تستطيع المزارع المصرية مضاعفة إنتاجها مرتين أو 3 مرات "باستثمارات أقل بكثير" مما ينفقه المزارعون الأوروبيون سعيا وراء مكاسب متواضعة، وفقا لسيف سلامة، مؤسس شركة التكنولوجيا الزراعية جنينة ورئيسها التنفيذي. وقد بدأت بالفعل الأدوات اللازمة لتحقيق ذلك في الظهور محليا، بدءا من أجهزة التحكم منخفضة التكلفة في الصوب الزراعية، مرورا بتأجير الصوب المملوكة للدولة، ووصولا إلى مصنع مزمع إنشاؤه لإنتاج بدائل التربة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
تتبَّع الجزء الأول من هذه السلسلة فجوات سلاسل التبريد وأزمة احتجاز الشحنات على الحدود ارتباطا بمتطلبات الامتثال لمعايير الاتحاد الأوروبي، التي تلتهم جزءا من طفرة الصادرات الزراعية المصرية البالغة 11.5 مليار دولار. ونعود في هذا الجزء إلى المزرعة، حيث تبدأ هذه المكاسب.
لماذا الآن؟ تحتل مصر مكانة متقدمة في قوائم أفضل دول العالم تميزا وإنتاجا في نظام الزراعة المكشوفة؛ وذلك بفضل العمالة الرخيصة ووفرة المياه وأشعة الشمس، إلى جانب دعم الوقود والمبيدات والأسمدة، بحسب سلامة. ويوضح أنه منذ تخفيضات قيمة العملة وإصلاحات الدعم التي بدأت في 2016-2017 تقريبا، بدأ المزارعون يتساءلون عن حجم ما يجنونه من أرباح وعن العائد للمتر المربع، بدلا من إجمالي حجم المحصول.
وتمثل العمالة عاملا رئيسيا في هذا التحول؛ إذ يقول سلامة إن عمال جني الفراولة الذين كانوا يتقاضون 50 جنيها مقابل وردية مدتها 6 ساعات حين بدأت عائلته العمل في الزراعة، باتوا يتقاضون 350 جنيها على الأقل، وسيستمر ارتفاع هذه الأجور مع زيادة الحد الأدنى للأجور وتكاليف التأمين الاجتماعي. ويقدر علي دياب، الرئيس التنفيذي لشركة أجري فينتشر، أن أجر يوم العمل الزراعي قد يصل حاليا إلى 400 جنيه، وأن العمالة تشكل 40-50% من تكاليف إنتاج التوت الأزرق.
المياه هي المحرك الآخر؛ إذ يأتي أكثر من 94% من المياه العذبة في مصر من نهر النيل، ولذا "فإن كل قرار إنتاجي هو في جوهره قرار يتعلق بالمياه"، وفقا لما قالته شذى عمر، الخبيرة الاقتصادية الزراعية والمتخصصة السابقة لدى وزارة الزراعة الأمريكية، في تعليقها لنشرة إنتربرايز الصباحية. وتوضح عمر أن ارتفاع منسوب البحر يدفع المياه المالحة إلى الدلتا، مما يتسبب في خسائر موسمية للمحاصيل تتراوح بين 30% و40% في المناطق الساحلية المتضررة. كما تشير إلى أن الضغوط المناخية قد تخفض متوسط العائد بنسبة 10% بحلول عام 2050 في غياب إجراءات التكيف، أي بخسارة مباشرة تبلغ نحو ملياري دولار.
يواجه منافسو مصر الضغوط ذاتها؛ إذ تواجه كل من المغرب وإسبانيا أزمات مائية ومناخية وشيكة من المرجح أن تبطئ قدرتهما التنافسية، بحسب سلامة. ونرى أن هذا يفسح المجال أمام المزارعين المحليين الذين يسبقون أقرانهم إلى التحديث.
مساحة واسعة للنمو
تكشف أرقام العائد حجم الفرص المتاحة؛ إذ تنتج الصوب الزراعية في مصر نحو 13 كيلوجراما من الطماطم للمتر المربع سنويا، وفقا لأرقام الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء التي أوردتها دراسة سوقية للحكومة الهولندية (بي دي إف). وتنتج الأراضي المكشوفة نحو 3.6-4.3 كيلوجرام للمتر المربع (15 إلى 18 طنا للفدان)، وفقا لمركز البحوث الزراعية، مما يعني أن الصوب تنتج نحو 3 إلى 4 أمثال ذلك، وفقا لحساباتنا. لكن هذا لا يزال أقل من إنتاج الصوب طويلة الدورة في منطقة ألميريا الإسبانية، التي يتراوح متوسط إنتاجها بين 16.8 و20.9 كيلوجرام للمتر المربع، ويصل إلى 29.5 كيلوجرام في أفضل الأنظمة، وفقا لدراسة (بي دي إف). كما أنه لا يمثل سوى جزء بسيط من إنتاج الصوب الهولندية البالغ متوسطه نحو 60 كيلوجراما، وفقا لبيانات منظمة الأغذية والزراعة (فاو). ويقول سلامة إن المزارعين يتطلعون الآن إلى هذا الهدف، موضحا أنهم "سيبدأون في التركيز على كيفية رفع إنتاجية كل متر مربع".
تكنولوجيا مصممة للظروف المحلية
يكمن التحدي في العثور على أدوات مناسبة؛ إذ إن معظم تقنيات الزراعة العالمية في البيئات الخاضعة للتحكم المناخي صممت في الأساس لتناسب لدول شمال أوروبا. ولذا حين اشترت مزارع توليما — وهي مزرعة تملكها عائلة سلامة تمتد على مساحة 20 فدانا وتخلو محاصيلها من المبيدات الحشرية — نظاما للتحكم المناخي من شركة سينماتيك الدنماركية، اضطر فريق سلامة إلى العمل مع مطوريه لإعادة كتابة البرمجيات. ويقول سلامة: "هنا في مصر، التدفئة مسألة ثانوية. ما نحتاجه فعليا هو التبريد". ففي حديثه إلى الشركات الهولندية خلال الفعاليات التي ينظمها القطاع، يؤكد سلامة هذه النقطة. إذ يقول: "لا يمكنك أن تبيع لمزارع مصري حلا يتطلب خبيرا زراعيا هولنديا".
يجسد السعر وجها آخر من أوجه عدم التوافق؛ فالأنظمة الأوروبية تستهدف تصميماتها صوبا زراعية تتراوح تكلفة إنشائها بين 200 و500 دولار للمتر المربع، مقابل متوسط يبلغ نحو 10 إلى 12 دولارا في مصر. وعند تعطلها، قد يستغرق وصول فني أوروبي 3 أشهر، وقد يتقاضى نحو ألف يورو يوميا، بحسب سلامة.
وهنا تظهر شركات محلية، مثل شركة جنينة، من خلال جهاز تحكم تقول إن تكلفته تبلغ عُشر تكلفة نظيره الهولندي، كما تعمل على التعاقد مع شركاء في التمويل متناهي الصغر لتمكين صغار المزارعين من استئجاره. لكن معظم الصوب المحلية لا تزال بحاجة إلى هياكل جديدة قبل أن يصبح تشغيلها آليا ممكنا، بحسب سلامة، مضيفا أن أحد عملائه الذي يمتلك نحو 300 عنبر لا يزال يرسل 4 عمال مرتين يوميا لرفع الأغطية البلاستيكية وخفضها يدويا.
تشغيل الصوب المملوكة للدولة
أنشأت الدولة قاعدة كبيرة للزراعة المحمية كي يعمل عليها المشغلون من القطاع الخاص؛ إذ امتلكت مصر نحو 109 آلاف صوبة على مساحة 45 مليون متر مربع في العام 2020-2021، منها نحو 52 ألفا في الدقهلية، وفقا للدراسة الهولندية. وأضافت المشروعات القومية تجمعات كبيرة إلى ذلك:
- محمد نجيب غرب الحمام: 25 تجمعا من صوب روفيبا الإسبانية، وألف وحدة صينية متوسطة التقنية.
- أبو سلطان بالإسماعيلية: 2300 صوبة على الطراز الصيني.
- اللاهون ببني سويف: نحو 1100 صوبة إسبانية ومصرية الصنع يديرها جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة.
- العاشر من رمضان: ألف صوبة صينية.
وقد أنفقت الدولة نحو 3 مليارات دولار على مشروعات الصوب هذه خلال العقد الماضي، وفقا لتقديرات سلامة.
تستعين الدولة الآن بمشغلين لإدارتها؛ إذ تشجع الحكومة الشركات الخاصة على استئجار الصوب التي أنشأتها الدولة وإدارتها لإنتاج محاصيل موجهة للتصدير، في أعقاب الأزمة المالية واشتراطات صندوق النقد الدولي، وفقا للدراسة. وأشارت الشركة الوطنية للزراعات المحمية التابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية إلى هذا التحول. ويصف سلامة احتفاظ الدولة بملكية الأراضي وتأجيرها بأنه "الاستراتيجية الصحيحة". وتدير أجري فينتشر حاليا نحو 70% من الطاقة المؤجرة، وفقا لدياب، فيما تعد شركة فروتيست من بين المشغلين الآخرين. وتتمثل الخطوة التالية في تدريب عدد كاف من الفنيين والمديرين المهرة، إذ تصنف الدراسة هذا النقص ضمن القيود الرئيسية التي يواجهها القطاع.
تصنيع مدخلات الإنتاج محليا
بدائل التربة هي البند التالي على قائمة التوطين: إذ يمكن أن تدر المحاصيل عالية القيمة مثل التوت الأزرق ما يصل إلى 10 آلاف دولار للفدان، مقابل نحو ألف دولار للمحاصيل التقليدية، وفقا لدياب، لكنها لا تنمو بكفاءة في الرمال الصحراوية. ولذلك يحتاج المزارعون إلى أوساط الزراعة المتخصصة هذه، التي طالما استوردوها من أوروبا. وتعمل أجري فينتشر مع الشركة الفنلندية لصناعة أوساط الزراعة "كيكيلا بي في بي" على خطة لافتتاح منشأة لتصنيع أوساط التربة البديلة في اقتصادية قناة السويس. واستعرض وزير الصناعة خالد هاشم الخطط مع بيكا تينيلا، الرئيس التنفيذي لشركة "كيكيلا بي في بي"، في سبتمبر الماضي. وتمثل أوساط الزراعة نحو 30% من تكاليف الزراعة الدقيقة، وفقا للوزارة، كما سيمد المصنع أسواق التصدير في أوروبا وأفريقيا والعالم العربي.
تجعل المدخلات المسعرة بالدولار كل خطأ مكلفا؛ إذ دفع المزارعون 296 دولارا مقابل ألف بذرة فلفل مستوردة، في حين لم يتجاوز سعر الفلفل الرومي الملون 20 إلى 34 جنيها للكيلوجرام في سوق الجملة في ديسمبر 2023، وفقا للدراسة الهولندية. ولهذا تختبر أجري فينتشر الأصناف وأجهزة الاستشعار الجديدة في مزرعة للبحث والتطوير على مساحة 20 فدانا في الخطاطبة قبل تعميمها، كما تنقي مياه النيل بتقنية التناضح العكسي كي يحصل كل نبات على التغذية ذاتها، بحسب دياب.
حماية أذكى للمحاصيل
قد تحقق حماية المحاصيل أكبر المكاسب على الإطلاق: إذ يعتمد معظم صغار المزارعين على المعرفة المتوارثة أو على المتجر الذي يبيعهم المبيدات، والذي يميل إلى حل كل مشكلة عبر الاستعانة بمنتج ما، وفقا لسلامة. ويقول سلامة إن المنتج يكون خاطئا في نحو 70% من الحالات وفقا لخبرته، ويُستخدم بطريقة خاطئة في 70-80% من الحالات. ويقدر أن سوء التشخيص وإساءة استخدام المواد الكيميائية يكلفان المزارعين نصف محصولهم المحتمل على الأقل.
يتمثل حل جنينة في عزيزة، وهي خبيرة زراعية تعمل بالذكاء الاصطناعي ومتاحة للجميع، وتتحدث العامية المصرية عبر واتساب وتطبيقات المراسلة الأخرى. وتعتمد عزيزة على أجهزة الاستشعار الخاصة بالمزرعة إن وجدت، وعند غيابها تعتمد على شبكة أجهزة الاستشعار التابعة لجنينة ومحطات الأرصاد الجوية في مصر. وبذلك يمكنها تحذير المزارع من احتمال الإصابة باللفحة بعد عدة ليال رطبة، واقتراح علاج متاح محليا استنادا إلى إرشادات منظمة الفاو ووزارة الزراعة والإرشادات الدولية للمبيدات. ونظرا إلى أن عزيزة انطلقت منذ مدة قصيرة، لا تتوفر بيانات عن أثرها حتى الآن، فيما يراها سلامة استثمارا طويل الأجل في توعية المزارعين يُفترض أن يؤتي ثماره "خلال 5 سنوات".
يتجه الموردون العالميون في المسار ذاته: إذ ترسل شركة "بي إيه إس إف" حاليا رسائل نصية تحذر المزارعين من تفشي الفطريات أو الآفات قبل 48 ساعة، استنادا إلى بيانات الطقس، كي يتمكنوا من استخدام العلاجات الوقائية في الوقت المناسب، وفقا لما قاله لنا أحمد أبو زهرة، المدير الإقليمي ومدير المبيعات لمصر والشرق الأوسط في الشركة. ويوضح أبو زهرة أن كثيرا من حالات فشل الحماية تنتج عن الرش في ذروة حرارة الظهيرة أو في توقيت خاطئ.
الخطوة التالية: نرى أن أهداف الحكومة للزراعة والاستدامة بحلول عام 2030 تعتمد على الأدوات ذاتها التي تناولناها في هذه السلسلة، وهي زيادة الرقعة الزراعية ورفع العائد وتعزيز تنافسية الصادرات، وفقا لبيان صادر عن وزارة الزراعة. وتستهدف الحكومة رفع الإنتاجية الزراعية بنسبة 20% عبر نشر 5 آلاف آلة زراعية في أنحاء البلاد بحلول نهاية عام 2027. ولتحقيق هدف الوصول بالصادرات الزراعية إلى 19 مليار دولار سنويا بحلول نهاية العقد، يسعى وزير الزراعة علاء فاروق أيضا إلى جذب الاستثمارات الخاصة في الإنتاج والتصنيع والري الحديث والتكنولوجيا الزراعية.