ويطرح هذا الموقف سؤالا يسلط الضوء على صورة أكبر تتعلق بما إذا كان المصريون يفتقرون إلى منتجات ادخارية جيدة، أم أنهم فقدوا ثقتهم في العملة المحلية. ويرى المحللون الذين تحدثت إليهم نشرة إنتربرايز أن هذا التوجه ينطوي في طياته على مخاطر كامنة، لكنهم لا يجدون إشارة دالة على أن المواطنين فقدوا ثقتهم في البنوك.
لماذا الذهب؟ ولماذا الآن؟
إنها دورة مألوفة في الأسواق، بحسب وصف ماهر عشم، أستاذ التمويل بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، الذي قال في حديثه لنشرة إنتربرايز الصباحية: "الأسواق دائما ما يحركها أمران: الطمع والخوف". وأوضح عشم أنه عندما تدفع الصدمات الجيوسياسية الطلب على الذهب إلى الارتفاع، تكون الغريزة الأولى لدى الناس هي الاقتراض والشراء، حتى لو لم تكن إمكاناتهم تسمح بذلك فعلا، فيما تواصل جهات الإقراض منح القروض لزيادة عوائدها.
يتمتع الذهب بجاذبية لدى الأسر المصرية لا تتمتع بها الأصول الأخرى، بحسب محلل القطاع المصرفي محمد عبد المنعم، الذي قال إن الذهب يتمتع بميزة نفسية وعملية قوية بشكل خاص، إذ تفهمه الأسرة المتوسطة، ويمكنها امتلاكه فعليا وإعادة بيعه، وتراه مخزنا للقيمة. وحتى مع تباطؤ التضخم، لا يزال الناس يشترون الذهب لحماية ثرواتهم لأنهم يتذكرون ما فعله التضخم المرتفع بالنقود الورقية، وفقا لما ذكره لنا العام الماضي أيمن الصاوي، الرئيس التنفيذي لشركة بكرة القابضة، مؤكدا أن "ذاكرة التضخم" هذه أكثر تأثيرا من الرسوم البيانية لأسعار الذهب العالمية.
أين تكمن المخاطر؟
لا يحقق الاقتراض لشراء الذهب مكسبا إلا إذا ارتفعت الأسعار بالسرعة الكافية. وعندما يراهن المشترون على ذلك، قد تتحول هذه العملية إلى "مضاربة ممولة بالديون، ربما دون إدراك كامل للمخاطر"، وفقا للخبيرة الاقتصادية أيتن المرجوشي، التي أوضحت أن المشتري يحتاج إلى حدوث ارتفاع في سعر المعدن يكفي لتغطية تكاليف التمويل والرسوم والفارق بين سعري الشراء والبيع، إلى جانب المصنعية في حالة المشغولات الذهبية، وكل هذا فقط من أجل الوصول إلى نقطة التعادل.
كما أنها الأداة الخطأ لهذا الغرض، بحسب عبد المنعم، الذي قال: "تمويل أصل استثماري عبر منتج للتمويل الاستهلاكي يخلق عدم توافق بين الغرض من المنتج والنشاط الاقتصادي الأساسي". فمنتجات تسهيل الشراء الفوري وتأجيل الدفع تهدف إلى تلبية احتياجات الناس، مثل شراء جهاز كمبيوتر محمول أو ثلاجة بديلة، وليس لبناء الأصول.
وتتصاعد الضغوط عندما يتراجع دخل المقترض، إذ قد يضطر إلى البيع بخسارة لمواصلة سداد الأقساط، وفقا للمرجوشي، التي أشارت إلى أن الضغوط تتفاقم عندما تتوزع الأقساط على أكثر من جهة إقراض. كذلك رصدت مكاتب محاماة مصرية زيادة في الشكاوى من أساليب التحصيل العنيفة المرتبطة بالتمويل الاستهلاكي وخدمات الشراء الفوري والدفع الآجل، بدءا من الاتصالات المتواصلة ووصولا إلى التواصل مع جهات عمل المقترضين وعائلاتهم. وقد قدمت الرقابة المالية حافظتي مستندات من شكاوى العملاء إلى محكمة القضاء الإداري للدفاع عن سجلها الجديد لشركات تحصيل الديون، الذي أصدرته مطلع العام الجاري، في مواجهة طعن مقدم من نحو 71 شركة تحصيل ضد القواعد المنظمة للسجل. وأوصت هيئة مفوضي الدولة المحكمة بتأييد القواعد المطعون عليها، وبدءا من 22 يناير 2027، لن يُسمح لجهات الإقراض بالتعامل إلا مع شركات التحصيل المسجلة. ويتناول تقريرنا المنشور في يوليو الماضي أسباب سعي البنك المركزي المصري والرقابة المالية إلى وضع ضوابط في ظل الطفرة المشهودة في خدمات الشراء الفوري والدفع الآجل.
بدائل كثيرة.. إن كانت مناسبة
توفر شهادات الادخار وأذون الخزانة وصناديق أسواق النقد بدائل أخرى للادخار، لكنها تختلف من حيث الحد الأدنى للمساهمة والسيولة وإمكانية الوصول إلى خدمات الوساطة في الأوراق المالية ودرجة التقلب ومدى الفهم الذي تتطلبه، وفقا لعبد المنعم. وأضاف أن إتاحة المنتج لا تعني بالضرورة أنه مناسب لك، كما عزا هذه الفجوة إلى الثقافة المالية ومستوى الدخل.
ويتوقف المنتج المناسب لكل شخص على "قيمة المبلغ المستثمر واحتياجات الفرد من السيولة والدخل"، بحسب المرجوشي. فعلى سبيل المثال، تصرف الشهادات والودائع فوائد منتظمة، ويدر بعضها عوائد سنوية تفوق أحدث معدل للتضخم، في حين لا يدر الذهب أي عائد. وأضافت: "المدخر الذي يحتاج إلى دخل يعيش منه، تختلف أولوياته عن المستثمر الذي يستطيع تجنيب فائض أمواله لعدة سنوات".
تؤدي أسعار الفائدة بالفعل جزءا من دور التحوط. إذ ظلت أسعار الفائدة في مصر أعلى من التضخم "لفترة طويلة"، وفقا لعشم، مما يمنح المدخرين عائدا حقيقيا موجبا. وقد أبقى البنك المركزي على أسعار الفائدة دون تغيير للاجتماع الخامس على التوالي في سبتمبر المنقضي، ليظل سعر الإيداع لليلة واحدة عند 19%. كما تباطأ التضخم في المدن المصرية إلى 13.9% في سبتمبر نزولا من 14.5% في أغسطس. ويعني هذا أن سعر الإيداع يزيد بنحو 5 نقاط مئوية على معدل التضخم، رغم ارتفاع الأسعار بنسبة 1.3% على أساس شهري، وفقا لحساباتنا.
الثقة في البنوك صامدة
لا يعني شراء الذهب أن الناس فقدوا ثقتهم في بنوكهم. وقالت المرجوشي: "يمكن للأسرة أن تثق في بنكها تماما، ومع ذلك تقرر أن يكون جزء من مدخراتها طويلة الأجل في الذهب أو العملات الأجنبية أو العقارات". واستشهدت في حديثها ببيانات الودائع؛ إذ استحوذت الأسر على نحو 60% من إجمالي ودائع القطاع المصرفي في مايو 2026، ونمت هذه الودائع بنحو 15% بين يونيو 2025 ومايو 2026. وأضافت: "لا تدعم هذه الأرقام استنتاجا شاملا بأن الناس يتجهون إلى الذهب لافتقارهم إلى بدائل ادخارية داخل الجهاز المصرفي". كما يشير عبد المنعم إلى الشمول المالي، إذ امتلك 79% من المصريين البالغين 15 عاما فأكثر حسابات مالية نشطة بنهاية يونيو الماضي، وفقا للبنك المركزي.
كما أن نمو القطاع هو ما يجعل هذه الضوابط مهمة. فقد قفز حجم التمويل الاستهلاكي بنسبة 57% على أساس سنوي ليصل إلى 96.3 مليار جنيه بنهاية عام 2025، لخدمة أكثر من 10.8 مليون عميل عبر 48 شركة مرخصة، وفقا لبيانات الرقابة المالية. وترى المرجوشي أن هذا التوسع "يؤكد أهمية ضمان النمو المستدام مع الحفاظ على الغرض المنشود من القطاع".
رأينا: تحركت الرقابة المالية قبل أن يتضخم حجم القروض الموجهة لشراء الذهب، خشية أن يتحول الموقف حينها إلى مشكلة أكبر، وهذا ما يجعل القرار صائبا. فكل طرف في هذه العملية كان له منطقه الخاص. فمن جانب، أراد المدخرون التحوط من التضخم. وفي المقابل، أرادت جهات الإقراض زيادة حجم أعمالها مع صعود الذهب. لكن اجتماع الأمرين أدى إلى تدفق أموال مقترضة نحو أصل واحد، وهو نوع من السلوك الجماعي الذي توجد الجهات الرقابية لرصده قبل أن يتحول إلى خطر منهجي.