تشكل شركة البريد للاستثمار تحالف للاستحواذ على حصة في أحد مراكز البيانات، وفق ما صرح به العضو المنتدب والرئيس التنفيذي للشركة أحمد علي عبد الرحمن خلال منتدى إنتربرايز مصر أمس الأول الاثنين. وأوضح عبد الرحمن أن الاستثمار لا يزال في "مرحلة مبكرة جدا، ويضم عددا كبيرا جدا من الأطراف المعنية". وأضاف عبد الرحمن: "بمجرد أن يصبح المشروع جاهزا، أعتقد أننا سنضخ أموالا فيه بالتأكيد".
وأشار عبد الرحمن إلى أن سعة أحمال تكنولوجيا المعلومات المركبة في مراكز البيانات بمصر تبلغ نحو 15 إلى 20 ميجاوات. كما لفت إلى وجود 4 مشاريع كبرى معلنة، من شأنها أن ترفع هذه السعة إلى 400-500 ميجاوات، لكن 20 ميجاوات فقط من هذا الرقم هي السعة المؤكدة فعليا حتى الآن. وأضاف أن بناء المشاريع الأربعة سيتطلب استثمارات تتراوح بين 4 و5 مليارات دولار، في حين لا يزال المزيج التمويلي غير واضح.
ويدور إطلاق إحدى هذه المنشآت في حلقة مفرغة؛ إذ يتكلف أي مركز بيانات للذكاء الاصطناعي بسعة 20 ميجاوات — وهو الحجم الذي وصفه الرئيس التنفيذي لشركة حسن علام للبنية التحتية الرقمية محمد مجدي علام بأنه "مجدٍ" — نحو 600 مليون دولار، "وربما أكثر بناء على التكنولوجيا المستخدمة". ومن أجل الحصول على التمويل، تحتاج الشركة إلى عملاء، ويحتاج جذب العملاء وجود منشأة جاهزة، ولا يمكن بناء هذه المنشأة دون تمويل. وقال علام خلال المنتدى: "إنها حلقة مفرغة يتعين علينا كسرها بطريقة أو بأخرى".
الطلب يلحق بالركب
يرى أحمد صبحي، نائب الرئيس التنفيذي لمجموعة إي فاينانس للاستثمارات المالية والرقمية، أن الطلب "ربما يكون العائق الأكبر". وأوضح أن هناك "الكثير من الترويج المبالغ فيه للذكاء الاصطناعي"، لكن العملاء في مصر "لم يصلوا إلى هذه المرحلة بالكامل بعد". وفي المقابل، يرى علام أن الفرصة الحالية تكمن خارج البلاد؛ إذ تعاني الولايات المتحدة وأوروبا من قيود شديدة في القدرات الحاسوبية، ما يضع مصر في موقع يتيح لها تصدير هذه القدرات دوليا ريثما ينضج الطلب المحلي.
فضلا عن أن عمالقة الحوسبة السحابية الذين سيقودون هذا الطلب لم يصلوا إلى السوق حتى الآن. إذ تُعقِّد قواعد سيادة البيانات من دخول هذه الشركات، لكن عبد الرحمن يقول إن الحكومة "تعمل بجد" لحل الأمر. ويعد نموذج نيو كلاود أحد الحلول المقترحة، وهو نموذج تجميعي يعتمد على شراء السعات من مراكز بيانات متعددة وإعادة بيعها لعمالقة الحوسبة السحابية. وطرح ماجد عز الدين، الشريك الرئيسي في بي دبليو سي - مصر، حلا آخر يتمثل في نموذج "السفارة الرقمية"، وفيه تُدار بيانات العملاء الأجانب على الأراضي المصرية وفقا لقوانين بلدانهم الأصلية. وأوضح عز الدين أن قوانين سيادة البيانات "يمكن أن تخلق طلبا" في الداخل، لكنها "تعجز عن ذلك عندما تحاول جذب الشركات العالمية الكبرى من الخارج". وفي إشارة إلى السوابق الدولية، ذكر عز الدين أن إستونيا كانت رائدة في هذا النهج عام 2017 عندما أنشأت سفارة رقمية في لوكسمبورج لضمان مرونة العمل الحكومي والتعافي من الكوارث.
الطاقة تمثل عنق الزجاجة
يرى صبحي أن توصيل الكهرباء إلى قطع الأراضي المناسبة هو "الحل السحري الذي يحتاجه القطاع"، مضيفا أن "تخصيص الطاقة للأراضي المناسبة لا يسير بالسرعة المطلوبة". وتبلغ قدرة شبكة الكهرباء في مصر نحو 50-60 جيجاوات، وفقا لعبد الرحمن، كما تحتاج حزمة المشاريع المعلنة إلى استثمارات ضخمة في مجالي التوليد والنقل لتشغيل وتبريد تلك المنشآت.
ويبدو أن الحكومة استجابت لذلك؛ فقد وافقت وزارة الكهرباء على توسعة محطتي محولات العلمين والضبعة باستثمارات قدرها 3 مليارات جنيه، لتشمل محطتي محولات فرعيتين جديدتين بجهد 500 كيلو فولت مخصصتين لخدمة البنية التحتية لمراكز البيانات، وفق ما قاله مسؤول حكومي لإنتربرايز. وسوف يستغرق البناء عامين، ويأتي ضمن خطة أوسع لتحديث شبكة الكهرباء لاستيعاب الطاقة المتجددة.
تمويل البناء
تقول لمياء جاد الحق، رئيسة مجموعة تمويل المشاريع العالمية في مكتب بيكر ماكنزي، إن جهات الإقراض لا تحتاج إلى اختراع العجلة؛ إذ يمكن تقسيم مراكز البيانات إلى أصول مختلفة (الأراضي والمباني، والبنية التحتية للطاقة، ومعدات تكنولوجيا المعلومات) ثم تمويل كل منها على حدة. وتضيف أن عمالقة الحوسبة السحابية يرغبون بشكل متزايد في إبقاء البنية التحتية خارج ميزانياتهم العمومية. وأوضحت جاد الحق: "إنها شركات برمجيات، ولا ينبغي تقييمها على أنها شركات بنية تحتية".
كذلك أشار عز الدين إلى وجود تباينين هيكليين؛ يتعلق الأول بالعملة، إذ يمكن للبنوك المحلية الإقراض بالجنيه لتمويل الأعمال المدنية، لكن المعدات المستوردة تحتاج إلى الدولار، وهذا يتطلب تدخل وكالات ائتمان الصادرات أو مؤسسات التمويل التنموية. كما قال محذرا: "لا تقترض بالدولار إذا كانت جميع إيراداتك بالجنيه". أما التباين الثاني فيتعلق بآجال الاستحقاق، إذ يتعين على المقرضين التوفيق بين 3 جداول زمنية مختلفة؛ فالأراضي والمباني أصول طويلة الأجل، ومعدات الطاقة والتبريد أصول متوسطة الأجل، بينما تعمل مجمعات وحدات معالجة الرسومات (GPUs) وفق دورة حياة قصيرة تتجدد كل 3 إلى 5 سنوات.
لا مزيد من الأعذار
يرى علام أن الجانب التنظيمي بدأ يتضح بشكل أكبر. وبحكم مشاركته في هذا الملف منذ عام 2021، أشاد بالجهود الحكومية التي تقودها وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات؛ لأنها "استباقية للغاية" في إزالة الحواجز التنظيمية، مؤكدا أن هذا "لم يعد عذرا" للمستثمرين من القطاع الخاص. ويرى عز الدين أن الخطوة التالية يجب أن تكون مؤسسية، إذ تتوزع مسؤولية مشاريع مراكز البيانات حاليا بين عدة جهات حكومية ووزارات وشركات مرافق، ولا توجد جهة واحدة يمكنها إنهاء الإجراءات بمفردها. وأضاف أن مصر بحاجة إلى "عامل محفز مثل الرخصة الذهبية" لجمع هذه الأطراف، مشيرا إلى أن أطر العمل التي على شاكلة فكرة "السفارة الرقمية"، من شأنها أن تحفز جذب الطلب العالمي.
وقد أكدت الحكومة جدية هذه الاهتمامات. قال مسؤول بوزارة الاتصالات لإنتربرايز إن المناقشات جارية مع مشغلين دوليين متعددين لإنشاء مراكز بيانات فائقة الحجم، بما في ذلك اجتماعات عقدت مؤخرا مع تحالف هيكا داتا الأمريكي. ويركز العرض الترويجي المصري على الطاقة الخضراء (الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر)، التي تشترطها شركات التكنولوجيا العالمية بشكل متزايد لإقامة مراكز البيانات الكبرى. وتعمل الحكومة عبر وزاراتها المعنية على توفير حزمة متكاملة تشمل أراض جاهزة، وطاقة مستقرة بأسعار تنافسية، ونقاط اتصال بالكابلات البحرية، وبيئة تنظيمية داعمة.
تذكر: تعهدت شركة حسن علام للبنية التحتية الرقمية، وهي شراكة بين حسن علام القابضة وصندوق "إيه 15"، بضخ 400 مليون دولار في المرحلة الأولى من مركز بيانات جديد، وذلك في شهر يونيو الماضي بعد حصولها على ترخيص من الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات.
مساعي أخرى في السعودية
فاز مشروع مصري هندي مشترك بعقد بناء مركز بيانات للذكاء الاصطناعي في الرياض لصالح شركتي "سنتر 3" وهيوماين. ومن المقرر أن تحصل شركة حسن علام للإنشاءات المصرية وشركة ستيرلنج آند ويلسون الهندية على ما يقدر بنحو 750 مليون ريال (200 مليون دولار) لتنفيذ المرحلة الأولى، التي تشمل الأعمال المدنية والمعمارية والميكانيكية والكهربائية والسباكة وأعمال البنية التحتية، وفقا لمجلة ميد. وتبلغ سعة أحمال تكنولوجيا المعلومات في المرحلة الأولى 16.2 ميجاوات، ومن المقرر إنجازها خلال 16 شهرا. كما تشهد المرحلة الثانية توسعة الموقع لتصل قدرته إلى 50 ميجاوات، موزعة على قاعة واحدة قياسية الكثافة و4 قاعات عالية الكثافة بقدرة 11.2 ميجاوات لكل منها.
ويعد الموقع جزءا من برنامج بقدرة 1 جيجاوات أطلقته شركتا "سنتر 3" وهيوماين في ديسمبر الماضي. إذ تتعاون "سنتر 3"، الذراع المتخصصة في البنية التحتية الرقمية التابعة لمجموعة "إس تي سي"، مع هيوماين لبناء مراكز بيانات في جميع أنحاء المملكة لدعم أحمال العمل عالية الكثافة وتدريب النماذج اللغوية الضخمة، بدءا بقدرة تصل إلى 250 ميجاوات واستخدام المواقع الأولى بوصفها نموذجا أوليا للتوسع وصولا إلى جيجاوات واحد.
ومضت شركة هيوماين بخطى متسارعة في بناء محفظة تعاقداتها بقطاع مراكز البيانات؛ فإلى جانب مشروعها المشترك مع "سنتر 3"، تطور الشركة منطقة للذكاء الاصطناعي بقيمة 5 مليارات دولار بالتعاون مع أمازون ويب سيرفيسز، ومنشأة بقدرة 500 ميجاوات بالشراكة مع "إكس إيه آي" التابعة لإيلون ماسك، وحزمة مشاريع تقاس قدراتها بالجيجاوات مع داتا فولت، فضلا عن 211 قطعة أرض في جميع أنحاء المملكة. ويعد هذا المشروع منفصلا عن اتفاقية الشركة البالغة قيمتها 8.8 مليار ريال وقدرتها 250 ميجاوات مع المعمر لأنظمة المعلومات، التي بدأت إصدار أوامر العمل الخاصة بها هذا الشهر.
وبالنسبة لشركة حسن علام، يضيف الفوز بمشروع مركز البيانات نشاطا جديدا في مجال الذكاء الاصطناعي إلى سجل أعمالها في السعودية، الذي بنته بالفعل عبر مشاركتها في المشاريع الكبرى بالمملكة، الذي يُنفذ غالبا من خلال ذراعها المحلية وبالتعاون مع شريك. ففي الدرعية، فازت شركة حسن علام للإنشاءات السعودية وشركة "يو سي سي" السعودية بعقد قيمته 727 مليون دولار لتنفيذ المجمع السكني والتجاري لوالدورف أستوريا. وبالشراكة مع شركة البواني، فازت بعقد قيمته 490 مليون دولار لإنشاء المتحف السعودي للفن المعاصر. وأيضا بالتعاون مع شركة "أو إتش إل العربية"، تنفذ مشروع وصلة المدينة الصناعية الثانية بالدمام التابع للخطوط الحديدية السعودية (سار). وفي نيوم، تعمل المجموعة على تطوير محطة الحاويات 1 ومنطقة الخدمات البحرية التابعة لها بالتعاون مع شركتي السيف وتشاينا هاربور إنجينيرينج، إلى جانب عملها مع جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) في مشروع يوصف بأنه الأكبر من نوعه لاستعادة الشعاب المرجانية في العالم.